اخبار العراق اليوم

دروس مونديالية

الصباح
مصدر الخبر / الصباح

محمد الحداد

في صباي البعيد مازلتُ أتذكر بوضوح لوحاً أثرياً قديماً اكتشفتهُ إحدى لجان التنقيب الغربية في العراق وعرضهُ التلفاز في أحد البرامج العلمية..كان اللوحُ يُظهرُ رجلاً يضربُ كرةً بإحدى قدميه..تلك هي إذن المستديرة الساحرة التي تبينَ أن عمرها يزيدُ على بضعةِ آلاف سنة لأنك تجدُ آثارها الأولى أحياناً محفورة في بعض ما تركتهُ الحضارات والأمم الكبرى..يكفي دليلاً على قِدم جذورها البعيدة أن هوميروس ذكرها في الأوديسة..لكن الاختلاف بقيَ قائماً فيمن اخترعها ومارسها أولَ مرة فالكل يدّعي السبق في ذلك..لكني أرجحُ أن جدنا السومري الأول الذي اخترعَ العجلة هو الذي اخترعَ الكرة أيضاً.

في المونديال الروسي الممتع تعددت الدروس المجانية التي منحها لنا ببذخٍ وسخاء لكننا هنا سنكتفي منهُ ببضعة دروس..ابتداءً..بدا واضحاً أن التاريخ لوحدهِ لم يقف جنبَ الدول الكبرى رغم سجلها المزدحم بالانجازات الدولية السابقة فقد رأينا كيف أن تلك الفرق خرجت تباعاً وأحياناً من الدور الأول بشكل مخزٍ لا يليق بتاريخها الرياضي العريق..بالتوازي مع ذلك انتصرت روحُ الجماعة التي غلبت الفردية والأنانية والاتكاء على انجازات الماضي..وكان حصيلة ذلك أن الفوز والتألق والعبور لأدوار متقدمة ابتسمَ لمنتخباتٍ خلى تاريخها السابق من الانجازات ككرواتيا وبلجيكا وروسيا لكن بطموحها واجتهادها ومثابرتها لفتت الأنظار إليها وكانت جديرة بالاحترام..وهو درس باذخ آخر أثبت لنا أن الكرة تعطي فقط لِمن يعطيها.
ثمة درسٌ مونديالي آخر يتعلق بالانضباط وعدم الغرور..ذلك الذي لقنهُ مدرب كرواتيا للاعبهِ نيكولا كالينيتش حينما قررَ بحزمٍ وشجاعة طردهُ من الفريق واعادتهُ فوراً إلى الديار بسبب ادعائه المرض وعدم رغبته في اللعب مع فريقهِ في الدقائق الأخيرة من أولى مباريات كرواتيا مع نيجيريا..هذا التصرف الحازم أعطى درساً مهماً مفادهُ أن لا أحد يعلو فوق المنتخب الذي يمثل أسم البلد وسمعته مهما علا نجمه.  تنظيمياً..كادت بعض الأحداث أن تعكرَ صفو البطولة التي انطلقت في ظل أجواءٍ سياسية مشحونة سبقت بدء المونديال واستدعت من اللجنة المنظمة مزيداً من الحزم والانضباط لتمنحنا بذلك درساً آخر في حسن التعاطي مع الأزمات والارتقاء بالأداء إلى حجم التحديات..من بين تلك الأحداث قيام مشجعين بريطانيين بترديد أغان معادية للسامية ذكروا فيها هتلر فعوقبوا بالحرمان من حضور المباريات..كذلك فعلت الجماهير الروسية والصربية بترديدها لشعارات عنصرية أيضاً..لكن العقوبة الأبرز في هذا الشأن طالت الثلاثي السويسري شاكيري وتشاكا وليشتنشتاينر بعد تسجيل هدفي سويسرا في المرمى الصربي..عد الفيفا طريقة احتفال اللاعبين الثلاثة عنصرية..لكن الغريب أن الفيفا اكتفى بتغريم مالي فقط للاعبين..وربما كانت تلك إحدى أهم المؤاخذات التنظيمية على المونديال إذ بدا واضحاً التهاون في العقوبات على خلفية مخالفاتٍ كبيرة وواضحة والمبالغة في مخالفاتٍ أخرى ربما كانت بسيطة،فيما كانت العقوبات قاسية جداً حينما كانت تتعلق بحقوق شركات الرعاة الرسميين للمونديال في ما يخص الملابس والتجهيزات الرياضية أو المشروبات وما إلى ذلك..لكن هذا التناقض ربما يبين لنا الكيفية التي تدار بها بالخفاء بطولات كبرى مثل هذه..لكن اجمالاً بوسعنا القول أن الروس نجحوا في تنظيم المونديال برغم الكثير من الصعوبات الادارية والتنظيمية. شخصياً أجزم أن العلامة الفارقة في مونديال روسيا وأحد دروسها أيضاً هو النجم الكرواتي مودريتش الذي قاد منتخب بلاده إلى المباراة النهائية ليعتلي الكروات لأول مرة منصة التتويج..  
حينما تدورُ الكرةُ تديرُ ظهرها تماماً للتاريخ والأسماء والكؤوس والألقاب ولا تمنحُ ذلك كلهُ إلا لمن يعطيها داخل المستطيل الأخضر..لا غالب ولا مغلوب دائما فيها.. ولا كبير أو صغير دائما فيها أيضاً..وربما كان هذا أحد أغلى دروس المونديال على الاطلاق.

في صباي البعيد مازلتُ أتذكر بوضوح لوحاً أثرياً قديماً اكتشفتهُ إحدى لجان التنقيب الغربية في العراق وعرضهُ التلفاز في أحد البرامج العلمية..كان اللوحُ يُظهرُ رجلاً يضربُ كرةً بإحدى قدميه..تلك هي إذن المستديرة الساحرة التي تبينَ أن عمرها يزيدُ على بضعةِ آلاف سنة لأنك تجدُ آثارها الأولى أحياناً محفورة في بعض ما تركتهُ الحضارات والأمم الكبرى..يكفي دليلاً على قِدم جذورها البعيدة أن هوميروس ذكرها في الأوديسة..لكن الاختلاف بقيَ قائماً فيمن اخترعها ومارسها أولَ مرة فالكل يدّعي السبق في ذلك..لكني أرجحُ أن جدنا السومري الأول الذي اخترعَ العجلة هو الذي اخترعَ الكرة أيضاً.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من الصباح

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك