اخبار العراق الان

الانتخابات ونتائجها المُعلنة منسجمة مع مبدأ المشروعيّة

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

هادي عزيز علي

عن مبدأ المشروعية يقول الراحل الدكتور صفاء الحافظ: (مبدأ المشروعية يعني مراقبة ممارسة الحكم في حدود القواعد القانونية المعلنة، وطبقاً لها، ومراقبة الأفعال في ضوء الأحكام القانونية القائمة.. وإن تعطيل القاعدة القانونية ولو كانت فاسدة أو خرقها يؤدي الى انقطاع العلاقة بين العمل والقول ويمسّ مبدأ المشروعية في الصميم ويفسح المجال واسعاً أمام الطبقات الحاكمة لتستفيد من خرق القاعدة القانونية، وبديلاً عن ذلك الخرق هو العمل والسعي الى استبدال تلك القاعدة أو إلغائها..).

وبهذا المعنى فإن المشروعية تعني خضوع السلطات كافة والأشخاص الطبيعية والمعنوية الى القانون الوضعي، أي أن كل التصرفات في الدولة يجب أن تتم على وفق احكام قانون وضعي نافذ، وبهذ تختلف المشروعية عن الشرعية، إذ أن الأخيرة ذات مرجعية سياسية، في حين أن المشروعية هي في القانون أو النظام القانوني، وبالتالي فإن مرجعيتها قانونية .
الانتخابات البرلمانية الأخيرة تمت على وفق احكام قانون الانتخابات رقم 45 لسنة 2013 الذي عدلت أحكامه ليكون التصويت الكترونياً، وأن تجري عملية الفرز والعد باستخدام جهاز تسريع النتائج الالكتروني وذلك بموجب التعديل الأول للقانون، الممهّد لانتخابات 2018. وعندما اعترض البعض على الاجراءات الالكترونية في حينها كانت ردّة فعل المتبنين له عنيفة، إذ تنافخوا طرباً بمنجزهم التشريعي المتماهي مع التحديث واجراءات الانتخابات الكترونياً. المفارقة الملفتة للنظر أن الخاسرين في الانتخابات الذين سبق وتنافخوا طرباً لمنجزهم التشريعي هم أصحاب الصوت الأعلى لإلغاء العد والفرز الكترونياً والميل الى اليدوي.
عليه ولما كان التصويت وتسريع النتائح الكترونياً تمت تحت نطاق وسريان قانون نافذ وملزم لجميع السلطات، فهذا يعني أن الانتخابات والنتائج المعلن عنها تمت على وفق احكام المشروعية التي يحظر خرقها أو التجاوز عليها حتى لو كانت قواعدها التشريعية سيئة. وعلى ما فيها من سوء فهي تدخل ضمن المشروعية، فضلاً عن كونها محمية دستورياً على وفق احكام المادة 130 من الدستور التي تنص على: (تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها ما لم تلغى أو تعدّل ..)، أي أن النصوص القانونية هي النافذة وهي المعمول بها قانوناً قبل أن يدركها التعديل أو الإلغاء. لذا فإن انتخابات 2018 ونتائجها نتسجم مع مبدأ المشروعية ولا مسوغ قانونياً للتصرف خلافاً للمشروعية مادامت القواعد القانونية التي تمت تحت ظلها الانتخابات ونتائجها نافذة وسارية المفعول حينئذ. أما التشكّي منها ومن نتائجها، فللقانون رسم آخر.
وتعزيزاً لهذا الرأي فقد وجدنا من الضروري استذكار ما استقرت عليه التطبيقات القضائية لهذا الموضوع ومنذ تأسيس الدولة العراقية المتمثل بنفاذ القاعدة القانونية قبل تعديلها وخضوعها لمبدأ المشروعية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أن القسامات الشرعية التي تصدرها محاكم الأحوال الشخصية الى يومنا هذا للمتوفين للفترة بين نهاية عام 1959 – وهو تاريخ صدور قانون الأحوال الشخصية – الى 8 شباط 1963 تصح فيها المسألة الإرثية للذكر مثل حظ الأنثى عندما كانت النصوص تقضي المساواة في الإرث، ولكن بعد 8 شباط 1963 ألغيت المساواة وأعيدت احكام الإرث الى سابق عهدها وإن الالغاء اللاحق لم يستطع المساس بالمساواة في الإرث، اذا حدثت الوفاة في تلك الفترة واستخرج القسام هذه الأيام وهذا ما هو مطبّق في جميع محاكم الأحوال الشخصية الى يومنا هذا.
والمثال الثاني يتعلق بالجريمة التي أودت بحياة الراحل عز الدين سليم عضو مجلس الحكم عن البصرة، فالقاتل تنطبق عليه احكام المادة 406 من قانون العقوبات التي تحكم بالإعدام، إلا أن محكمة الجنايات المختصة حكمت عليه بالسجن مدى الحياة، لأن وقت ارتكاب الجريمة كان فيه عقوبة الإعدام معلقة من قبل رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة والمُستبدلة بالسجن مدى الحياة. وعندما جاءت حكومة إياد علاوي ألغت التعليق وأعادت الحكم بالإعدام، إلا أن هذه العودة الى الاعدام لم تفرض الإعدام على الجاني لأن الفعل وقع تحت سريان نص تشريعي نافذ في حينه يقضي بأن العقوبة هي السجن مدى الحياة وهذا ما تم الحكم فيه من قبل محكمة الجنايات المختصة.
مما تقدم ننتهي الى أن الانتخابات واعلان نتائجها جرت تحت نصوص قانونية نافذة متمتعة بالمشروعية ومحمية دستورياً، فهي معتبرة من الوجهة القانونية لا يجوز خرقها أو إهدارها من قبل اية جهة أو سلطة، ولا مسوغ قانونياً للتعديل الثالث لقانون الانتخابات وما رافقه من تداعيات وآثار وما صاحبه من ضجيج إعلامي شغل الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، خاصة وأن التعديل الثالث الذي أعلنه مجلس النواب هو نص غير معوّل عليه قانوناً، فضلاً عن أنه نص غير رسمي استناداً لأحكام قانون النشر في الجريدة الرسمية الذي نصت المادة 1 ثانياً منه على: (يعتبر جميع ما ينشر في الوقائع العراقية النص الرسمي المعوّل عليه)، وعدم النشر للتعديل في الوقائع العراقية مع الإلحاح غير المبرر من قبل مجلس النواب على المحكمة الاتحادية العليا سبب لها حرجاً في نظر الطعن، بخاصة وأن التعديل الذي وصل إليها وتناوله الحكم الصادر عنها هو بتسعِ موادٍ، في حين أن النص المصادق عليه والمعروض على وسائل الإعلام والذي سمعه وشاهده المواطنون هو بمواد ومواضيع أقل، وهذه إحدى الحالات السيئة لعدم النشر في الجريدة الرسمية.
التزوير والخروق التي شابت العملية الانتخابية هي مجرد ادعاءات لايجوز الحكم بصحتها إلا بحكم قضائي مكتسب درجة البتات، ومع الحملة الكبيرة التي قادها الخاسرون ومنهم رؤساء كتل سياسية من خلال الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي عن التزوير والخروق وسواها من التهم الأخرى، فقد رسم لها القانون الطريق المطلوب للتصدي لها وذلك عن طريق التقدم بالشكوى لدى المفوضية (الفصل الثامن من قانون المفوضية رقم 11 لسنة 2007 المعدل)، فإن ردّت الشكوى فيطعن بها أمام الهيئة التمييزية للانتخابات التي تملك صلاحيات واسعة للتصدي للتزوير والاختراقات واتباع كافة التحقيقات وأدلة الاثبات للوصول الى الحقيقة وتحقيق العدالة بما في ذلك الذهاب الى العد اليدوي في حالة ثبوت التزوير الكتروني أو الخروق، وهو الطريق السليم الجاري حالياً لدى المفوضية بقضاتها المنتدبين وما يعقبه من طعون أمام الهيئة التمييزية، وهو ذات الطريق المفترض سلوكه من قبل من احتج على الانتخابات والنتائج المعلنة عنها، أي أن حملة الاحتجاجات وصخب مجلس النواب وتشريعاته المتلاحقة قد فسرت الماء بعد الجهد بالماء مادامت العودة الى أحكام الفصل الثامن من قانون المفوضية الذي يعد الفيصل في حسم هذا الموضوع وعن طريق القضاء ذاته.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك