اخبار العراق الان

مآلات الصحافة الرياضية العراقية بين احتلالين وجمهورية الحاكم

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 وثيقة طاهر.. كمين في الملكي وظلّة غزو الكويت وفضيحة لولو والبدري!

 بغداد/ إياد الصالحي

تُكابدُ الأمُ حِمْل الولادة العسيرة بالسهر والأرق والرعب، فغالباً ما تصاحب الجنين مشاكل خطيرة حتى الأسبوع الثامن قبل أن يُبصر الحياة بمشقّة ربما تترك ندبة في جسمه تعيد ذاكرته حين يشيخ الى عتمة الرحم الآمن ورحمة الحرية الربانية وهي تطلقه دفعة واحدة ليعيش ويكبر ويتدبّر لُقْمَاته ويجابه الناس برسالاته مؤمناً بمآلات قدره أواخر سنينه أو من يحاكي سيرته بعد قرون كأن صرخته الأولى احتجاج عاجل لردود أفعال مؤجلة!
ومن فقه مآلات الواقع والأحداث المترابطة، استنبطتُ مخرجات تُشابه مكابدة الأم وصرخة المولود في شأنٍ مهني بعد تصفّحي الكتاب الجديد للباحث الزميل أ.د.عمار طاهر (الصحافة الرياضية في العراق.. تاريخ طويل ومحطات مضيئة 1922-2003) وهي أن وسيلة المهنة إذا لم تفضِ إلى مقصودها يُسقط اعتبارها، والقناعات هنا متباينة حسب ظرف الصحيفة والعاملين فيها والتحدّيات التي تواجهها مسايرة للنظام الحاكم مرة ومشاكسة لهم مرة أخرى أو فارضة سلطتها الرقابية غير آبهة للقيود بإشكالاتها المادية والفنية إن كانت الصحيفة غنية في جاه الحكومة أم فقيرة تعتاش على مردود مبيعات نسخها.

روح الحداثة
ما قدّمه الدكتورعمار طاهر ( 50 عاماً، معاون عميد كلية الإعلام في جامعة بغداد) في كتابه المخطّط بقضبان حُمر تتوسطها فراغات سود كما صوّرته سرياليته المدهشة مع تراكم صور من صحف رياضية تعود للزمن القديم في النصف السفلي للغلاف كأنه يمثل قاع تأريخها، وراح فكر الباحث يتوثّب بجرأة الحاضر ليغرف جواهر ثمينة، ينتقيها ويصفّفها حسب عهودها: الملكي (1922- 1958) والجمهوري الأول (1958-1971) والجمهوري الثاني (1971-1990) مختتماً تراتيبيته الزمنية المنتظمة بأهم المتغيّرات التي شهدتها الصحافة في العراق خلال الفترة (1968-2003) تأثّراً وتأثيراً بمستجدّات النشاط الرياضي ومأسسة قوانينها والتنظيمات المنبثقة عن تجمعات مجتمعية أخذت بأيدي الصحافيين الرياضيين لإحداث ثورة عارمة دبّت روح الحداثة التدريجية في فنون الصحافة حتى أخاض الزملاء بحورها الى الضفاف الآمنة.
إن ما أورده الباحث من إبراز المراحل التاريخية لـ 44 صحيفة بدءاً من (العرب 1917-1920) وانتهاءً بـ (القادسية 1980-1990) و17 مجلة بدأها بـ (لغة العرب 1911) وأنهاها بـ (الرشيد 1990) حسب المصادر التي أستقى منها معلوماته خلال مدة تنقيبه عنها في تلك الفترة، يمكن أن نضيف اليها ما جادت به السلطة الرابعة من مهارات كتّاب كبار واصحاب امتياز ومؤسسات مموّلة بأهداف ربحية نمَتْ على عوائد الإعلانات من 1990 حتى 2003 العام الذي رفع عنده الدكتور عمار قلمه في الكتاب مُنهياً فصول مبحثه الستة دون أية تفاصيل عمّا جرى بعده، وبالتالي فإن أجزل الانصاف لواقع الصحافة الرياضية العراقية في ظل معطيات صفحات الكتاب البالغة 232 صفحة هو ركوبها الأهوال بين احتلالين بريطاني عام 1917 وأميركي عام 2003.

فوضى الرياضة
أولاً، الاحتلال البريطاني، تنقّل الباحث في خريطة تنظيم إدارة الدولة العراقية في كنف الاحتلال، وتدخّل جيشه في وضع مناهج التعليم وتكريس اهتمام الأهالي بالتربية البدنية، وإن كانت الفوضى تتسيّد التعاطي مع مفردات الألعاب برغم وجود دائرة المعارف التي أعتنت بطلاب المدارس بشكل لافت، وكأن العراقيين لم يعرفوا من الرياضة شيئاً وخاصة كرة القدم إلا بعد إشاعتها من الإنكليز ، بينما ذهبت مصادر أخرى لم تطلها يد الدكتور عمار وضمّنها الكاتب إبراهيم الحمداني في ذكريات رياضة العراق (كان العراقيون يزاولون كرة القدم في منطقة الباب المعظم قبل عام 1905، يشكّلون دائرة ويقومون بنقل الكرة بين أرجلهم دون الأخذ بنظر الاعتبار العدد المحدود من اللاعبين) و (أكد أحد الرياضيين القدامى أن والده كان يلعب الكرة في الثكنة العسكرية ويشهد لدور صديق اسمه مظفر احمد أنه لعب ضمن الفرق التركية قبل الاحتلال البريطاني للعراق وبذل جهوداً كبيرة لتطوير اللعبة في أواسط عشرينيات القرن الماضي، حيث كان لاعباً فذاً وحكماً أميناً ومدرباً ناجحاً).
ما يهمّنا في الفترة التي نشأت خلالها الصحافة الرياضية أن العراقيين تعلموا الدروس جيداً من الاحتلال واعتمدوا على أنفسهم بأن لا رياضة حقيقية من دون وسيلة حرة تنقل مجريات الفعاليات بإمكانات بسيطة وهو ما حدث في أعقاب تسلّم الأسرة الملكية مقاليد الحكم عام 1921 بولادة مجلة نادي الألعاب الرياضية في مقهى شعبي كدليل كافٍ على أن الشباب العراقي هم قاعدة أي مشروع يبدأ بمستلزمات بدائية ويكبر بأحلامهم واهدافهم، فكانت المجلة بمثابة كمين (سِلمي) جذبهم ورغّبهم بمختلف الألعاب وتعلّقوا في ممارستها بشغف كبير.
ولم يخلْ السرد الشيق للباحث عمار طاهر عن مكنونات المجلات التي رأت النور في تلك الحقبة وعددها عشر هي (الألعاب الرياضية، والألعاب، والتربية البدنية والكشافة، والثقافة الرياضية، والنادي، الاتحاد الرياضي، والشباب، والشعلة، وعالم الرياضة) من السخرية والإثارة بأسلوب شيّق، كما جاء في ذكر المصارع داود عباس أواسط عقد الثلاثينيات، حيث نشر إعلاناً في مجلة الألعاب يدعو زميله مجيد لولو لمنازلته وينتظر جوابه! وفي الوقت نفسه يفهم المتابع من خلال اقتصار الإصدار على جريدتي (الرياضي والفتوة) مقابل 10 مجلات. أن إصدار الصحف بشكل يومي آنذاك يعد مجازفة وخسارة لم يجرؤ أحد على تحمّلها لضعف إقبال الجمهور على الشراء ولهذا توقفتا بعد اصدارهما 40 عدداً تقريباً.
لعل ما يلفت في صفحات الكتاب ما جاء في الفصل الثالث (العهد الجمهوري الثاني) الذي يصلح أن نطلق عليه صحافة السلطة حيث شهد اصدار صحف مثل (البعث الرياضي والزوراء والشعلة) أواسط الثمانينيات مسك رئاسة تحريرها أشخاص مقرّبون من رأس النظام السابق، وأصبح الواقع الرياضي برمّته تحت مجهر كبار النقاد حتى خيّل للمتابع أن تلك الصحف تحوّلت الى وسيلة خطيرة بيد نظام رياضي يحكمه أبن الرئيس حاربت مسؤولين في الدولة ونجوماً في الرياضة حتى واجه العاملون في تلك الصحف تهديدات عدة كشفت عنها سطور مقال في الصفحة 110 من الكتاب. وكان لفن الكاريكاتير اشارة مهمة للباحث بأنه أداة تقويم أسهمت في رصد سلبيات الاتحادات وفضائح بعض الرياضيين، لكن من وجهة نظر شخصية لم تكن رسالة الكاريكاتير بريئة من زاوية أخرى حيث لعبت دوراً سيئاً في استهداف مدربين ولاعبين وإعلاميين يحظون بمكانة جماهيرية كبيرة، مثالاً على ذلك مهاجمة الإعلامي مؤيد البدري بسبب تضييفه وزير الشباب والرياضة المناوئ لرئيس اتحاد الكرة في برنامجه الشهير(الرياضة في اسبوع) وتم رسمه بمقصد فضحه وهو يمسك الميكروفون معلناً أن مادته ستكون بديلة لفيلم السهرة !!

نقاط المرحلة الاستثنائية
ثانياً، قبل الاحتلال الأميركي، شهد حرس الصحافة الرياضية انقلابات جوهرية ارتكزت على نقاط جسر لمرحلة استثنائية هي: المحتوى الفكري للخطاب، والمستوى الثقافي للمستقبِل (بكسر الباء) سواء رياضي أم مشجّع، والرقابة “الحكومية – النقابية ” الصارمة، نقاط ثلاث لعبت دورها في مسيرة الزملاء، وأعني السنين العشر التي سبقت الاحتلال الأميركي التي غابت لمسات الباحث التفصيلية عن أبرز تحوّلات الصحافة الرياضية خلال الفترة (1993-2003) مثلما أشبع العهود السابقة تنقيباً كون فترة قبل الاحتلال تأثرت بشكل واضح بظروف الحصار الاقتصادي، وكأنها ( أي صحافتنا ) عوقِبت هي الأخرى نتيجة مغامرة النظام السابق في غزو دولة الكويت وضمّها كمحافظة 19 للفترة من 2 آب 1990 لغاية 26 شباط 1991، ما ألقى توتر المنطقة والمقاطعات العربية والأجنبية للعراق وضعاً قاتماً على الصحافة عامة والرياضية منها خاصة التي أخذت تتقلص صفحاتها شيئاً فشيئاً ودخلت في خندق السياسة والحرب بين عامي 2001و2002 بشكل مباشر حتى أطفأت مصابيحها مع حلول ظلام المعارك وتصاعد ألسنة النار على رؤوس أبنية العاصمة.
آمل أن ينبري الباحث في إصدار آخر يُكمل فيه حقبة الصحافة الرياضية ما بعد التاسع من نيسان 2003 حيث باشر الصحافيون الرياضيون أعمالهم ورؤوسهم مصدّعة كل ساعة بقرقعة السلاح الأميركي في الشوارع وأصوات رصاص اشتباكاته في كل الأزقة، وهي حقبة شهدت صدورعشرات الصحف عبثياً، فيما ظلّت أقلام أهل المهنة الحقيقيين توثّق أصدق صور دمار الرياضة وتضافر أسرتها لبناء الملاعب والأندية واستعادوا كيانهم الاعتباري في المهنة ونقاط العبور ذاتها باستثناء الرقابة التي لم يعد لها وجود بكفالة الدستور، وهو سلاح ذو حدّين أضاع قيم البعض وأفسد ذممهم، فيما استقوى البعض الآخر بكفاءته وتصدوا للفاسدين وانتصروا لحقوق الرياضة والرياضيين.

أمانة حرس المهنة
ومن الأهمية الظرفية، يعد الكتاب أحدث توثيق نموذجي توافق صدوره مع ذكرى اليوم العالمي للصحافة الرياضية الثاني من تموز الجاري، مناسبة عظيمة لتعزيز أصالة المهنة وإرساء الصدقية مع الرأي العام، فالكتاب غنيّ بالمعلومات غير السطحية أو المحشوّة على السليقة مثلما ضمّت المكتبة الرياضية عدداً من الكتب على هذه الشاكلة، كون أهلية الباحث الأكاديمية وتجاربه المتميزة في العمل الصحفي منذ أن أمتهنّاه معاً رسمياً لأول مرة عام 1998 في صحيفة الإعلام الأسبوعية عزّزتا من إخراج بحثه برصانة وأخلاقية فرسان الكلمة، واصفاً الأحداث دون تزويق وحافظاً حقوق روّاد المهنة أسماء ومواقف، ومودِعاً حقائق تاريخية في قبو ذاكرة الصحافة الرياضية لعل حارسها المستقبلي يستأمن جيلاً بعد جيل على ماضي صفحات لم تعد منسية أو محرريها مجهولين وقد غمروا بإضاءات كتاب طاهر.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك