منوعات

بين وجع الحرب وحب الحياة

الصباح
مصدر الخبر / الصباح

 وجدان عبدالعزيز

لم يكن اسم علي مجبل المليفي في ساحة الشعر اعتباطيا، كونه تواصل وحضوره هذا العالم، فتواضع لدى النخبة وجمهور الشعر على شعرية المليفي في المنبر والمهرجان، وبقي وفيا ومخلصا للبحور الخليلية عبر سنوات خلتْ، ومازال يحمل ذلك الاحساس الشعري، فالشعر كما ذهب الى ذلك خزعل الماجدي هو : (بعث الروح في النفوس الميتة، وجعلها نفوسا حية، فالشعر هو اسرافيل الارض)ص93 ، ونحن ندرك ان العلاقة الجدلية الشعرية بين حساسية المعنى، وايقاعية الموسيقى تبقى قائمة وضرورية، سواء كانت في قصائد البحور الخليلية، أو شعر التفعيلة، وصولا الى قصيدة النثر، لان معنى الشعر مرتبطا بموسيقاه، ارتباطا حيويا، حيث يختلف معنى اللفظ تبعا للسياق الذي وردت فيه الكلمة، رغم ان هذه العلاقة بين الشكل والمضمون اختلت نتيجة تعدد الاتجاهات الفنية وتنوع الانماط البنائية وطرزها، لكن شرطت نجاحها توفر حالة الانسجام التام والتلاقي في معطيات البناء المتعددة، المهم قد يطول بنا الحديث حول العلاقة بين الشكل والمضمون. 

وكما اشرنا فان الشاعر المليفي بقي وفيا لموسيقى البحر، الا نادرا، وحين قراءة قصيدة (حزنخانة) نجده قد اقترب من الاسلوب السردي، فخاطب الآخر بفعل أمر ناقص (كنْ)(كما نذرف الاغاني لوطنٍ يبيع الحقائب بطعم الفراق/الكلام هو مضيعة في منتدى الرواة كما قلت لك/لاجدوى من لغةٍ عجلاتها بلاهواءٍ/كيف تمشي وكلك ينزف كهودجٍ من الحزن والاسئلة)، وتكررت مفردة الوطن بمجمل قصائده، وهنا في هذه القصيدة التي حملت عنوان المجموعة، جاءت طائفة في بحثها عن المعنى، مضمخة بالاحزان والاسئلة، حيث كان الشاعر مثقلاً بالقلق، جُلّ همه البحث عن الاستقرار .. يقول :(انا معكم بشرط ان اكون سمير العاصفة/ وعلى افتراض ان مظلات بغداد/ هي سندباد الفقه وآلة النعيم).
الشاعر رسم مآسي الحروب الضاربة في جذورها تاريخ العراق بلد الشاعر المليفي، يقول الفيلسوف والرياضي الإنجليزي برتراند رسل: (الحرب لا تُحدّد الطرف المُمثّل للحقّ، وإنّما تُحدّد منْ سيموت ومن سيبقى على قيدِ الحياة). حربٌ حامية الوطيس، لا تُبقِ ولا تذرْ، وأظنّ أنّ هذا التصوّر الوحيد للحرب! فعند نُقطةٍ معيّنةٍ منها، تختفي جميع المعايير فيها، ولنْ يعود هناك ما يحكم أيّاً من مجرياتها، إلّا القتل والتدمير، ليصل إلى حدّ الهوس عندَ رجالاتِ الحرب، فقد قال نيتشه في هذا: (إنّ رجل الحرب سيهاجِم نفسَهُ في أوقاتِ السلام والهدنة)، وما قالهُ نيتشه هنا ليسَ بعجيب، وإنّما حقيقة، وهي حقيقة مُؤلمة، فأهمّ ما تُخلِّفه الحرب في نفوس الجنود هوهذا الكابوس المتمثّل بالقتل و التخريب، والدمار، كابوس يصطادهم طيلة حياتهم، والكثير منهم يقع فريسةً له، من هنا جاءت لوحات الشاعر المليفي عن الحرب ذات انفعال ورفض، وفي قصيدة (جبين العالم) يلامس وجعا آخر للحياة بقوله : (انت تدنو من القضية/ ومن زجاج غروبي/ انت تدنو من شظايا النايات/ ومن عتاد الآلهة/ انت تدنو/ من لون الفقراء).
فقضية الشاعر، قضية انسانية، يحاول بانفعال ومثالية، ان يطرح اسئلته شعريا، فهو محب للحياة .. يقترب، غير انه يصطدم بشظايا النايات وعتاد الآلهة، وقد يصل الى لون الفقراء احباب الله والضمير الانساني، ويبقى الشاعر في دوامة الاسئلة، ثم يستمر بخطاب الاخر وتكرار (أنت)، واجد كلمة (أنت) احيانا تعني ذات الشاعر بقرينة (الناصرية ..الراكضة بالألم/والمشدوهة بالهشيم)، أو تلك السماوات الناتئة … كالفجيعة، وارضها المنزوعة المسرات .. ويؤكد هذه الرؤية الرافضة لمآسي الحروب وقبائح الحياة، حينما يخاطب طفولة حسن التي ذهبت، بقوله : (إنك أنت السؤال الكثيف …)، تاركا فراغا على ورقة القصيدة ليكون فضاءا يحتاج للملأ اي هناك سؤال يحتاج لاكثر من جواب، من المؤكد انه سبّب لذات الشاعر المليفي انفعالا انسانيا … ويضيف : (ياحسن الغفير بالطفولة/ ياسنوات العمر التي تعبتْ/ ياكل الطين المحزون/ والمغروس على جسدٍ طافٍ بالجنوب). 
والجنوب رغم عراقة حضارته، الا انه حمل سمة الحزن، وتحمل المشاق، لكنه انعجن بطينة الحضارة، فكان التراث المشع، الذي اضاء طريق الانسانية، نحو انفتاحها على الحياة، واظهار قدرات الانسان في البناء والاعمار وصناعة الاستقرار .. وعاش قضية الزمن وتقلباته، لكن رؤية الشاعر المليفي بقيت ثابتة، اي انه تعامل مع التغيرات بشروط الثبات على موقف ورؤية معينة، خاصة في قصيدته (تقويم رخوة)، وقصيدة (عندما تمطر الاوطان في كأسه)، وحتى القصيدة التي اهداها الى (ظلال)، فرغم اوجاعه التليدة، اصر على النهوض من جديد بالاحلام، التي تطرز مسارات حياته بالامل، وبقي كذلك يحمل موقفا، مخاطبا الامام علي عليه السلام : (ياجمرة كلّ نبّي/وهتافاً ينبت في الروح نخيلا) .. اذن هو اي الشاعر صاحب موقف ثابت على قدر اوجاعه واحزانه الجنوبية .. فالإنسان موقف. وبالفعل الواقعي المعاش عبر كل الحقب والازمان الانسان موقف قبل ان يكون اي شيء آخر.. يؤمن بالقيم والمبادئ الإنسانية السامية التي طالما شكلت قوى الخير في التاريخ، ويبقى الشاعر علي مجبل المليفي يعتلي صهوة الشعر شامخا
 كالنخيل. 

لم يكن اسم علي مجبل المليفي في ساحة الشعر اعتباطيا، كونه تواصل وحضوره هذا العالم، فتواضع لدى النخبة وجمهور الشعر على شعرية المليفي في المنبر والمهرجان، وبقي وفيا ومخلصا للبحور الخليلية عبر سنوات خلتْ، ومازال يحمل ذلك الاحساس الشعري، فالشعر كما ذهب الى ذلك خزعل الماجدي هو : (بعث الروح في النفوس الميتة، وجعلها نفوسا حية، فالشعر هو اسرافيل الارض)ص93 ، ونحن ندرك ان العلاقة الجدلية الشعرية بين حساسية المعنى، وايقاعية الموسيقى تبقى قائمة وضرورية، سواء كانت في قصائد البحور الخليلية، أو شعر التفعيلة، وصولا الى قصيدة النثر، لان معنى الشعر مرتبطا بموسيقاه، ارتباطا حيويا، حيث يختلف معنى اللفظ تبعا للسياق الذي وردت فيه الكلمة، رغم ان هذه العلاقة بين الشكل والمضمون اختلت نتيجة تعدد الاتجاهات الفنية وتنوع الانماط البنائية وطرزها، لكن شرطت نجاحها توفر حالة الانسجام التام والتلاقي في معطيات البناء المتعددة، المهم قد يطول بنا الحديث حول العلاقة بين الشكل والمضمون. 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من الصباح

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك