اخبار العراق الان

النساء يكتبن بطريقة مختلفة…

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 د. لاهاي عبد الحسين

مهما تباينت أفكار النساء وتنوعت توجهاتهن وخلفياتهن الاجتماعية والثقافية بما فيها التعليمية والتأهيلية والتدريبية وتعددت تجاربهن وتباعدت فإنّ القاسم المشترك الذي يجتمعن عليه أنّهن يتسمن بخصوصية تنبعث من شخصياتهن وتنعكس بطريقة متفردة على أعمالهن. وتشمل هذه الخصوصية الطريقة المميزة التي يقدمن فيها أنفسهن ليس على المستوى الاجتماعي فحسب وإنّما على المستوى العلمي والفني والأدبي، أيضاً. هذه حقيقة تتضح يوماً بعد آخر وتكتسب إعترافاً وتعم لتصبح مفهومة ومقبولة في كل مكان بالعالم بغض النظر عن الثقافة أو الديانة أو النظام السياسي السائد الذي يعشن في كنفه وحتى عن نفرة بعضهن من التسليم بها.

معروف أنّ النساء غيّبن لقرون من الزمن بسبب تسيّد الثقافة ونمط التفكير الذكوري أحادي الجانب الذي عمّ العالم ومؤسساته سواء على الصعيد العائلي أو العام حيث السياسة والعمل والحياة الاجتماعية على سعتها. وكان من الطبيعي أنْ تتأثر النساء بهذا المد ليكتبن كما يكتب الرجال، ويفكرن كما يفكر الرجال. ولعل ما ساهم بإستدامة تأثير هذا المدّ غلبة المقاييس الذكورية التي تحضّ على ما يسمى بالناضج والصارم والعقلاني على الضد مما أعتبر أنثوياً وثانوياً حيث الود والذاتية ورقة المشاعر. وكان في خضم الخضوع لهذا المدّ الطاغي والحاكم أنْ تعلّم الكثير منهن التغطية على جوهرهن كنساء من خلال تقمص أفكار الرجال وآراءهم ونمط سلوكياتهم وحتى لباسهم. وعندما حاولن شقّ الطريق ليجدن مكاناً لأنفسهن على صعيد الحياة العامة فقد تحصنّ بالرجال وإحتمين بهم ونفضن بكل غطرسة أي إعتقاد في أنّهن نساء وتشبثن بأنّهن نساء بوزن الرجال تعلقاً بوهم حكمتهم ونضجهم وسداد آرائهم. فمن أجل أنْ يوصفن بالذكاء والحذق والإنجاز كان لا بد من التشبّه بالرجال. ومن أجل أنْ يوصفن بالفضيلة والحكمة والشرف كان لا بد من التشبّه بالرجال. هكذا جرى العرف السائد حتى إنهارت دعائمه عندما بادرت بعض النساء الشجاعات على نحو تصاعد تنظيمياً لينخرطن في حركات وأحزاب شعبية واجتماعية محددة منذ بدايات القرن الماضي للمطالبة ببعض الحقوق المواطناتية مثل حق التصويت في الانتخابات العامة أو حرية التعبير ليس على مستوى الكلام فحسب بل وعلى مستوى اللباس والاختيار الشخصي لنمط الحياة الفردية وما إلى ذلك.
وسرعان ما تتابعت الجهود والنشاطات لتشجيع النساء للخروج عن صمتهن فكان أنْ كتبت الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار (1908 – 1986) كتابها “الجنس الآخر” الذي صدر بعنوان “الجنس الثاني” باللغة الإنكليزية نقلاً عن لغته الأصلية الفرنسية والذي صار حجة مهمة للمهتمين بدراسات الجندر حتى اليوم بعد مضي ما يزيد على الخمسة وستين عاماً منذ صدوره عام 1952. كتاب يقع في أكثر من 700 صفحة ذاعت وانتشرت عبارات كثيرة منه لعل من أكثرها تداولاً قولها “الإنسان لا يولد امرأة بل يصير كذلك”. نقف في هذا الكتاب الذي قدم دي بوفوار كفيلسوفة وليست مجرد رفيقة لجان بول سارتر على تفنيد واضح وصريح لوجهة النظر الماركسية التقليدية التي تقول بأولوية الصراع الطبقي بإعتباره أول الصراعات واستبداله بالصراع الجنسي الذي تمثل بقتل الرجال وإسترقاق النساء حسب الأدلة التاريخية التي بنت عليها. لم تنج احدى أكثر الكاتبات تميزاً في القرن العشرين من حملة شعواء شنت ضدها كما يذكر الكاتب الأميركي نيلسون ألكرين عندما زارها في باريس عشية صدور الكتاب بسبب راديكالية أفكارها. الا أنّها بعد عشر سنوات من صدور كتابها أصبحت أكثر المفكرات الفرنسيات مهابة وصار الكتاب المذكور مشروعاً مربحاً للناشرين والمترجمين حول العالم. حصل ذلك بعد النجاح الذي حققه أنصارها في اختراق دفاعات الطبقة البورجوازية والكنيسة وطبقة رجال الأعمال واليمين المتعلق بالمجد النابليوني والإعلام المأجور على حد وصف ألكرين. يكتسب هذا الكتاب أهمية كبيرة لتطرقه إلى جوانب شتى كان من أهمها تقديم مفهومات جديدة شرحت على نحو دقيق كيفية تطور النزعة الذكورية نحو التسلط والاستبداد وتراجع الإناث إلى مراتب الخضوع والإنسحاب وإنعدام المبادرة من خلال “التصيّر” الذي تدمغ فيه الكائنات البشرية بإحدى النزعتين الذكورية أو الأنثوية. وتطور تبعاً لذلك توجه شعبي واسع ضمّ غالبية من النساء وأقلية ناصرة ومنتصرة من الرجال ممن عرفوا بأصحاب النسوية الراديكالية للمطالبة بإعادة الأمور إلى نصابها. وفقاً لهؤلاء من الطبيعي أنْ نكون مختلفين كذكور وإناث بيولوجياً أو طبيعياً إنّما ليس من العدالة أنْ نكون متمايزين ومضطهدين وغير متساوين من حيث الفرص والحقوق والإمتيازات المكتسبة اجتماعياً. كانت تلك هي رسالة دي بوفوار التي أضرمت النار في أعشاش الإنغلاق والتعصب والتمايز الجندري ليس في فرنسا فقط وإنّما في العالم.
ومثلما فعل كتاب “أصل الأنواع” في مجال علم الأحياء وفيما بعد النظرية النسبية في مجال علم الفيزياء فقد اخترق “الجنس الآخر” ميادين الفهم التقليدية لدور الرجال والنساء في الحياة اليومية وعلى مستوى الإنتاج المهني علمياً وأدبياً وفنياً. فهذه الروائية التركية أليف شافاك تكتب في “حليب أسود”، عما يمكن أنْ يكون النظير الشرقي للـ “الجنس الآخر”. وفيه نقرأ عن كيفية تأثير عوامل ذات طبيعة اجتماعية بحتة مثل العمر والجنس والحالة الزواجية على أداء النساء وتفوقهن في المجتمع الشرقي عربياً كان أو مسلماً على وجه العموم. إنّه ليس التكوين النسوي البيولوجي المجرد بل المجتمع الذي يضفي على الذكورة كنظام أخلاقي وقيمي قيمة أعلى ويكتفي بإضفاء القليل على الأنوثة لينتزع منها فرص التميز والظهور في وقت تثبت فيه الدراسات العلمية أنْ لا فروق جوهرية بين قابليات الرجال والنساء من حيث القدرة على العمل وإنجازه وبخاصة في ظل التطور التقني الكبير الذي تمّ إحداثه اليوم.
وكذلك تفعل الكاتبة والأكاديمية الإيرانية آذر نفيسي في كتابها “أنْ تقرأ لوليتا في طهران”، التي تسجل فيها بحس ونظرة إمرأة الوجه الآخر للقصة الكاملة للثورة الإسلامية في إيران وما رافقها من أحداث مروعة. ثورة أسقطت نظاماً سياسياً مهيمناً في المنطقة ولكنّها فشلت في قهر إرادة الرجال والنساء ممن قاوموا الرغبة في أنْ يكتفوا بأدوار سلبية واختاروا أنْ يكونوا فاعلين متفاعلين وصانعين مقاومين لمحاولات التصيّر الاجتماعي والسياسي. كتاب امتلأ بحكايات حزينة عن أشخاص دعموا الثورة وساهموا فيها ولكنّهم سرعان ما صاروا وقوداً لآلتها التدميرية. وتحقق الروائية والكاتبة البلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش خرقاً في مجال منهجية روايات الحرب والدمار من خلال عدد من الأعمال التي أهلتها للحصول على جائزة نوبل للآداب عام 2015 إلى جانب جوائز دولية مرموقة أخرى. تحكي أليكسييفيتش في عملها “ليس للحرب وجه أنثوي” قصة الحرب الوطنية العظمى التي خاضتها شعوب الإتحاد السوفيتي خلال فترة الحرب العالمية الثانية ضد المانيا النازية. وفيها لا تقتصر على النساء بل تتناول حيوات عدد كبير من الرجال والنساء ممن توسموا وظائف بسيطة فكانوا جنوداً وتمريضيين ومقاتلين شجعان قدموا حكاياتهم وعبروا عن أوجاعهم. تركت الكاتبة لهؤلاء الفاعلين المشاركين حرية أنْ يحكوا حكاياتهم بمفرداتهم ومشاعرهم وتأملاتهم حول ما حدث لهم وما أحدثوه في خصومهم. كتاب في البطولة والتضحية والصبر والتحمل الذي يفوق الخيال في وقت سجلت فيه كتب التاريخ أنّ الإتحاد السوفيتي ضحى بعشرين مليون إنسان في تلك الحرب المسعورة. وتلفت أليكسييفيتش النظر إلى إنّ لصمت النساء صوتاً وكذلك لصغار الأحداث التي خضنها. وتنقل الكاتبة القارئ إلى جبهة أخرى أخذت من أفغانستان (1979-1989) مسرحاً لها في كتابها “فتيان الزنك” إشارة إلى توابيت الجنود السوفيت المعادة إلى البلاد. ونقرأ في هذا الكتاب كيف صار الجندي الاشتراكي السوفيتي يمارس دور الجندي الألماني خلال الحرب العالمية الثانية ليكون محتلاً لا محرراً وفاسداً بلغ حدّ أنْ يبيع سلاحه وأغطيته مقابل الحصول على جرعة مخدرات. تظهر الكاتبة في كلا العملين كيف يمكن للإنسان أنْ يصيّر مقاتلاً مقداماً صاحب قضية أو قاتلاً محتلاً بلا قضية يقاتل من أجلها. هذه أمور لا تفعلها الا النساء ممن ينظرن بعين مختلفة تخوض ضد التيار وتدافع عن الحق في التعبير عن الكراهية للحرب والنزاعات وحقد الإنسان على أخيه على الإنسان.
أخذت باحثات أكاديميات أوروبيات منهجية أليكسييفيتش وكان من أبرزهن البريطانيتين ميك جينسن وسويبهان كامبل ليطورن ما يعرف بالكتابة التعبيرية وإصدار دليل الكتابة التعبيرية عام 2016 لتسجيل الحكايات الشخصية لضحايا العنف والحرب والدمار. وفيها يطلب من الضحية تسجيل حكايته بطريقته وبدون تدخل من الباحث بإستثناء تقديم المساعدة الفنية لشرح أهداف المشروع. أثبت هذه المنهجية قدرتها على تخليص البحث الأكاديمي التقليدي من مسحته التقنية الصارمة وبخاصة في مجال العلوم الإنسانية لتقديم نصوص تمتلئ بالإحساس الذي تتقنه النساء. سيكون العالم ممتناً للنساء عندما يسمح لهن بمزيد من الحرية على مستوى ممارسة الإبداع والمساهمة في تصنيعه بجهود مثابرة تتلقى ما تستحق من الرعاية والدفع والإهتمام. وسيدرك العالم أنّ للمرأة دور وصوت ينبغي له ألا يغيب إذا ما أراد أنْ يلم بالحقيقة، كل الحقيقة بأبعادها المتعددة.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك