منوعات

الهوية النسوية في رواية {صور على الحائط»

الصباح
مصدر الخبر / الصباح

حق الاختلاف أو رفض الاقصاء 

د.خالدة حاتم علوان  
تشكل ظاهرة النتاجات الادبية للجيل الثاني من ادباء الطائفة اليهودية العراقية والتي تبحث في ثيمات استعادة الهوية والذاكرة الجمعية ملحما بارزا في المشهد الثقافي العراقي ، ونعني تحديداً الروايات المترجمة من العبرية الى العربية والتي كتبها ادباء ولدوا من اصول عراقية ، ربما في مقدمتها روايتا ( تشحله وحزقيل ) للروائي والشاعر ( الموج بيهار ) ورواية ( صور على الحائط ) للروائية ( تسيونيت فتال ) أهم تلك النتاجات بوصفها تمثيلات ثقافية جديدة تقترح مشروعا جديدا في اعادة صياغة العلاقات بين ابناء الوطن الواحد وفق ثنائية الذاكرة /والنسيان التي صورت في الروايات عبر قضيتين اساس هما قضية الخوف من النسيان واستعادة الهوية المفقودة عبر التأسيس لهوية جماعية وفردية والخروج من دائرة الذاكرة الجمعية المضادة . 

ومن مشتركات الظاهرة الى خصوصية النصوص ، تمتاز رواية ( صور على الحائط ) بحسها النسوي الواضح، فهي بالاضافة الى تبنيها ثيمة الصراع بين الذاكرة والنسيان ،فانها تقدم صراعا آخر هوصراع الذكورة والانوثة  اذ تعود الروائية فيها الى حقبة العشرينيات من القرن المنصرم ، لتكتب توصيفاً  لحال المرأة العراقية على وجه العموم واليهودية على وجه الخصوص ، تعلن فيها ادانتها للمنظومة الاجتماعية  ونعني قضية التمايز الجندري الذي كان سائداً تلك الحقبة على نساء الطوائف كافة بمن فيهن اليهوديات،  ومع تسيونيت تكمن الخصوصية في محاولتها مواجهة واقع الرفض بوصفها امرأة يهودية عبر ممارستها الكتابية ، ذلك الواقع الذي غيّب ابويها وبالتالي غيّبها بل واقتلعها من جذورها التي كانت من المفترض ان تكون امتداداً لجذور والديها مرةً ، وبوصفها انموذجاً للمرأة العراقية المقهورة اجتماعياً مرة اخرى ، ايّ انها عالجت مسألة التغييب بدافعين الشخصي ممثلاً بقضية والديها وهو المستوى الواقعي او المرجع الخارج نصي ، وبدافع عام للبحث في عالم المرأة العراقية اليهودية في فضاء كانت للطائفة اليهودية العراقية فيه مكان ووجود  . 
كتبت تسيونيت الذات /المرأة والموضوع / الوطن ( العراق)  ، حاولت فيه مقاربة وضع المرأة وما تتطلع اليه في ظل ظروف القهر السياسي اولاً والثقافي ثانياً ، وان كانت قد استدعت فضاءً زمنياً بعيداً عن فضائها وهي التي ولدت في “ اسرائيل” في ستينيات القرن المنصرم ، تعود لماض عاشه ابويها وتفتش في مذكرات من عاشوا في العراق وعايشوا الاحداث ، استوقفت الزمن ونقبت بحوادثه وفضائه المكاني حين قدمت وصفاً دقيقاً لطبيعة المجتمع العراقي حقبة العشرينيات حتى الخمسينيات منه ، وعبر اسقاطها الخاص على العام ، حاولت التقديم لمشروعها الثقافي متجاوزة كل العقبات ، في محاولة خلق علاقة جديدة بينها وبين اقرانها في بلدها الأم ( العراق) ، وما روايتها التي حاولت فيها استعادة هويتها المفقودة الا دليل ما ذهبنا اليه ، فعمدت في كتابتها التي حاولت فيها موضعة الذاكرة الجماعية لابناء الطائفة اليهودية  ضمن خارطة الذاكرة الجمعية العراقية لتؤكد اصالتها وبالتالي اصالة وجود الطائفة في العراق ، وهي في كل ذلك انما تقدم لحق الجماعة في استرداد الهوية وان كانت عبر طرق متخيلة ، فقدمت لحق الاختلاف الهوياتي عبر انفتاح هويتها وعدم انغلاقها وصولاً الى الهوية الانسانية ، وهي  تعالج تخيليياً مشكلة المرأة العراقية . 
وفي متخيلها الفني فلقد تمثلت الهوية النسوية لديها في محاور عدة لعل اهمها التمايز الجندري القائم على اساس من الفروق البايولوجية في تفضيل الرجل على الانثى والنظرة الدونية للمرأة ذلك التمايز الذي قدمت لادانته الروائية عبر نقدها للمؤسسة الدينية التي تحتفي بولادة الذكر وتقيم احتفالات خاصة بمراحل نشوئه ، وهو ما اكدته بطلتها ( نورية) وهي تعاني شعوراً بالالم بسبب ذلك التمايز فتخاطب ( زيزي ) صديقتها بالقول ( تصوري عدد الاحتفالات التي يقيمونها للاولاد: البريت (الختان) ، البار متسفاه ( الوصول الى سن التكليف) ، طقس النضوج.. انا حتى لا اتذكر متى ولدت بالضبط … اتعلمين لماذا ؟ لأن ذلك كان يوم حزن بالنسبة لآبائنا ، وكانوا يفضلون ان يمحى ذلك اليوم بدلاً من تذكره ) ، اذ يجتمع في النص توافقين ديني واجتماعي على مباركة ولادة الذكر ونبذ ولادة الانثى ، وهو ما اعطى الرجل مركزية في المجتمع وبسط نفوذه . كما نجدها تقدم قدرة بطلتها في تقويض السلطة الابوية وتحديها ، على سبيل المثال ماقدمته لموقف بطلتها التي ( رفضت الزواج من ابن عمتها .. واعلنت انها ستختار عريسها بنفسها ، اصيب اهلها بالصدمة ، وكانت هذه اول مرة ترفع فيها فتاة صوتها في العائلة ) ، او في محاول بطلتها الاستقلال حين تتخذ قرارها بالعمل ولا تعتمد على زوجها متحدية اياه في اعتمادها على نفسها ، فيم تمثل الموضع الثالث في تحرير جسدها وانعتاقه ، حين تقرر ان تنام بمفردها هاجرة فراش الزوجية ، كما تقرر العزوف عن اقامة علاقة حميمية مع زوجها ، ولعل التمثل الاكبر للهوية النسوية التي طرحتها الرواية هي نقدها ثقافة العيب التي تربت عليها النساء جيلاً بعد جيل ، الامر الذي كرس للهيمنة الذكورية وهو ما رفضته البطلة ، لكنها تترد في بعض الممارسات بسبب طغيان تلك الثقافة في اللاوعي النسائي . 
اذ تحاول في احدى شجارتها مع زوجها ان تخبره بصورته النمطية المشابهة لحال الرجال الشرقيين الا انها تمتنع في اللحظة الاخيرة حين تتذكر طبيعة المجتمع الذي يبارك كل التصرفات الذكورية ويمنع المرأة من البوح او سماع صوتها فتعيش مع قضاياها المكبوتة الماً مضاعفا ، الم الظلم والم الكبت ، كما وتمثلت الهوية النسوية التي طرحتها الروائية في فكرة التضامن او التكافل النسوي ، ذلك المبدأ الذي يجعل النساء تتعاون فيما بينهن وتساند احداهما الاخرى في محاولة تجاوز المشكلة التي تقع احداهن تحت وطأتها بسبب من الهيمنة الذكورية التي يعانين منها ، فعلى سبيل المثال قدمت الروائية ذلك التضامن عبر طبيعة العلاقة التي جمعت بين ( نورية / الانسانة البسيطة) وبين ( زيزي/ المطربة المشهورة ) ، وهي علاقة بوح بين ذاتين قدمت فيها مدى التوافق الروحي الذي جمع بين الشخصيتين وتشابه مشكلتيهما ، فمثلت علاقة تكامل حين جمعتهما علاقة صداقة طيبة نقية وقوية ، وهو ما كدته ( زيزي ) بالقول ( هذه المرة الاولى التي احكي فيها القصة لشخص ما ، ولا اعلم لماذا اشعر بالارتياح معك ، ربما لدينا مصير مشابه ، او ان الله ارسلك انت بالذات لمساعدتي ) ، كما انها قدمت لذلك المبدأ عبر علاقة ( نورية) بأمها التي كانت ترى نفسها بابنتها .
والروائية في كل ذلك انما قدمت لقضية استراد الهوية ، تلك الهوية التي شكل الخوف من نسيانها هاجسها الاكبر بوصفه ديناً في عنقها ارادت ان ترده لوالديها اللذين تمنوا حتى اللحظات الاخيرة من حياتهم العودة الى العراق ، وهي امنيات جميع من كتبوا في النصوص الروائية العراقية اليهودية ، فكانت روايتها مكملة لما قدمه من سبقوها ، لكنها اختارت الكتابة من وجهة نظر المرأة ، وسواء في متخيلها الذي قدمته ام في مشروعها الثقافي الادبي الذي تبنته ، فأن الروائية تنطلق من مبدأ الايمان بتعددية المجتمع وتنوعه الذي لا يمكن بنائه وفق مبادئ الظلم والاقصاء والكراهية ، والايمان والاعتراف بوجود الاخر وليس الاكتفاء بمعرفته فقط او كونه موجوداً ، بل الاعتراف بمنجزه . 

د.خالدة حاتم علوان  
تشكل ظاهرة النتاجات الادبية للجيل الثاني من ادباء الطائفة اليهودية العراقية والتي تبحث في ثيمات استعادة الهوية والذاكرة الجمعية ملحما بارزا في المشهد الثقافي العراقي ، ونعني تحديداً الروايات المترجمة من العبرية الى العربية والتي كتبها ادباء ولدوا من اصول عراقية ، ربما في مقدمتها روايتا ( تشحله وحزقيل ) للروائي والشاعر ( الموج بيهار ) ورواية ( صور على الحائط ) للروائية ( تسيونيت فتال ) أهم تلك النتاجات بوصفها تمثيلات ثقافية جديدة تقترح مشروعا جديدا في اعادة صياغة العلاقات بين ابناء الوطن الواحد وفق ثنائية الذاكرة /والنسيان التي صورت في الروايات عبر قضيتين اساس هما قضية الخوف من النسيان واستعادة الهوية المفقودة عبر التأسيس لهوية جماعية وفردية والخروج من دائرة الذاكرة الجمعية المضادة . 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من الصباح

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك