منوعات

آثار مسروقة تكشف عن مدينة اثرية مفقودة في العراق

الصباح
مصدر الخبر / الصباح

جين عرّاف ترجمة : انيس الصفار *

لم يكن لدى عالم الاثار “إيكارت فراهم” من الوقت ما يكفي لتحديد المصدر الذي جاءت منه تلك الالواح والرقم الطينية التي يبلغ عمرها 4000 عام، فمسؤولو الأمن الداخلي لم يسمحوا له بالبقاء في مستودع نيويورك للتحف اكثر من يومين ونصف اليوم لكي يدرس ويمحص النقوش المسمارية المحفورة على وجه القطع الاثرية الهشة ثم موافاتهم بتقريره.

يقول فراهم، وهو استاذ من جامعة ييل: “لم تكن الرقم في وضع جيد لأن الاملاح تسللت اليها بحيث لا يمكنني القول أنني استطعت قراءة كل شيء. بيد ان هدفي الاساس كان الخروج بتقييم عام يتعلق بالمصدر الاصلي والفترة الزمنية اللذين تنتمي اليهما تلك الالواح والرقم.”
خلص فراهم الى ان الرقم الطينية، التي كانت موضوع دعوى قضائية فدرالية اقيمت على سلسلة محلات “هوبي لوبي للفنون والمصنوعات” التي مقرها اوكلاهوما، قد جاءت من مدينة سومرية قديمة لا احسب ان احداً قد سمع بها اسمها “إريسا- غرغ” (Irisagrig).
يمضي فراهم مستطرداً: “قد يرد البعض علي بأن هذه مدينة مفقودة وأن الموقع نفسه لم يلق قدراً وافياً من التنقيب، بل لا يستطيع احد ان يزعم انه يعرف اين تقع على وجه الدقة والتحديد.”
لكن اللصوص كانوا يعلمون. فالرقم التي فحصها فراهم في العام 2016، والتي قارب عددها 250 رقيماً، كانت جزءاً من 5500 قطعة اثرية، بينها اختام اسطوانية قديمة وطبعات أختام، جرى تهريبها الى الولايات المتحدة على دفعات بدءاً من العام 2010. بعضها كان يشحن اولاً الى الامارات العربية ومنها الى اسرائيل دون الكشف عن ان مصدرها الحقيقي هو العراق. بعضها كانت توضع عليه إشارات تمويه تقول “بلاطات سيراميك” أو “فخار طيني (عينات)”.
اخيراً انتهى المآل بالمجموعة الاثرية الى شركة “هوبي لوبي” التي اشترتها بمبلغ 1,6 مليون دولار. ولكن من خلال تسوية اجريت في السنة الماضية مع وزارة العدل الاميركية وافقت “هوبي لوبي” على اعادة القطع مع دفع غرامة مقدارها 3 ملايين دولار. وفي شهر ايار الماضي سلمت نحو 3800 قطعة منها الى الحكومة العراقية في حفل اقامته السفارة العراقية بواشنطن، وسوف تعاد المجموعة الى العراق خلال العام الحالي.


«متحف الانجيل»
في شهر تشرين الثاني الماضي افتتح “ستيف غرين” رئيس سلسلة محلات “هوبي لوبي” ما اطلق عليه “متحف الانجيل” في واشنطن، وهو يحوي قطعاً تاريخية تصل اقيامها الى 201 مليون دولار. صرح هذا المتحف التابع لـ”هوبي لوبي” لدى افتتاحه أن اي من القطع التي شملتها التسوية ليست من بين مقتنيات المتحف ولا كانت في اي وقت مضى.”
ظهرت اول حضارات العالم في المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات، وهو ما يطلق عليه في يومنا اسم العراق، وكانت اللقى والقطع الموجودة في المواقع الاثرية في الجنوب عرضة منذ اعوام التسعينيات لعمليات نهب وتهريب واسعة، وجزء مهم من السبب في ذلك هو سهولة اختراق حدود العراق مع الكويت، كما يقول خبراء الاثار المتخصصون بالعراق. 
بعد ذلك تفاقمت عمليات النهب وتوسعت بسبب الفراغ الامني الذي أعقب غزو العراق في 2003، ولكن الذي ضاع لم يكن القطع الاثرية وحدها بل ضاعت معها المعلومات الاساسية المهمة التي يجب الاستناد اليها للاستدلال على الاماكن التي تنتمي اليها القطع اصلاً لأن النقل من المواقع الاصلية كان يجري دون تثبيت للوقائع ولا وثائق. 
يقول فراهم ان عالم الاثار الاسباني “مانويل مولينا” انشأ قاعدة بيانات ساعده فيها فريق من المعاونين للاسترشاد الى المواقع الاصلية التي جاءت منها التحف الاثرية. استندت قاعدة البيانات تلك على الكتابات المنقوشة على رقم وقطع اثرية مسروقة اخرى عادت الى الظهور في اعقاب غزو العراق في العام 2003.
هذه الرقم وردت فيها اول اشارة مسجلة يصادفها الاثاريون بخصوص مدينة “إريسا- غرغ”. فوفقاً لما جاء في احد الالواح المكتوبة بالخط المسماري ان الوصول اليها كان يقتضي سحب الزوارق عكس التيار صعوداً في النهر لاربعة ايام من مدينة أوما، وهي مدينة سومرية قديمة اكثر شهرة (يطلق عليها حالياً اسم تل جوخة – المترجم). من ذلك النص استدل مولينا على الموقع التقريبي المحتمل لهذه المدينة المفقودة في جنوب العراق.
مدينة أوما نفسها كانت من بين اشد المواقع الاثرية في العراق تعرضاً لأعمال النهب. فبعد الانفلات الامني الذي اعقب الغزو الاميركي في 2003 حفر اللصوص مئات الحفر في تلك التلال حيث المدينة الراقدة تحت التراب. 


5000 تل اثري
يعتقد الاثاريون ان بقايا آلاف المدن والبلدات ربما تكون قابعة ايضاً تحت تلال كثيرة اخرى في العراق. عن هذا تقول لمياء الكيلاني، وهي متخصصة في الاثار تحمل الجنسيتين العراقية والبريطانية وتعمل في المتحف العراقي ببغداد وفي معهد الدراسات الشرقية والافريقية بجامعة لندن: “لنتذكر اننا حتى لو اخذنا العراق القديم فقط فهذا تاريخ يمتد لثلاثة آلاف سنة، وهم لم يكونوا يعيشون معاً في مدينة واحدة او بضع مدن.” عملت لمياء في مجال اللقى الاثرية العراقية منذ الستينيات، وهي تقول: “جنوب العراق مليء بهذه التلال.”       
يعتقد علماء الاثار ان في العراق نحو 5000 تل اثري، كما يقول فراهم، ولكن التنقيبات لم تجر بشكل اصولي إلا في قلة منها فقط، ومدينة “إريسا- غرغ” ليست من ضمن تلك القلة. يستطرد فراهم قائلاً: “لا احد يعرف شيئاً عن مدينة إريسا- غرغ اكثر مما اوردته الالواح الاخرى. كثير من تلك الاثار كان يباع عن طريق موقع إي- بي الى ان وصل بعضها الى مجموعات المقتنيات الشخصية. من هذه الالواح الاخرى علمنا ان بعض الواح مجموعة هوبي لوبي على الاقل، إن لم نقل كلها، قد أتت من هذه المدينة بالتحديد.”
يضيف فراهم انه استطاع التثبت من أصل الالواح مستعيناً بالاختام والاستدلالات المرجعية، ومن تلك سجلات موظف عرف بأنه كان حاكماً لمدينة “إريسا- غرغ” قبل حوالي 4000 سنة.


أرشيف مدينة اريسا
تلك الالواح، أو السجلات، كانت تمثل ارشيفاً للحكومة المحلية يتضمن الصفقات التجارية والزيارات الرسمية وحتى ملاحظات تتعلق بالطعام الذي كان يقدم لكلاب القصر.
يقول فراهم: “يتضح من تلك التفاصيل ان الحياة في إريسا-غرغ كانت طيبة ناعمة. فالكلاب لم تكن تعطى لحماً بل حبوباً، ولكن ساكني القصر الاخرين من المستويات الادنى، ومنهم نساجات الاقمشة، كانوا يعطون حصصاً غذائية قوامها اللحم، وهذا شيء لم يكن معتاداً في ذلك الزمن.”
يضيف فراهم ان الواح “إريسا-غرغ” كانت في واقعها وثائقاً ادارية لا دينية، ولكنها نقشت بحدود الفترة الزمنية ذاتها التي يعتقد مفسرو كتب العهد القديم بأن ابو الانبياء ابراهيم عاش فيها. كذلك يعتقد البعض ان مدينة أور، التي يذكر الانجيل أنها كانت موضع ميلاد النبي ابراهيم، هي المدينة القديمة في بلاد ما بين النهرين والتي لا تزال تحمل الاسم نفسه في العراق الحالي.
يضيف فراهم ان قطع “هوبي لوبي” الاثرية التي اعيدت الى العراق تضم ايضاً، عدا ارشيف مدينة “إريسا-غرغ”، الواحاً يرجع تاريخها الى نحو 2500 سنة قبل الميلاد مدون فيها ابتهالات وتعاويذ موجهة للالهة وأحرفاً بابلية يعود عهدها الى ما بين 1900 و1700 قبل الميلاد فضلا عن ابتهالات اخرى يرجع عهدها الى بضع مئات السنين قبل الميلاد.
يصف فراهم تلك الابتهالات بأنها من اهم القطع في المجموعة لأن الالواح، وهي اقدم من الواح “إريسا-غرغ” بما يقارب 300 سنة، تخاطب ثلاثة من آلهة بلاد ما بين النهرين. ويمضي مضيفاً ان هناك نصاً يعود عهده الى الالف الاول قبل الميلاد مكتوب بالبابلية وبلهجة خاصة لا تستخدمها غير النساء تسمى “إميسال” (ومعناها اللسان الرقيق وهي لهجة ذات صفة اجتماعية من لهجات اللغة السومرية مخصصة حصراً لمخاطبة الإلهات والنساء في انواع محددة من النصوص الادبية، لاسيما الندب واغاني الحب المقدس والحوار والامثال والتهويدات – المترجم).
اما القطع الاخرى فمعظمها طبعات طينية لاختام اسطوانية كانت تستخدم كتوقيع في الوثائق، واختام اسطوانية تتسم بصغر الحجم والدقة في صقل الاسطوانات الحجرية التي تخلف في الطين بصمات تقوم مقام توقيع صاحب الختم.
تقول “اليزابيث ستون” وهي متخصصة في علم الاثار من جامعة “ستوني بروك” كلفتها السلطات الاميركية بمهمة فحص الاختام للتحقق من انها تنتمي الى العراق: “لا اعتقد ان بين هذه القطع شيئاً فريداً او نادراً، ولكن بعض الاختام جميلة حقاً. بعضها مصنوع من حجارة صلبة عالية النوعية والنقوش عليها واضحة جداً وصافية، بيد ان البعض الاخر ليس كذلك. انه خليط متداخل للغاية ولعل السبب هو انها ليست جميعاً مشتراة في العراق بل في اسرائيل والخليج ومن هناك ارسلت.”
تعتقد ستون ان الغرامة الثقيلة التي فرضت على “هوبي لوبي” قد تحول دون تصدير امثال هذه اللقى والتحف المسروقة مستقبلاً الى الولايات المتحدة. بيد ان عمليات النهب والسرقة سوف تبقى مشكلة قائمة بالتأكيد، كما يقول الخبراء، نظراً لكون معظم المواقع الاثرية في العراق مكشوفة بلا حماية وان هناك اسواقاً اخرى واسعة خارج الولايات المتحدة. 
يعتقد خبراء الاثار ان كثير من جامعي تحف بلاد ما بين النهرين الشخصيين هم من اغنياء الخليج.
تقول لمياء الكيلاني: “بعد حرب الخليج في 1991 فقدت الحكومة العراقية سيطرتها على المناطق الواقعة خارج المدن، لاسيما في الجنوب. اثار المناطق الشمالية مختلفة نوعياً ونهبها اكثر صعوبة، اما الجنوب فإنه اسهل واكثر جاذبية للصوص لأن القطع بطبيعتها صغيرة الحجم .. فهي عبارة عن الواح ورقم والجميع يطلبون الالواح والرقم. كذلك فإن الحصول عليها يسير، فكل ما عليك عمله هو ان تشق حفرة في الارض والاحتمال الاكبر هو انك ستعثر على شيء ذي قيمة.” 
*عن موقع مؤسسة «إن بي آر” الاعلامية 

لم يكن لدى عالم الاثار “إيكارت فراهم” من الوقت ما يكفي لتحديد المصدر الذي جاءت منه تلك الالواح والرقم الطينية التي يبلغ عمرها 4000 عام، فمسؤولو الأمن الداخلي لم يسمحوا له بالبقاء في مستودع نيويورك للتحف اكثر من يومين ونصف اليوم لكي يدرس ويمحص النقوش المسمارية المحفورة على وجه القطع الاثرية الهشة ثم موافاتهم بتقريره.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من الصباح

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك