اخبار العراق الان

بيت ( المدى ) يستذكر عاشقة الزهور التشكيليّة بهيجة الحكيم

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 بغداد/ زينب المشاط
 عدسة/ محمود رؤوف

النساء اللاتي يتخذنَ من الجمال إبداعاً هنّ الأكثر تميّزاً، فإبداعها يزيدها جمالاً عن كونها امرأة، ورغم ما يُحيطنا من خراب في هذه المدينة، التي اعتادت أن تضع المنصّات تحت أقدام الهرمين، تاركةً دعم الإبداع الحقيقي وجماله، استطاعت هي إثبات ذاتها، وقد يقال إنها رحلت منسيّةً لكن المؤكد أن من يُهدي لسواد هذه الحياة لوناً سيبقى خالداً وهي أهدتنا الربيع كلّه، الفنانة التشكيلية الراحلة بهيجة الحكيم استُذكرت في بيت المدى في شارع المتنبي صباح يوم الجمعة الفائت بحضور مُختصين من فنانين ونقّاد في مجال الفن التشكيلي للحديث عن عطائها…

عاشقة الزهور
ولدت الحكيم في كربلاء عام 1937، في محلة تدعى باب بغداد، كانت أسرتها قريبة من المراقد المقدسة في كربلاء، يتحدث الباحث رفعت عبد الرزاق خلال تقديمه جلسة الراحلة بهيجة الحكيم عن سيرتها قائلا “لقد شملها العقوق والنسيان، وهي التي سميت بعاشقة الزهور، وكان تأثرها الاول بالالوان الزاهية بسبب هذه المقدسات والمؤسسات الدينية الكبيرة الموجودة في مدينتها.”
بهيجة نوري مهدي الحكيم من أسرة كربلائية معروفة وكبيرة، يذكر عبد الرزاق ” أن أسرتها تتعاطى العمل الديني والفقهي، إلا أنها كانت متحررة نوعاً ما، وعشقت الفن بأشكاله منذ فترة مبكرة من حياتها ولما انتقلت أسرتها الى بغداد في أوائل الخميسنيات دخلت ثانوية الاعظمية وتخرجت عام 1952، ثم دخلت كلية الملكة عالية التي سميت في ما بعد كلية التحرير ثم سميت كلية البنات، ثم اختصت في المجال الفني بهذه الكلية وكان فيها أساتذة كبار أمثال عطا صبري وجواد سليم وخالد الجادر وآخرين.”
ذكرت الحكيم في لقاء تلفزيوني قدم من تلفزيون بغداد في الثمانينيات مع ابتسام عبد الله ان هؤلاء الاساتذة تعلمت على أيديهم الكثير من أصول الفن وعندما عرض التلفزيون يوم ذاك نماذج من تصميم بيتها يذكر عبد الرزاق “أنها قالت، لقد تأثرت بالطراز الإنكليزي في تصميم البيت. بعد تخرجها عملت تربوية في مدارس ثانوية في كربلاء وبغداد والبصرة ونقلت خدماتها الى وزارة الثقافة عام 1982، وعينت مديرة لقاعة الواسطي ثم مديرة لمتحف الفنانين الرواد الذي تعرض للسرقة وتشتت الاعمال الفنية فيه اضافة الى ما جرى من محاولات جمع الاعمال الخاصة لكبار الفنانين .وقد أعيدت بعض اللوحات الخاصة بهم الى مكانها.”

أُنوثة خالصة
تُعدّ الحكيم من فناني الجيل السابع، يذكر الناقد التشكيلي صلاح عباس ” رغم أن لها رسومات وأنشطة في عملها في حقل التدريس ولكنها برزت في أواخر السبعينيات ومطلع العقد الثامن، ولبهيجة الحكيم حضور باذخ ضمن المشهد التشكيلي العراقي المعاصر، فقد كانت مع لفيف من أقرانها، فهم جيل ظهر دفعة واحدة ضمن موجة واحدة وأسهموا في صناعة تاريخ الحقبة ، حقبة الحرب وما فيها من ويلات ودمار.”
أما عن طريقها الذي اختارته يذكر عباس “اختارت الحكيم طرائق عديدة لرسم الناعم الأنوثي الذي لا يقف خلفه فنان، ذلك انه في فترة ما ظهر الكثير من الفنانين الذين يقفون خلف بعض الفنانات، بهيجة الحكيم ترسم بطريقة أنوثية خالصة ليس هنالك أي تدخل من أي شخص في الأعمال التي تجسدها والأوراد والمصوغات الذهبية وتحليلها الى أعمال فنية بالنهاية، لوحاتها التي تقدمها ناجحة وقد اتخذت من التجريد أسلوباً لها.”
خلال الجلسة تم عرض فيلم وثائقي من أعمال بهيجة الحكيم ومعارضها الشخصية التي شاركت فيها، الفيلم من إنتاج علي التاجر ابن الراحلة….

واحدة من المميّزات
انتقل الحديث عن بهيجة الحيكم الى الذائقة العراقية ودور النساء في الفن التشكيلي ، حيث ذكر الناقد التشكيلي والأكاديمي د. بلاسم محمد قائلاً ” إن الذائقة العراقية بُنيت على يد النخبة منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى الخمسينيات، ومع نهائية عام 1958، وما فوق بدأنا نشهد الانحدار والتراجع بالذائقة، وهذا سببه أن في ذلك الوقت كان هنالك مجلس إعمار وروائيون وشعراء وتشكيليون هم من بنوا الفن العراقي، وكان جزء من هذه الحركة اسماء تركوا أثراً داخل الحقل الفني العراقي.” مؤكداً أن مشكلة المشهد العراقي الفني والثقافي “هو خلوه من الجنس النسوي ، ذاكرا ” أن الحقل النسوي العراقي ليس له حضور في الحياة الاجتماعية منذ ذلك الحين وكان الاثر رجالياً، لتتقدم بعدها الحركة النسوية التي شهدت أسماء مهمة في الكتابة والادب والثقافة والمعرفة، أما في مجال التشكيل فلم نجد هذا الحضور في الحقل التشكيلي، رغم ظهور أسماء إلا أنها لم تأخذ حقها في المشهد التشكيلي.
في النهاية نجد ان بعض الاسماء المهمة التي ظهرت تسلمت مناصب في أمانة بغداد وساهمت في نموّ الذوق العام وكان الذوق السائد ذوقاً تزيينياً بغدادياً ذوقاً يعيد إنتاج الحس الإنساني الراقي والأمومة والجمال وكانت بهيجة الحكيم جزءاً من الحراك ولم تكن الوحيدة ولكن هي ممن قاد هذا الحقل التزييني وقد اهتموا بالزخرف العراقي وهو زخرف متميز وأعتقد أنها واحدة من المتميزات.”

الزخرف والفنّ النسوي
الجلسة شهدت العديد من المداخلات ،منها مداخلة للفنان التشكيلي سمير الموزاني الذي تحدث عن الفن العراقي قائلاً ” إنه حديث ذو شجون ودائما نذكر انه فن متقدم في الشرق الاوسط وكنا نعتقد بعد العولمة وسقوط النظام الكولنيالي، أننا ننفتح على العالم ونمنّي أنفسنا بهذا الانفتاح ولكن خربت كل الاشياء الجميلة رغم محاولاتنا لإعادتها، وهذا ما يجلعنا نتساءل لماذا لا تكون وزارة الثقافة وزارة سيادية، ويكون وزير الثقافة شخصاً مختصاً وليس نكرة.” أما عن الفن النسوي التشكيلي يذكر الموزاني قائلا “بهيجة الحكيم من أهم الفنانات التشكيليات. إنّ الفن النسوي والفنانات العراقيات متقدمات جداً في هذا المجال، منذ مديحة عمر أول رائدة في الخط العربي الى نزيهة سليم وسعاد سليم وبهيجة الحكيم هنّ من أبرز من ظهرن في جانب الزخرف الجميل الغني بالشاعرية .”

وضعت بصمة
لم يلتقِ ببهيجة الحكيم، الأكاديمي د. جبار محيبس يتحدث قائلا ” أنا أعترض على ما قيل بخصوص بيهيجة الحكيم التي لم ألتقيها شخصياً ولكني شاهدت الكثير من أعمالها ولا أجدها أنها تتستّر خلف فنانين رجال كما يقول البعض، بل على العكس من ذلك.”
يشير محيبس الى استقلالية فن بهيجة الحكيم من خلال ألوانها وروحية أعمالها الأنثوية ،ويضيف “الالوان التي استخدمتها بهيجة الحكيم والأنوثة والسحر العالي كانت تتجسد في لوحاتها وهذا فن راقٍ ومتقدم فلماذا نبخسها حقها فيه ونقول إنها تستتر وراء أشياء سهلة ،فقد وضعت بصمة لا يمكن أن تمحى من ذاكرة المتلقّي العراقي.”

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك