اخبار العراق الان

الرموز الوطنية لا تكلّف طرفاً لتسميتها…

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 د. لاهاي عبد الحسين

سنختلف كثيراً إذا ما طلب منا تحديد نوع واسماء الرموز الوطنية والدينية التي نتفق عليها كعراقيين. ستسمي كل جماعة بحسب سمتها الغالبة دينية كانت أو مذهبية أو عشائرية أو عرقية قومية أو ثقافية عدداً أو واحداً منها تعتبره كذلك. وفي الاختلاف على هذا الصعيد بيان على إنعدام توفر هذا الرمز الوطني والديني الذي ترغب هيئة الإعلام والإتصالات بالدفاع عنه “وعدم الإساءة إليه”. حدث هذا ويحدث بسبب ما تمخض من سجالات ونزاعات غصّت بها مراحل زمنية متعاقبة في تاريخ وواقع حال المجتمع العراقي الحديث نتيجة عدم الإستقرار والتغير والتناحر والإنقسام. هناك رموز ضمن بيئات اجتماعية ذات توجهات سياسية محددة لا ترقى إلى أنْ تسمى وطنية ودينية عامة وشاملة ومطلقة ببساطة لأننا غير موحدين وغير متماسكين.

ولعل ظاهرة عدم توفر الرموز الوطنية والدينية العامة والشاملة والمطلقة تنتشر في عدد كبير من المجتمعات الإنسانية وبخاصة الحديثة منها ذات الكثافة السكانية العالية الا أنّها في العراق توجد بمعدلات ناتئة. فقد كان لما لحق بالعراق من اضطرابات ومآسٍ وحروب وإخفاقات أنْ أحدثت تشرذماً في وجهات النظر حالت وتحول دون الإتفاق على عدد من المسميات وبخاصة على المستوى البشري حيث يتداخل الاجتماعي والسياسي بطريقة مربكة ومتعارضة. تتطلب نشأة الرموز الوطنية والدينية الرائدة والمؤثرة بيئة مستقرة تحقق الإجماع على ما يمكن أنْ يعتبر عاماً وشاملاً ومطلقاً. فهؤلاء الذين يحظون بمرتبة الرمز الوطني والديني ينبغي أنْ يرتقوا إلى مستوى عالي من التأثير الإيجابي والخيّر ليطلق عليهم عنوان الرمز وبإجماع شعبي واسع. كما إنّ الرموز الوطنية والدينية أكثر بكثير مما يسمى بالقامات والأعلام. إنّها كل ما يجمع عليه الناس ويرفعونه عالياً بمحض إرادتهم الحرة غير المفتعلة أو المصطنعة من قبل جهة أو طرف ما.
يلاحظ أنّ الرموز ليست بشرية فقط. قد تكون جماداً كما في الأعلام والنُصب والتماثيل أو نبات مثل النخيل الباسقات. يعرّف الرمز بالأدبيات الاجتماعية على أنّه علامة عشوائية تستدعي استجابة اجتماعية موحدة. وهو يرتبط بالوعي الاجتماعي الذي يتفق عليه الأفراد ممن يتواصلون مع بعضهم البعض بالكلمات والإيماءات والأفعال وسائر الأشياء. والرموز مكتسبة وليست معزوة. أي أنّها صنيعة البيئة الاجتماعية التي تهدف من خلالها إلى تعزيز قيمة مادية أو غير مادية عليا تهم المجتمع. فخاتم الزواج يمثل رمزاً اجتماعياً مهماً لأنّه يعبر عن رابطة إنسانية يحث عليها الدين والقانون والعرف الاجتماعي إلى جانب ما يعتمل فيه من عواطف فردية تهم المعنيين به مباشرة كونه رسالة وتعبير عن تعهد وإلتزام. وإليك النخلة التي كان كان لدوامها وطولها وكثرتها أنْ إرتقت إلى مرتبة أنْ تسمى رمزاً عراقياً وطنياً ودينياً لأنّها من نضح هذه الأرض وأديمها الريان ومنها يستمد الأفراد الشعور بالقوة والحياة والإنتماء الوجداني العزيز على قلوبهم وضمائرهم. وكذلك الحال بنهري دجلة والفرات اللذين تغنّى بهما الشعراء والأدباء وحظيا بالإجماع على إعتبارهما كذلك.
يختلف الأمر فيما يتعلق بالرموز البشرية. فهي تنشأ لتعيش أولاً وقد تنشأ في ظل ظروف طارئة كما في حالة الإعتداء البدني الفج على شرطيين كانا يمارسان عملهما لتنظيم المرور فإذا بهما يتعرضان لأذى أيقظ المشاعر الاجتماعية للتعاطف معهما ليس كفردين مجردين وإنّما لما يمثلانه. نظر المجتمع على الفور إلى هذا الإعتداء بإعتباره إعتداءاً على ما يهمه من قانون وتنظيم وقواعد ضبط وسلوكيات يجمع الناس على احترامها لتأمين سلامتهم. اعتبر كثير من العراقيين الإعتداء على الشرطيين المشار إليهما ممن كانا يقومان بعملهما لتنظيم المرور في ساحة عدن في بغداد من قبل رجال حماية رئيس مجلس محافظة بغداد إعتداءاً صارخاً على رمز وطني مهم. لقد تمّ الإعتداء على هذين الشرطيين أثناء أداء الواجب ودون أنْ يبدر منهما ما يدل على التهاون والإستهتار بل العمل وفق المطلوب وفي بدلتيهما الرسمية. وهذا ما آذى مشاعر المواطنين وجرحها.
يلاحظ كذلك أنّ الرموز لا تورّث لأحد ولا تدعي فضلاً من أحد على أحد. من أجل أنْ تعيش فإنّ على الرموز أنْ تحظى بالمحبة والإحترام من قبل أعضاء الجماعة الوطنية التي تجد نفسها فيها ضمن حدود البلد الواحد. فهي مثل الإله تظهر لتحترم وتصان لما تمثله من ضابط لإنسيابية الحياة الاجتماعية والأخلاقيات التي تحكمها. والرموز لا تفترض إستنساخ نفسها بل تحتفظ بسرها وآلياتها لتفسح الطريق للتميز والإبتكار من قبل الآخرين ممن قد يرقون إلى مستوى الرمزية إستجابة لمتطلبات البيئة الاجتماعية والجماعة الوطنية. ثم إنّ الرموز لا تسمّي نفسها ولا تطلق العناوين ولا تغدق الهدايا والمكافآت لأنّ الأصل فيها أنْ تتطور بصورة طبيعية تستجيب لوقع البيئة الاجتماعية التي تستمد منها غذاءها ومعونتها بالثقة والتطلع والإستلهام بها. وإذا ما أخلّت الرموز بهذه القاعدة فإنّها لن تحصد غير الهزيمة والفشل كما حدث للدكتاتوريات قديمها وحديثها في العراق وغيره من دول العالم. تطوّر المؤسسات المهمة معايير وآليات للتقديم للحصول على جوائز دولية مرموقة من قبيل مؤسسة جائزة نوبل ولكنّ هذه لا تسمح على الإطلاق بالتدخل عن طريق المال أو السلطة وما إليها. وهذا ما يفسر إمتناعها عن رصد الجوائز والمكافآت على أساس السلطة وعندما يحدث أنْ يتدخل العامل السياسي فإنّه في الغالب يحط من قيمة الجائزة ويدق إسفيناً في مصداقيتها.
لا ترتبط الرموز بالمنصب أو السلطة كما تبيّن في حالة الشرطيين المذكورين بل تتحرر منهما بحكم القيمة والمصلحة الاجتماعية العليا التي تضفى عليها. وتلك هيئة الإعلام والإتصالات العراقية تصدر تعميماً إلى “الجهات الإعلامية المرخصة كافة” تطلب فيه “ضرورة إيقاف أي إساءات تصدر بحق الرموز الوطنية والدينية … وبخلافه سيتم إتخاذ الإجراءات القانونية بحق الجهات المخالفة”. لا يعني تنظيم العمل التدخل في صياغة الوعي الاجتماعي وبخاصة على مستوى الهيئات الإعلامية التي تقتصر مهمتها على رصد الحقيقة محل الإهتمام وإيصالها لمستهلكيها. يقع بيان الهيئة في سياق الطريقة والمنهج الذي تستخدمه النظم الإستبدادية التي تهتم بإحكام قبضتها على من تعمل معهم وتعمل وفق قاعدة “الإعلام سلطة رابعة” دون التسليم بعدم وجود سلطة رابعة أو خامسة في المجتمع الديموقراطي الحر، كما يفترض. لعل أسوأ طرق محاولة التأثير بالمجتمع أنْ يصار إلى المباشرة والقسر للتأثير على مكامن الوعي الاجتماعي. طرق لا تختلف البتة عن أفشل ما يمكن اتباعه من خلال إطلاق التوجيهات والتعليمات المباشرة التي تفقد قوتها في الحسم حال خروجها إلى العلن بسبب الطبيعة المقاومة للفرد في الخضوع والتسليم بما تراه دون محاججة.
وكذلك الحال في ردود الفعل على الفساد والفاسدين. يستوعب الناس وجود فاسدين ولكنّهم يتطيرون ممن يتوسم وظيفة مهما كانت متواضعة ويظهر عليه الفساد. إنّها مسألة رمزية غاية في الأهمية. لذلك غالباً ما يقال إنّ المنصب والوظيفة لا يشرفان أحداً بحد ذاتهما بل على الفرد الذي يتوسمهما أنْ يثبت تشرفه بأي منهما من خلال العمل والأداء وليس مجرد الحصول أو الإستحواذ على أي منهما. كيف بمعلم يضرب تلميذاً وكيف بتدريسي جامعي يتساهل في الغش مع طالب أو يتجبر عليه وكيف بمسؤول يتحايل على القانون ولا يحترمه، إلخ.
سترتفع إلى مستوى الرمز الوطني تلك الشخصية التي تتسامى فوق الجراح والخلافات والإختلافات لتستدعي الجماعة الوطنية بمختلف مسمياتها الى ميدان مشترك من أجل عراق قوي حر وموحد. أما أولئك الذين يقولون شيئاً في العلن ويجهرون بآخر في السر ويستصغرون الكثير ويسخرون من الكثير على مستوى الدوائر الخاصة بهم فلن يصلوا إلى مبتغاهم وإنْ أضفوا على أنفسهم ما أضفوا وجيّشوا الجيوش وعبأوا الإمكانات. الوعي الاجتماعي أقوى بكثير مما يعتقد وهو يقاوم محاولات الإختراق ويصدها بسهولة دون أنْ يعني ذلك أنّه سيواجه على الدوام بصراحة ووضوح. بل قد يستخدم طرقاً خفية كما في إظهار التراخي والتكاسل وضمور التفاعل. لا سلطة لجهة على عموم ضمائر المواطنين الا إذا احترمتهم وناشدتهم بوضوح وشفافية. لن يجدي نفعاً الكذب والتزوير فالحس الاجتماعي والمعرفة أعمق من أنْ يبتذل ويموّه عليه.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك