اخبار العراق اليوم

حسونة ذهبت الى سامراء وحلفت عبيد الوركاء وجمدتهم كتماثيل في الزقورة

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

حسونة ذهبت الى سامراء وحلفت عبيد الوركاء وجمدتهم كتماثيل في الزقورة
السبت 8 ديسمبر / كانون الأول 2018 – 09:27
صائب خليل
كيف نحفظ أسماء الأشياء؟ هذه الحيرة مرت علي وأنا اقرأ بداية كتاب الأستاذ طه باقر “”، الرائع والمفقود من السوق لسبب لا يعلمه الا الله والراسخون في المكتبات..
يشير طه باقر إلى بداية الحضارة في العراق، وكيف انها ابتدأت بعد نهاية العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث، حيث سميت تلك الحقبة التي بدأ في منتصفها استعمال المعادن في العراق، بالعصر الحجري – المعدني والذي بدأ في منتصف الالف السادس قبل الميلاد (5500 قبل الميلاد) واستمر لألفي عام. وفي هذا العصر تحققت العديد من الإنجازات كتطور الزراعة والري ونشوء أوائل المدن وظهور أنظمة الحكم والمعابد، وسجلت بداية ظهور الاختراعات الأساسية التي مهدت للحضارة الراقية لبلاد ما بين النهرين التي ستظهر في بداية الألف الثالث قبل الميلاد. 
هذا كله منطقي وسهل الحفظ نسبيا، حتى جاء في  النص، تعداد الأدوار التي توالت في هذا العصر وسميت الأدوار حسب مناطق اكتشافها، وتبتدئ حسب قدمها بدور “حسونة” نسبة الى تل حسونة في الموصل و دور “سامراء” ودور “حلف” ودور “العُبيد” الذي بدأ استيطان الإنسان العراقي السهول الرسوبية في وسط العراق وجنوبه. 
ثم ظهر “العصر الشبيه بالكتابي” عندما بدأت اشكال الكتابة المبسطة (الصورية) فيه بالظهور، حيث انها من البساطة مما يصعب اعتبارها “كتابة”، فلا يمكنك ان تعتبر رسماً مبسطاً لبقرة مثلا على انه كتابة بكل معنى الكلمة، حتى ان كان القصد منه التدوين. لكنها كانت ولادة الكتابة في ما بين النهرين وكانت بحدود 3500 قبل الميلاد، ويشمل هذا دور “الوركاء” و دور “جمدة نصر” الذي شهد تطورات حضارية مهمة مثل فن النحت والاختام الاسطوانية التي اختصت بها حضارة وادي الرافدين وتطور بناء المعابد لتظهر أوائل الأبراج التي تسمى “الزقورات” التي مازلنا نشاهدها حتى اليوم! 
إذن، كانت الفترة المقدسة بين بدء الحضارة في العراق، وحتى بناء الزقورة.. ألا تستحق ان نحفظ تسلسلها وأسماء أدوارها؟
الحقيقة اننا نقصف بكم هائل ومتزايد من المعلومات التي يجب ان نتعامل معها. وليس الأمر فقط بسبب التطور العلمي والتكنولوجي والمعرفي بشكل عام، فهذا ربما يمكن تدبيره. إنما السبب  الأكبر في التسونامي المعلوماتي الذي يجب علينا هضمه، هو أننا نعيش في عالم معادي للإنسان! لقد ادخلتنا الرأسمالية وكل تداعياتها ونتائجها الطبيعية من فردية  في حالة حرب دائماً وتهديد مستمر لحياة ورفاه وحرية الإنسان، ابتداءاً بالشعوب المتخلفة وليس انتهاءاً بها. وصار لزاماً على كل انسان ان يتحصن بوعي اكبر بكثير مما كان يكفي في الماضي لدرء استغلاله ونهب ثروته وتحطيم مصالحه وحياته. 
ومما يزيد الطين بلة، ان الرأسمالية استولت ايضاً على وسائل الإعلام وحولتها إلى وسائل تضليل وإيهام، وهذا زاد بشكل كبير من كمية الوعي الضرورية للبقاء على قيد الحياة. وكمية الوعي تعتمد على الجهد الذهني والقراءة والتذكر ايضاً. فالذاكرة مهمة بشكل خاص لمن يريد الدفاع عن الحقيقة بوجه الإعلام التضليلي بشكل خاص. وهكذا سلط على الذاكرة حمل لم تخلق لحمله. ولذلك توجب ابتكار التقنيات الضرورية التي تسهل الحفظ، لتكون المعلومة جاهزة حين نحتاجها. 
الأرقام والاسماء صعبة الحفظ بطبيعتها ما لم نجد لها ارتباطا ما بما نعرفه. وإن لم نجد، فحتى لو كان ارتباطا اعتباطيا. أنا احفظ تاريخ الثورة الفرنسية مثلا بأنه 1789 لأن 789 متسلسلة (والألف طبعا سهلة). لكن للأسف ليست كل الأرقام بهذه الطواعية للقواعد.
وعندما كنت طالباً في الابتدائية كنت اخطأ بمكان الـ “w” في كلمة “two”، وكثيراً ما يتبادل مع “o” المكان، فحفظته بتذكر ان “دبل يو” تعني “اثنين يو”، وتسلسله هو 2 ايضاً في حروف الكلمة!  
ومثل عنوان هذه المقالة، اخترعت قصة صغيرة لا تحتوي من كلمات “الضاد والظاء” إلا تلك التي تستعمل الظاء، وكل كلمات الظاء. فكنت عند كتابة كل كلمة أحاول ان أتذكر فيما اذا كانت تلك الكلمة موجودة في تلك القصة أم لا.
عودة إلى عنوان مقالتنا، أقول أن الأسماء بشكل عام قد لا تعني شيئا كثيراً، لكنها ايضاً قد تعطي هيكلا لمعارفنا يحدد أماكن الأشياء في ذاكرتنا وعلاقتها ببعضها، زمنياً وغير زمني. مفيد ان نعرف لو رأينا حجراً كتب عليه انه من دور “حلف” ان نفهم أنه كان في وسط الفترة بين “حسونة” و الوركاء.. أن جمدة نصر هي التي اطلقت الاختام الاسطوانية مثلا.. فإن وجدنا ختما مدوراً مثلا يعود إلى دور “سامراء” نقول : أها، يبدو انهم كانوا يستعملون الاختام المدورة او البسيطة قبل ان يخترعوا الاختام الاسطوانية لاحقا قريبا من عصر الوركاء!  
أو إن عرفنا ان اليونانيين قد عرفوا الكتابة فقط قبل الف عام من الميلاد او اقل ، نعلم اننا عرفناها في “الوركاء” 3500 عام قبل الميلاد، ونحاول ان نتخيل كم هو الفرق بين الف عام و 3500 عام! 
إعطاء التاريخ شكلا وهيكلا، عملية تتطلب بعض الجهد، لكنها توفر الكثير لاحقاً. وأنا حين قرأت “حسونة” تذكرت اسم اختي، فركبت الجملة التي هي عنوان هذا المنشور، لأحفظ التسلسل، ولكل معارفه وخزينه الذي له ان ينهل منه ما يساعد ذاكرته.
الصورة لفخارية من تل حسونة مزينة برسوم فنية تدل على اهتمام عراقيين ذلك العصر بالجمال، وذوقهم الرفيع فيه

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع الاخبار

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك