اخبار العراق الان

كتب ملعونة..لم أختر أن أكون ما أنا عليه

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

ثلاثية الجنس.. الدين .. السياسة

 علــي حســين

|  22   |

في السادسة عشرة من عمره يعثـر في مكتبة والده على كتاب”اعترافات جان جاك روسو”، كان الفيلسوف الفرنسي المولود عام 1712 لعائلة فقيرة، أراد أن يخبر القراء أن ولادته كانت فاتحة مصائبه وشقائه حيث كان التشرد والحرمان واليُتم طابع حياة روسو، ما عمّق أحاسيسه، وجعله يشعر بالظلم :”لقد علمتني ذكرى التبدل الذي أصابني في حياتي، الفرق بين تبعية الابن للأسرة وبين الخضوع الذليل للآخرين”.
كتاب اعترافات جان جاك روسو أراد له صاحبه أن يكون سيرة ذاتية متحررة تصدم القراء وتهزّهم :”على الرغم من أنني خجول بطبيعتي، إلا أنني كنت جسوراً في بعض الأحيان -في شبابي- ولكني لم أكن كذلك قط في شيخوختي، فكلما ازددت تعرفًا على المجتمع، قلت قدرتي على أن أكيف نفسي وفقاً لأساليبه في الحديث، وإذا كان قد قدّر لي ألا أحب العيش وسط الناس، فقد كان هذا ذنبهم أكثـر مما هو ذنبي”،

كان روسو قد تعرض للملاحقة والمنع من قبل الكنيسة التي قررت أن تحرق كتبه علناً عام 1762، ولهذا اتخذ قرارا بأن يؤجل نشر الاعترافات التي صوّر فيها أدق تفاصيل حياته، موقفه من السلطة، صراعه مع التقاليد البالية، رأيه في الجنس، نظريته في التربية، والأهم الموقف من الحقيقة التي اتخذها شعاراً له طوال حياته، وخوفاً من مطاردة السلطات والكنيسة له لم ينشر الاعترافات أثناء حياته فبعد ثلاث سنوات على رحيله – توفي روسو في الثاني من تموز عام 1778- نشر الجزء الأول من الاعترافات وقد أصدرت الكنيسة منشوراً بتحريم الكتاب قبل صدوره، ونشرت بيانا حذرت فيه أصحاب المطابع من نشر كتب المارق جان جاك روسو، وبسبب الإجراءات الصارمة التي كانت تتخذها السلطات الدينية ضد الكتب، ازدهرت ما يسمى بالسوق السوداء، فنجد فولتير يكتب عام 1773 يشجع هذه الظاهرة :”مللنا من الكتب السيئة المطبوعة تحت الموافقة والامتياز الملكي، إنها مواد خاملة ومرتكبة ونحتاج الى ما يوقظ أذهان الناس”. وقد أدى توطيد أركان رقابة الكنيسة والدولة إلى إنعاش سوق غير شرعية، تمتلئ بالكتب التي تحمل أفكاراً خصبة ومثيرة، كان الكتاب الممنوع يشكل رهاناً على ازدهار المطابع الصغيرة المخبأة في المدن القديمة حيث أصدرت العديد من الكتب التي تحضرها الكنيسة وصدرت بها أوامر منع من الرقابة الملكية، ومنها كتب جان جاك روسو، وديدرو وكتب الفيلسوف الانكليزي هيوم التي ترجمت الى الفرنسية، وبعض مؤلفات فولتير، وقد جذبت تجارة الكتب الممنوعة أصحاب مطابع مغامرين وبائعي كتب دفعتهم الحاجة والطموح للترويج لكتب تثير غضب الكنيسة، وكان هؤلاء الباعة ناشطين في الترويج لكتب التنوير، وللعديد من المؤلفات السياسية والفلسفية وروايات وقصص إباحية”.
بعد ما يقارب المئة والخمسين عاماً يكرّر اديب فرنسي التجربة، حيث يمزج أندريه جيد – ولد عام 1869 وتوفي عام 1951 – وهو يكتب سيرته الذاتية، والواقع بتفاصيله الكثيرة، بالفكر والأدب والحياة السرية التي كان يحاول أن يخفيها عن الناس، في مقدمة كتاب”الاعترافات”يكتب جان جاك روسو :”إنني مقدم على مشروع تصوّره لاسابق له وتنفيذه لن يجد له نظيراً. إنني أعتزم أن أُري رفاقي من البشر إنساناً وسط صدق الطبيعة، ولو حتى وراء القبر إن جاز لنا مثل هذا القول”.في عام 1926 ينشر أندريه جيد سيرته الذاتية أو اعترافاته، وهو يمضي في نفس طريق معلمه روسو، كشف الحقيقة فيكتب :”إن مذكراتي هذه ليس لها الحق إلا أن تكون صادقة”.تبدأ اعترافات أندريه جيد بعبارة قريبة الشبه بعبارة جان جاك روسو في كتابه الاعترافات :”إن الاهتمام بأن أبدو بدقة على الصورة التي كنت أشعر إنني أحياها، أو كنت أود أن أكونها، كل ذلك يجعل مني أن أرى نفسي بوضوح وكأنني أتامل تقاطيع وجهي في مرآة ورثتها عن أمي”، لقد تصارعت في داخله التعاليم المسيحية التي كانت أمّه تدعوه كل صباح لترديدها ليغفر الله ذنوبه، وشخصية أبيه الصارمة التي كانت تسخر من الضعف الإنساني. ويحاول أندريه جيد أن يتخذ لنفسه طريقاً خاصاً، فبدلاً من أن يعترف أمام القس في الكنيسة قرر أن يقدم اعترافاته أمام القراء دون تزييف، وليطرح سؤالاً مهماً مَنْ أنا؟ :”من تراني أقنع بأن كتاب الباب الضيق، هو التوأم الشقيق لكتاب اللاأخلاقي، وأن موضوعيهما قد كبرا وإطّردا في ذهني، يواكب كل منهما الآخر، وإن الغلو في أحدهما كان يجد استجابة خفية في غلو الآخر، وبهذا فقد اتسق التوازن في كليهما.
في العام 1902 ينشر اندريه جيد كتابه”اللا أخلاقي”وفيه نتعرّف على”ميشيل”الذي يعمل استاذاً للتاريخ، تربى منذ الصغر في جو دراسي صارم، كان أبوه يطمح أن يصبح ابنه مؤرخاً كبيراً، ولهذا قرر أن يسجنه في جو دراسي منعزل بعيداً عن ضوضاء الحياة. تبدأ أحداث الرواية في اللحظة التي يقرر فيها ميشيل أن يذهب برحلة الى شمالي افريقيا مع زوجته الشابة مارسلين، وأثناء الرحلة يصاب بمرض خطير، فيدرك للمرّة الأولى إنه سيغادر هذا العالم دون أن يتمتع بالحياة :”لقد فكرت من قبل إنني أفهم إنني أحيا ويجب أن أعمل من أجل الحياة الممتلئة”، ونجد أندريه جيد يختفي وراء شخصية ميشيل الذي وجد أن صرامة حياته الماضية حرمته من كل متع الحياة، ولهذا لم يجد وسيلة سوى التحرر من كل تبعات الماضي وقيمه وتقاليده، واستغلال كل لحظة للتمتع باللذة التي اكتشفها متأخراً :”إنني لا أجد مذاقاً فيما مضى، ومذاق اللحظة لايزيد عن يوم، غير أن المستقبل يطيح بسحر الحاضر ولا يطيح بسحر الماضي، إن حياتي، انما تنقذف نحو المستقبل”، يكتشف ميشيل إن كل العناصر التي تتركب بها الاخلاقيات الاجتماعية التقليدية معادية للحياة، ولا يمكن للنمو الحقيقي للإنسان أن يتم إلا في مواجهة هذه القوى، والحقيقة الصادقة لا يمكن اكتشافها إلا في تنحية هذه القوى جانباً. وتمرد ميشيل على الواقع يجري تصويره من قبل أندريه جيد على إنه رسالة موجهة للإنسانية :”ماذا يمكن أن يكون عليه الإنسان ثانية؟، هذا ما حمل إليّ المعرفة”، وأندريه جيد يتهم المجتمع بأنه باسم أداب السلوك، يُسدل ستاراً على الحقيقة التي هي وحدها تهم الإنسان، وتمزيق هذا الستار هو النتيجة التي يتوصل إليها ميشيل في نهاية الرواية :”لقد بدا لي حينئذ إنني أولد من أجل نوع مجهول من الاستكشاف، ولقد انفعلت انفعالاً غريباً في بحثي الذي أجد إنني أجحد فيه الحضارة و اللياقة والاخلاقيات”. في يومياته يخبرنا أندريه جيد إن القضية الاساسية التي أراد أن يطرحها في اللا أخلاقي هي التجارب المرتبطة بالفساد الخلقي والتمتع بكل لذة مستطاعة :”إنك لا تستطيع أن تقدر المجهود الذي كان لزاماً علينا بذله لكي نحس إحساساً صادقاً بالحياة، والآن وقد تحقق ذلك فهو كالحال مع كل شيء آخر عن طريق الحس والشهوة”.

*******

العودة إلى افلاطون
في عام 1911 يكتب أندريه جيد مقالاً عن محاورة”المائدة”لأفلاطون، ويصفها بأنها البحث الأقدم عن الحب في الحضارة الغربية :”إنه نص ذو أثر كبير على أفكارنا عن الرغبة”، في المائدة تشرح ديوتيما لسقراط نسب آيروس إله الحب والرغبة.والد آيروس كان المكر، ووالدته كانت الفقر أو الحاجة. يحذو آيروس حذو والديه : هو في حالة حاجة دائمة، فيلجأ باستمرار الى المكر أو الحيلة كي يلبيها وباعتباره إلهاً للحب، يعلم إن الحب لايمكن أن يحدث في الشخص الآخر إلا إذا شعر أيضاً بالحاجة. وذلك ما كانت تفعله سهامه، باختراق لحم الناس، تجعلهم يشعرون بنقص، بألم، بجوع، هذا هو جوهر مهمة المغوي، على غرار آيروس عليك أن تخلق جرحاً في ضحيتك، من خلال استهداف نقطة ضعفهم. ما تحتاج إليه هو جرح، شعور باللاأمان تستطيع توسيعه قليلاً، يجب أن يحسوا بالجرح قبل أن يقعوا في الحب.يكتب أندريه جيد :”كلما طاردت شخصاً ما بشكل واضح، كان تنفيرك إياه أمر أكثر ترجيحاً”..ويخصص أندريه جيد مساحة لمناقشة الحوار الذي يدور بين سقراط وشاب وسيم يدعى”القيبادس”كان الشاب يحاول إغراء سقراط ليمارس معه الجنس، لكن سقراط يرفض ذلك ويحاول اقناع”القيبادس”بالبعد عن هذا الإغواء الشهواني، والبحث عن الحب الذي يسمو بالإنسان، ويجد أندريه جيد إن الحب واحد لايفرق بين حب شاب أو حب فتاة، وهو يرى في إجابات سقراط محاولة للإساءة الى المثلية الجنسية، فيقرر عام 1907أن يبدأ بتأليف كتاب يدافع فيه عن الحب الشاذ بعنوان”كوريدون”، يبعث برسالة الى صديقه أوسكار وايلد يشرح له خطته في تأليف هذا الكتاب الذي يلاقي معارضة شديدة من زوجته التي تصر على عدم نشره، وبرغم الحجم الصغير للكتاب إلا أن اندريه جيد استغرق في كتابته ثلاثة عشر عاماً، والكتاب مكتوب على شكل محاورات، قام جيد عام 1911 بطبع محاورتين منه بنسخ لم تتجاوز الاثنتي عشرة نسخة وزّعها على عدد من أصدقائه، وقد لاقت المحاورتان معارضة كبيرة حتى أن الشاعر الفرنسي بول فاليري نصحه بإحراقها، لكنها أثارت اهتمام مارسيل بروست الذي كتب له :”إن القيمة السلبية التي يرها البعض في كتابك هذا، تصير قيمة ايجابية بمجرد أن يتحول الى عذاب يكابده المحبوب”.بعدها يطبع منه خمسين نسخة يوزعها على معارفه وكان منهم أناتول فرانس الذي يقرر أن يكتب مقالاً يدافع فيه عن عمل أندريه جيد :”هناك الفنانون الحقيقيون، والكتاب الأصلاء الذين لايتساءلون مع أنفسهم ولو للحظة واحدة عما إذا كانت وجوه القراء تحمر أو لا.إنهم يتمتعون بحب الأدب وبالحماس للحقيقة، وهم لايكتبون من أجل طبقة ما، بل يطمحون الى الكتابة للعصور القادمة. أما قوانين الشرطة وأخلاق العقلاء المصادق عليها رسمياً، هذا كله يتلاشى عندهم ولا يتمتع بأهمية. إنهم يتوجهون نحو الحقيقة، نحو كتابة الروائع، بالرغم من كل شيء وفوق كل شيء، ودون أن يقلِقوا أنفسهم بالفضيحة التي تجرها عليهم جسارتهم.والحمقى الذين يتهمونهم”.

*******

سيرة حياة ملغمة
في يومياته يكتب أندريه جيد :”يبدو لي أن كل كتاب من كتبي لم يكن ثمرة حالة داخلية جديدة، بقدر ما هو سبب لها.ذلك إنني ما أكاد أهمّ بتأليف الكتاب حتى يسيطر هذا الكتاب عليّ كلياً”.في العام 1925 يوافق أندريه جيد على نشر كتاب”كوريدون”كاملاً برغم تحذير جميع أصدقائه ومعارفه الذين توقعوا أن يثير الكتاب ردود فعل عنيفة وغاضبة ضده، ورغم أن الكتاب أشبه بسيرة لحياة أندريه جيد الجنسية، إلا أنه قرر المضي في التجربة ومواجهة المجتمع بأفكاره، والكتاب عبارة عن محاورات بين كوريدون الذي يشجع على الشذوذ الجنسي، والراوي الذي يُدين مثل هذه الأفعال. إن كل الكتاب مخصص للإجابة على اتهامين أساسيين موجهين ضد المثلية الجنسية : إنها ضد الطبيعة وإنها مضرة بالمجتمع. ونجد أندريه جيد يرد على هذه الاتهامات من خلال شخصية كوريدون الذي نعرف إنه كان طالبا يدرس الطب عندما تعرف على الراوي، لكن ظروف الحياة تفرق بينهما فيلتقيان بعد سنوات في باريس حيث يسكن كوريدون أحد الشقق.هناك تبدأ المحاورة وكأنها حوار داخلي يديره أندريه جيد مع نفسه، ففي شقة كوريدون يشاهد الراوي صورة للشاعر الاميركي والت ويتمان، فيدور حوار حول شذوذ ويتمان الجنسي، يحاول الراوي أن يؤكد أن أشعار ويتمان تبعد عنه تهمة الشذوذ، فهي أشعار طبيعية عن الحياة والناس، إلا أن كوريدون يخبر الراوي إنه بصدد كتابة مقال يرد فيه على الذين يقولون إن ويتمان عاش حياة جنسية طبيعية، لأن حياته الطبيعية هذه حسب رأي كوريدون لاتنفي عنه صفة الشذوذ، وأن المقال سيكون بعنوان”دفاع عن شذوذ وايتمان”. يعترض الراوي على حديث كوريدون ويصر على أن الشاذين يفاخرون بالأمر في أحاديثهم الخاصة لكنهم يخافون من مواجهة الجمهور ويضرب مثلا بحكاية أوسكار وايلد الذي يحاول انكار تهمة الشذوذ عنه، ونجده يتراجع أمام ضغوط الرأي العام، وهنا يسأل الراوي كوريدون متى شعر بأنه شاذ، فيجيب بأن الأمر كان خافياً عليه، حتى بعد الزواج من الفتاة التي ملكت قلبه – وحديث كوريدون عن الزواج أقرب الى حديث أندريه جيد عن زواجه وتعلقه بزوجته – غير أن فكرة اخفاء شذوذه كانت تعذبه ولهذا قرر أن يتعايش معه :”ليس المهم أن يشفى المرء من مرضه، بل المهم أن يتمكن من التعايش مع الداء الذي يعاني منه، ويؤكد كوريدون إنه غير شاذ أو إنه حالة غير مألوفة في المجتمع..ويختتم كوريدون المحاورة بانه لايدافع عن شذوذه، بل هو يريد من الناس أن تؤمن بان الأمر طبيعي من وجهة نظر أخلاقية واجتماعية وتاريخية.
يأخذنا أندريه جيد في كتابه في بحث أشبه بالدراسة العلمية لإثبات أن الممارسات الجنسية المثلية شائعة في مملكة الحيوان وهو يستشهد بالفيلسوف الفرنسي باسكال الذي كتب :”إنني أقدر أن هذه الطبيعة ليست في ذاتها عادة أولية بقدر ما أن العادة هي طبيعة ثانية”، ونجد مقولة مونتني :”إن قوانين الضمير التي تزودنا بها الطبيعة ساعة مولدنا تتولد من العادة”تتحول الى أداة مدافعة يستخدمها كوريدون في الرد على الراوي الذي يرى أن طبيعة الإنسان هي طبيعة نقية وشاملة.ويؤكد كوريدون إن أصحاب النظريات الحقيقية في الحب قليلون جدا باستثناء أفلاطون وكتابات شوبنهاور. ويأخذ كوريدون مثلاً فن النحت الاغريقي الذي كان فيه النحات يحرص على نحت جسم الرجل عارياً، في حين ينحت جسم المرأة مكسواً بغطاء، وكوريدون يريد أن يتوصل الى نتيجة تقول إن جسم المراة يفتقر الى الجمال ولهذا فهي تلجأ بشكل دائم الى تجميل نفسها.
عندما قرر أندريه جيد نشر كوريدون وجد تشجيعاً كبيراً من مارسيل بروست، وقد حدث لقاء بينهما في منزل مارسيل بروست في الثالث عشر من أيار عام 1921 كان بروست قد قرأ مسودات رواية أندريه جيد، وقبلها كان قد أصدر الجزء الأول من”البحث عن الزمن المفقود”، والتي دافع بروست عن حالته الجنسية ووصف أمثاله بأنهم :”هؤلاء الجنس الملعون الذين يضطرون إلى العيش في زيف وكذب، لأنهم يدركون أن رغباتهم عار لا بد من عقابهم عليها”يقول جيد إن بروست لم يحب النساء في حياته إلا من الناحية الروحية.
بعد صدور كوريدون بطبعة كاملة ثارت ثائرة الكنيسة الفرنسية ومعها الفاتيكان وصدر قرار بتحريم أعماله باعتبارها تشجع على الرذيلة وتجذف في الدين،وجاء في القرار البابوي إن :”كتابات أندريه جيد جديرة بالإدانة. والحال إن موهبة الذكاء الداخلي والشاعرية الثرية التي مُنحها الكاتب تجعل الحكم عليه أكثر مثاراً للشجن، ولكن تجعل منه في الوقت ذاته ضرورة قصوى. إن مكان أندريه جيدفي العالم المسيحي هو بين الأعداء والمفسدين، وبين أنصار عدو المسيح.”، وزاد الأمر سوءاً الموقف المتشدد الذي اتخذه الفاتيكان من رواية اللا أخلاقي، وبعدها كوريدون. واكتمل قرار الحظر مع صدور رواية”مزيفو النقود”التي قال عنها أندريه جيد بعد سماعه خبر تحريمها من الفاتيكان ايضا :”دع كل شيء يمكن أن يقع، يقع..إنني أريد كل عكس دون تحفظ”..ولم تكن الكنيسة وحدها تقف بالضد من جيد بل الأكاديمية الفرنسية التي رفضت طلباً تقدم به بعض أصدقائه لانتخابه عضواً فيها، وكان الرد إن كتابيه سيء السمعة اللا أخلاقي وكوريدون يقفان حائلاً دون ذلك. يكتب أندريه جيد في مذكراته إنه لو اختير عضو في الأكاديمية الفرنسية فإنه سيعيد كتابة مقدمة جديدة لكوريدون يشرح فيها الأهمية البالغة لهذه الرواية. إلا أن قرار الاكاديمية الفرنسية لم يمنع الأكاديمية السويدية أن ترشحه لنيل جائزة نوبل التي حصل عليها عام 1947، وقد جاء في قرار اللجنة إشارة الى جرأة أندريه جيد وشجاعته في”كوريدون”وموقفه المتميز في وجه النفاق الاجتماعي، وحبه للحقيقة.
يكتب أندريه جيد في رساله الى الشاعر بول كلوديل الذي كتب مقالاً ضد رواية”كوريدون”:”إنني لم اختر أن أكون ما أنا عليه”فيرد عليه كلوديل برسالة يكتب فيها :”ولكنك أنت الذي تتحدث عن نفسك بصراحة، وتجعل كل إنسان يرى أفعالك، إننا لم نشهد من قبل هذه الصراحة، فلم يسبق لكاتب أن خاض في هذا الموضوع مثلما تفعل، حتى أوسكار وايلد نفسه لم يفعل ذلك”.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك