اخبار العراق الان

نظرية الفوضى.. والعملية الانتخابية في العراق

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

سالم روضان الموسوي*

تعتبر العملية الانتخابية الرحم الذي تولد من خلاله منظومة الحكم التي تقود أي بلد يوصف بأنه “ديمقراطي”، وهذا أضفى عليها صبغة الاهتمام في أعلى مستويات التشريع، إذ تصدرت جميع الدساتير مبادئ الديمقراطية المعبّر عنها بتداول السلطة السلمي عبر الانتخابات، والدستور هو الوثيقة الأعلى في المنظومة التشريعية لأي بلد وتصل إلى حد القداسة أحياناً، ولا يمكن المساس بها، كما اهتمت بها التشريعات الفرعية مثل القوانين والأنظمة، مثلما نالت الاهتمام العالي على مستوى آليات تنفيذ العملية الانتخابية.
وفي العراق نجد إن الدستور أفرد لها عدة مواد جعلها مبادئ دستورية لا يجوز المساس بها أو مخالفتها، ووفر لها حصانة، كما أسس لها مفوضية مستقلة تتولى إدارتها وجعلها من الهيئات المستقلة المشار إليها في المادة (102) من الدستور النافذ، ثم شرّع قانوناً ينظم الانتخابات البرلمانية يسمى قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم (45) لسنة 2013، وحدد الأهداف التي توخاها القانون في المادة (2) التي جاء فيها الآتي: (أولاً: مشاركة الناخبين في اختيار ممثليهم في مجلس النواب العراقي. ثانياً: المساواة في المشاركة الانتخابية. ثالثاً: ضمان حقوق الناخب والمرشح في المشاركة الانتخابية. رابعاً: ضمان عدالة الانتخابات وحريتها ونزاهتها. خامساً: توفير الحماية القانونية لمراحل وإجراءات العملية الانتخابية). كما جاء في أسبابه الموجبة أن غاية صدوره إجراء انتخابات حرة ونزيهة وتجرى بشفافية عالية، ولغرض تمثيــل إرادة الناخب تمثيلاً حقيقياً, وفسح المجال للمنافسة المشروعة وبعيداً عن التأثيرات الخارجيـة ولغرض الارتقاء بالعملية الديمقراطية شرع القانون. وكذلك في الأسباب الموجبة لقوانين التعديل التي توالت عليه لاحقاً وآخرها قانون التعديل الثالث الذي صدر في آخر أيام مجلس النواب الأخير وبسابقة مثيرة للاهتمام.
وبرغم كل هذا والكلف الباهظة والأموال الطائلة التي أنفقت على الانتخابات في ظل العوز الاقتصادي الذي يعانيه المواطن، فإننا وصلنا إلى حالة من الفوضى في كل جوانبها، سواء كانت تشريعية أو تنفيذية وحتى على مستوى نظر الطعون، لأننا وجدنا الهيئة القضائية المختصة في نظر الطعون قد تحيّرت عند مباشرتها عملها لأنها نظرت في بعض الطعون ضمن مددها القانونية وبعد ذلك حصل تعديل أعاد العد والفرز، وأعاد الطعون إلى عهد آخر، مما جعلها متريثة ومتوقفة، وهذه الفوضى قادتنا إلى حصول فراغ تشريعي ورقابي عندما انتهى عمر مجلس النواب ولم تستكمل إجراءات العد والفرز وأصبحت الحكومة بلا رقيب برلماني، وأصبح ركناً من أركان قيام الدولة بنشاطها الاعتيادي معطلاً، ثم بعد ذلك لاحظنا وتلمسنا عقابيل هذه الفوضى التي لم تبدأ في مرحلة العد والفرز، وإنما منذ أول لحظة شروع بعملية الانتخابات عندما دعا أعضاء مجلس النواب لتأجيل الانتخابات إلى نهاية العام الحالي تحت ذرائع شتى، ثم تحديد موعد الانتخابات وما صاحبها من جدل واسع واختلاف وتباين كبير وصل إلى حد الفوضى، وبعد ذلك الحملات الانتخابية وتسمية المرشحين وسجل الناخبين وغيرها من الخطوات الانتخابية التي لم تجر فيها عملية واحدة بهدوء وسلاسة.
وهذه من الممكن أن نطلق عليها (الفوضى) التي يعرفها بعض الكتاب بأنها (فقدان للنظام والترابط بين أجزاء مجموعة أو جملة أجسام سواء كانت جملة فيزيائية أو مجتمع إنساني أو اضطرابات قبلية أو سياسية). وبما إن من مفردات العملية الانتخابية الأساسية هي الكيانات التي تسهم فيها لأنها تتنافس للحصول على أكبر قدر ممكن من المقاعد النيابية لتحظى بتسمية الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان، حتى تتولى تسمية رئيس الوزراء ومن ثم الحصول على أهم سلطة تتحكم بمقدرات البلد، لكن أي مراقب للانتخابات العراقية منذ أول انتخابات بعد عام 2003 ولغاية الآن، يرى أن هذه الأمور تكاد تتكرر بشكل مطابق، لأن الاختلافات كانت بسيطة جداً، فترى في كل انتخابات تعدد التشريعات وظهور التشكيك والتخوين والعمل على تسقيط الآخر وانعدام البرامج الانتخابية وتشابه الشعارات التي ترفعها الكيانات الانتخابية، ومن ثم يستمر الحال إلى أن ينتهي عمر البرلمان ومن ثم العودة مرة أخرى إلى هذه السلسلة التي تشبه الفوضى، لكن هذا التكرار قد يوحي لنا بأن الأمر ليس فوضى وإنما عمل مقصود من الكيانات الانتخابية لأنها تعمل بنسق واحد في كل انتخابات، وإن هذه الفوضى الظاهرة تحقق لهم المنافع والمكاسب التي لربما يصعب الحصول عليها في ظل النظام والنسق الطبيعي.
ومن الشواهد على ذلك المحاصصة التي قادت البلد إلى أسفل الدرك في كل شيء، فهذه الفوضى “المزعومة” هي من تحقق لهم مكاسبهم عبر التحاصص والتخندق وإعادة تدوير الأشخاص لتولي المناصب وتقاسم المغانم، ومنع أي تغيير من الممكن أن يحقق الارتقاء بمستوى العمل الانتخابي ومن ثم العمل النيابي، وإبعاده عن النفعية الشخصية والفئوية. بمعنى آخر، إن هذه الفوضى مقصودة ويؤديها اللاعبون بوعي تام وإرادة حقيقة مدركة لأفعالها، لان ظاهرها فوضى وباطنها اتفاق، ونحن اطلعنا على الاتفاقات السياسية سواء قبل الانتخابات أو إثنائها ولربما إلى ما بعد انتهائها، ووجدنا اتفاق وتحالف الأضداد الذين كانوا قبل حين من الدهر من أشد الخصوم والد الأعداء ثم أصبحوا من أوفى الأصدقاء وأقرب الحلفاء، إذاً نحن لسنا في فوضى كما يزعمون وهذا له أساس علمي، حيث يشير بعض الكتاب إلى أن نظرية (الفوضى (تعد من النظريات المثيرة جداً التي انتشرت حديثاً ولاقت اهتماماً واسعاً لتفسيرها الكثير من الأمور التي توقفت النظريات العلمية السابقة عند تفسيرها، ولم تجد مقنعاً يبرر حدوثها، ولتزيل الكثير من الغموض حولها، وأصبح من الممكن إيجاد الصلة بين الأمور المتباينة، أو توقع الرابط بينها) وهذا ما أشر إليه الكاتب “جيمس غليك” في كتابه الموسوم (نظرية الفوضى علم اللا متوقع) المترجم والمنشور عبر دار الساقي في بيروت عام 2008، كما يشير إلى هذه النظرية بأنها تقرر أن بعض الأمور التي نراها مختلطة وغير مترابطة قد تكون منظمة، وتسير حسب نسق محدد بعكس ما تبدو عليه، ويحاول البعض حالياً، الاستفادة من تطبيق هذا التأثير، لدراسة التغيرات في اقتصاد السوق ومعرفة الأسباب التي يمكن أن تؤثر بشكل غير مباشر بها، فارتفاع الأَسهم المالية أو تدنيها قد تكون وراءه أسباب أخرى خفية غير تلك الظاهرة لنا.
لذلك أخلص إلى القول، بأن ما نراه الآن في العملية الانتخابية ليس (فوضى) بل إنها خطوات يسير عليها الفرقاء بنسق محدد على عكس ما تبدو عليه، لأن فيها منافع لهم لا تعد ولا تحصى ظهرت نتائجها عبر التضخم المالي لمواردهم وتردي الأوضاع الاقتصادية والخدمية للمواطن.
* نائب رئيس استئناف بغداد

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك