اخبار العراق الان

موسيقى الأحد: السؤال المحيّر

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

ثائر صالح

“عندما يتمعن المرء في كنه هذا العالم، يكون التعبير عن السؤال أكثر واقعية من الجواب ذاته” هذا هو محور الكثير من أعمال الموسيقي الأمريكي تشارلز أدوارد آيفز (Ives 1874 – 1954)، وهو برنامج عمله الموسيقي الشهير المعروف بالسؤال المحير (في الأصل: سؤال من دون جواب). كتب آيفز هذا العمل القصير سنة 1906 (أو 1908) استعمل فيه ثلاث مجموعات موسيقية مختلفة: أوركسترا الوتريات، ورباعي الهوائيات (الفلوت عادة، أو فلوتان مع اوبو وكلارينيت) ولترومبيت (أو هورن) منفرد. قام آيفز بتعديلات عليه في الثلاثينيات لكنه لم يقدم للمرة الأولى إلا في 1946 من قبل طلاب مدرسة جوليارد للموسيقى.
ما يميز هذا العمل هو أن المجموعات الموسيقية منفصلة بعضها عن البعض الآخر، فتحتل الوتريات المسرح، أما رباعي الهوائيات والترومبيت المنفرد فيكونان في مكان آخر من القاعة، مثل الطابق الثاني أو عند شرفة الأورغن. ولربما لا يرى الموسيقيون أحدهم الآخر، وهذا ما حبذه آيفز. وقد حضرت أداءً لهذا العمل في القاعة الكبرى لأكاديمية الموسيقى في بودابست جلس فيه عازفو الوتريات على المسرح، ووقف عازفو الفلوت في الشرفة عند أنابيب الأورغن الكبير (الذي تم تجديده مؤخراً بعد توقف لأكثر من خمسين عام)، بينما وقف عازف الترومبيت في الطابق مع الجمهور.
الميزة الثانية هي استعمال إيقاعات سرعة مختلفة لكل مجموعة من مجاميع الموسيقيين، فالوتريات تستعمل الايقاع بطيئاً يذكرنا بالكورالات، ويستعمل الترومبيت ايقاعاً مختلفاً مثلما يفعله عازفو الفلوت.
الميزة الثالثة هي التداخل النغمي والاشتباك بين المجاميع الثلاث: تؤدي الوتريات آكوردات نغمية بطيئة خافتة، يشبهها آيفز بالدرويديين وهم كهنة ونخبة الشعوب الكلتية لا يسمعون ولا يرون ولا يتكلمون. بينما يضع الترومبيت السؤال القصير باستعمال عبارة لا نغمية (تفتقد للمركز النغمي) تتكرر سبع مرات خلال العمل. أما الهوائيات فهي تجيب بلا نغمية مع استعمال التنافر الصوتي الذي يتصاعد مع تكرر السؤال حتى تسقط في تنافرٍ هائل.
تتجلى رؤية المؤلف الفلسفية في هذا العمل بتصوير الواقع. فالاوركسترا الوترية هي الحياة، تجري وتسير دون أن تكترث لما يقوله البشر العاجزين عن فهمها. الترومبيت يمثل السؤال المُلحّ والمتكرر الذي لا يلقى جواباً عن ماهية الحياة والكون وجدواهما، ولربما لن يلقى على الاطلاق. الهوائيات هي البشر الذين يحاولون الجواب بكل اندفاع وعصبية وانفعال، فلا يهتدون الى جواب مقنع.
تميز آيفز بنزعته التجريبية واستكشاف تقنيات جديدة واستعمال التعددية النغمية والايقاعية. لم تلق أعماله اهتماماً كبيراً في حياته، لكنه لم يهتم لذلك بل واصل تجاربه ونشاطه الفني الفلسفي العميق. اهتم كذلك بالرياضة وكان لاعب بيسبول ماهراً في الجامعة، وكان مدربه يعيب عليه الاهتمام بالموسيقى بدلاً من تطوير قدراته كلاعب في فرق جامعة يال. عمل في شركات التأمين وكان ناجحاً في عمله خاصة في مجال التأمين على الحياة وحصل على سمعة طيبة. لديه العديد من الأعمال الموسيقية المهمة التي لم يقدم الكثير منها في حياته (مثل سيمفونيته الرابعة التي قدمها ليوبولد ستوكوفسكي سنة 1965).

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك