اخبار العراق الان

سؤال التنوير..كن شجاعاً واستخدم عقلك بنفسك

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

|       الحلقة الاولى       |

 علــي حســـين

“يحكى أنه كان في سالف الزمان توأمين شقراوين اسمهما النهضة والإصلاح واجها العديد من المظالم والاضطهاد، فاتفقتا ضد زوجة أبيهما، العجوز المتهالكة، الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى”

كرين برينتون من كتابه تشكيل العقل الحديث

في الطبعة التي صدرت لكتاب اعترافات جان جاك روسو بعد وفاته بعامين عام 1780، وضع الناشر على الغلاف صورة يظهر فيها روسو جالساً وراء مكتبه وخلفه منظر ريفي، وعلى مكتبه مجلدان وكأنهما يلخصان ثقافة العصر آنذاك، الأول كتاب”مبحث في الفهم الإنساني”لجون لوك والثاني كتاب”المبادئ الرياضية”لإسحاق نيوتن، وكان روسو قد كتب في دفتر يومياته :”إسحق نيوتن، كان الطفل الأعجوبة الذي يتعين على البشرية أن تُعلن له البيعة الصادقة”، وقبل هذا التاريخ نصح فولتير، الفرنسيين بأن يتخذوا من الانكليز نموذجاً للبحث العلمي وإعلاء شأن الإنسان.. في بريطانيا كان جون لوك ينادي عام 1644 بضرورة الاحتكام للعقل في التغلب على الخرافات وكتب في ذلك إن القدرة على التفكير العقلي هي ما يحتاج إليه العالم أكثر من أي شيء آخر، يكتب في مبحث في الفهم الإنساني :”ليس للعقل شيء آخر غير ملكة استخلاص القضايا غير المعروفة من المبادئ أو القضايا المعروفة بالفعل”. إلا أن جون لوك نفسه كان أول من تمرّد على العقل وأنكر عليه القدرة على اكتشاف الحقائق وطالب بإقامة المعرفة البشرية على أساس التجربة، وقد كانت ثورة لوك هذه إيذاناً بظهور المذهب التجريبي، أو كما أطلق عليهم جماعة التجريبيون، وجميعهم من الإنكليز، ومن أبرزهم إضافة إلى جون لوك، جورج بيركلي مؤلف كتاب”رسالة في مبادىء المعرفة الإنسانية”ودايفيد هيوم الذي كتب العديد من المؤلفات كان أبرزها”رسالة في الطبيعة البشرية”، ويقوم المبدأ الأساس لهؤلاء التجريبيين على أن الإدراك الحسي (بما في ذلك الملاحظة المباشرة بواسطة الحواس، والملاحظة غير المباشرة باستخدام الآلات والأجهزة العلمية والتجريب) هو الطريقة الوحيدة الموثوقة لتحصيل المعرفة واختبار صدقها، وقد كان هؤلاء الفلاسفة يؤمنون أن الطريقة التي اتبعها نيوتن في اكتشاف قوانين الحركة والجاذبية، إنما استطاع من خلالها أن يضع نظاماً فلسفياً جديداً يقوم على التجربة والملاحظة.
منذ الأيام الأولى لظهور المذهب التجريبي، أعلن أعضاؤه عن رفضهم للمذهب العقلي الفلسفي، وبخاصة عند ديكارت، حيث رفض التجريبيون نظرية الأفكار الفطرية التي يؤكد من خلالها ديكارت أن الأفكار البديهية الواضحة المتميزة، هي أفكار فطرية بمعنى إنها تولد معنا، وهي مطبوعة في النفس، ونجد جون لوك يتساءل :”كيف نعرف بوجود هذه الأفكار الفطرية عند جميع البشر؟ وما الدليل الذي يمكن تقديمه لتأييد هذه النظرية؟”ويرد لوك على قول ديكارت بأن الأفكار الفطرية تعني الأفكار التي يرى المرء إنها صادقة، متى كان لديه التعليم الكافي لفهمها :”أن الناس حين يستطيعون تعلّم فهم هذه الأفكار، لا يعني أن هذه الأفكار لابد أن تولد معهم، أو أن تكون فطرية لديهم، لكنها تعني فقط أن البشر عقلاء وقادرون على التعلّم”.
ويعتقد جون لوك أن كل أفكارنا مستمدة من التجربة يقول :”لنفترض إن العقل صفحة بيضاء خالية من أية أفكار..فمن أين حصل على كل مواد التفكير والمعرفة، والجواب بكلمة واحدة :”من التجربة، ففي التجربة تقوم كل معرفتنا ومنها تُستمد”.وبعد وفاة جون لوك بثلاث سنوات سيكتب فيلسوف انكليزي آخر هو جورج بيركلي من :”أن السبيل الى الحقيقة أوصد من فرط ما أثقله الفلاسفة بتجريداتهم الوهمية وألفاظهم الفارغة، مع ذلك فإننا نرفع عقيرتنا بالشكوى من أننا لانرى شيئاً.ولو تأملنا الأمر ملياً لوجدنا إننا نحن الذين نرفض أن نخضع كل مسائلنا الى التجربة”.
ويذهب فيلسوف انكليزي آخر”ديفيد هيوم”إلى أهمية فحص كل التراث الفلسفي وإخضاعه لمبدأ التجربة فيكتب :”إذا نحن تصفحنا جميع الكتب في المكتبات بعد اقتناعنا بمبادئ الاستدلال التجريبي، فحدث ولا حرج عن مقدار ما سنتعرض له من كوارث.فإذا تناولنا بأيدينا أحد كتب الإلهيات، ومذهب الميتافيزيقيا على سبيل المثال، فاننا سنتساءل : هل يحتوي هذا الكتاب على استدلال يتعلق بالمقادير أو الأعداد؟ كلا! هل يحتوي على أي استدلال تجريبي يتعلق بالوقائع أو الموجودات؟ كلا! إذن فألقِ به في النيران على الفور، لأنه لايزيد عن كونه سفسطة وأوهام”.

****

ما هو التنوير؟

يكاد يجمع مؤرخو الفلسفة على أن شرارة التنوير انطلقت من مقولة ديكارت الشهيرة :”أنا أفكر..أذن أنا موجود”، وهي اللحظة التي تحرر فيها العقل، عقل الإنسان من المكبلات الغيبية، لذلك قيل إن مقولة ديكارت التي أطلقها عام 1640 شيدت العلم الحديث، حيث يقف ديكارت الى جانب أرسطو باعتبارهما وضعا الإطار العملي للعلم كلُ في عصره.وإن كان أرسطو قد رأى إن العلم يقوم في بيان صور الأشياء وكيفياتها التي تجعلها كما هي، فإن ديكارت رأى إن العلم يقوم في معرفة الاختلافات الكمية بين الأشياء، لذلك اضطُلعت الرياضيات في دراسة العلم الطبيعي لأن الأشياء غدت في نظر ديكارت قابلة للقياس والعد.وهما قاعدتا العلم الوضعي.
ويتمثل الإطار العام الذي وضعه ديكارت للعالم في عبارته المشهورة :”أعطني المادة والحركة وسأصنع منها عالماً”، ليصبح العالم في نظر ديكارت عبارة عن آلة ضخمة لا تخضع إلا لقوانين المادة المتحركة، ولم تعد السماوات آلة هائلة ودقائق متحركة. وقد وجد ديكارت في الرياضيات المثال الذي ينبغي احتذاؤه في العلم، لأن المعرفة حسب رأيه لاتكون معرفة إلا إذا كانت يقينية وفي إحدى رسائله الى الأميرة إليزابيث :”استهل رسالتي بابداء بعض الملاحظات عن مؤلفات غاليلو، لقد وجدت إنه يتخلى قدر الامكان عن أخطاء الفلسفة المدرسية ويحاول دراسة المسائل الطبيعية معتمداً على الطرق الرياضية..وفي هذا اتفق معه تماماً إنه ليس ثمة طريقة أخرى لاكتشاف الحقيقة”.
يعتبر القرنان السابع عشر والثامن عشر بمثابة عصر التنوير، حيث قدم لنا امانويل كانط:”إن التنوير هو خروج الإنسان من حالة قصوره التي يتسبب فيها بنفسه. والقصور هو عجزه عن أن يكون لنفسه عقلاً دون مساعدة من سواه”.وهكذا يضع للتنوير شرطاً وهو استخدام العقل ويتم عبر انجازات الفرد المفكر، وفلاسفة التنوير سعوا الى ايجاد حل عقلاني للمسائل التي تُطرح.

وقد انقسم فلاسفة التنوير الى قسمين :
1- العقلانيون والذين ظهروا في فرنسا والمانيا وأبرزهم ديكارت وسبينوزا وكانط وليبتز، ويزعم هؤلاء إن بإمكانهم معرفة بناء الحقيقة انطلاقاً من مبادئ الفكر المجردة، وإن الرياضيات بإمكانها الوصول إلى النتائج انطلاقاً من مسلمات قليلة ولكنها أكيدة
2- التجريبيون والذين ظهروا في بريطانيا بدءاً من فرنسيس بيكون ومروراً بهوبز وجون لوك وبيركلي وصولاً الى هيوم، ويزعم هؤلاء الفلاسفة أن أسس المعرفة قائمة في الإدراك الحسي.وإن ما هو حقيقي لا يقال إلا على بعض الموضوعات والظواهر التي يمكن تنظيمها باستخدام الصحيح للعقل
ويبدو أثر هذه الفلسفات بشكل خاص في نشأة العلم الطبيعي، وفي التأكيد على دور الفرد في المجتمع.
وقد أدى مطالبة فلاسفة التنوير إلى إخضاع الدين للعقل وفصله عن الخرافات والغيبيات..ويعتبر موضوع التسامح الشغل الشاغل لفلسفة التنوير، حيث حاول الفلاسفة الوقوف بوجه الاضطهاد الذي تمارسه الكنيسة ورفعوا شعار أن”الله خلق العالم كاملاً، بعد ذلك لايعود ليتدخل به”. وفي عصر التنوير ظهرت مجموعة من الاكتشافات العلمية أدخلت العالم في عصر الثورة الصناعية..فيما ساعدت فلسفة التنوير من الناحية الاجتماعية على صعود الطبقة الوسطى، وساهم الشعار الذي رفعه آدم سميث”دعه يعمل..دعه يمر”في تطوير النظام الاقتصادي الذي كانت من نتائجه التجارة الحرة والصناعة الحرة.
أضف الى ذلك تشريع قوانين تضمن حقوق الفرد إزاء حقوق الدولة وإزاء المجتمع على قاعدة فلسفية…ففي انكلترا صدرت تشريعات تصون الحرية الفردية وتمنع الاحتجاز الاعتباطي والتي أثمرت عن إحقاق الحقوق المدنية عام 1689.فيما صدر في أميركا إعلان حقوق فرجينيا عام 1776 والذي جاء فيه :”إن الناس جميعاً أحرار بطبيعتهم..ولهم حقوق فطرية، وبالتحديد الحق بالحياة والحق بالحرية، كما لهم أن يسعوا الى السعادة والى الأمان ولهم الحق ببلوغ ذلك”.
وفيما يخص تنظيم عمل الدولة كان لفلاسفة التنوير نتائج مهمة أبرزها :
• نظرية العقد الاجتماعي والتي تؤكد على أن السلطة عبارة عن عقد بين الشعب والحكام
• سيادة الشعب وتعني أن سلطة الدولة تستمد من الشعب
• فصل السلطات لتفادي سوء استخدام السلطة، حيث تقسم السلطة الى هيئات مختلفة تخضع لمراقبة بعضها البعض
• المطالبة بالمشاركة الديمقراطية من قبل الجميع بالسلطة
وقد تمّ تطبيق هذه المبادئ في بريطانيا من خلال قيام الملكية الدستورية وفي أميركا حيث رفع شعار”لاشيء غير الشعب، وكل شيء من أجل الشعب”.وفي فرنسا قامت الثورة الفرنسية بتحقيق العديد من الأفكار الجديدة فيما يخص حقوق المواطنين فأعلنت عام 1789 وثيقة حقوق الانسان التي استمدت مضمونها من أفكار فولتير وروسو.

التنوير العربي.
بدأ التنوير في العالم العربي في مصر وقام به عدد من المفكرين والأدباء الذين ذهبوا في بعثات الى أوروبا أو اطلعوا على الحركات الفكرية التي عمّت الغرب..وكان أبرزهم محمد عبدة، وجمال الدين الافغاني وعبد الرحمن الكواكبي وأحمد لطفي السيد واسماعيل مظهر وشبلي شميل جميل صدقي الزهاوي، سلامة موسى، معروف الرصافي وطه حسين.
وعلى العكس من التنوير الأوروبي الذي ارتبط بالثورة العلمية في مجال الرياضيات والفلك والكيمياء على أيدي غاليلو ونيوتن وديكارت وكانط، وبالرغبة في تحرير العقل وتحرير المجتمع سياسياً واقتصادياً من قيود الحكم الاقطاعي والملكي والكنسي على يد جون لوك ورسو وفولتير وهيوم وديدرو..فان التنوير في البلدان العربية اقترن بالنزعة الوطنية.. ورغم أن التنوير الأوروبي قام على أساس المساواة الإنسانية بصرف النظر عن القوميات والأوطان، إلا أنه قام في البلدان العربية على أساس اكتشاف الذات أو الثقافة الوطنية والقومية ومعرفتها وتقييمها والدفاع عنها باعتبارها وعاءً للضمير الوطني وحاجزاً يحمي من الذوبان في ثقافة المستعمر الذي كان يسيطر على معظم البلدان العربية والمختلف ثقافياً، كما أدى الى المطالبة بالاستقلال والحرية والى اندماج قضايا الاستقلال الوطني مع قضايا الديمقراطية السياسية والعدل الاجتماعي لتنتج تياراً فكرياً نادى بالاستقلال وأيضاً طالب بإصلاح التعليم وحرية المرأة والاستعانة بعلوم الغرب الحديثة وإعلاء شأن الحرية الفردية.

*******

نيوتن المحظوظ، صاحب الطفولة السعيدة في العلم..كانت الطبيعة كتاباً مفتوحاً له، يقرأ حروفه دون عناء
ألبرت أينشتاين

في ساعة متأخرة من ليلة التاسع عشر من يوم 19 آذار عام 1727 وقع رجل في الرابعة والثمانين من عمره مغشياً عليه، وحين تمّ استدعاء الطبيب نظر إليه ثم أخبر المحيطين به وكان ابن شقيقته وزوجها، أن يستعدوا لتلقي التعازي، فالرجل يعاني من سكرات الموت، لم تمر سوى ساعات قليلة حتى أعلنت وفاة السير إسحق نيوتن الذي كان قد احتفل قبل شهرين بعيد ميلاده وخلال الاحتفال همس في أذن أحد أصدقاءه بأنه سيموت ولم يضاجع امرأة أبداً.
ولد إسحق نيوتن في الخامس والعشرين من كانون الأول عام 1642، وكان مولوداً ضعيفاً جداً، حتى أن امراتين كانتا تعتنيان بأمه عند ولادتها، أرسلتا لجلب بعض الأدوية من الجيران، وبدلاً من أن تسرعا جلستا في الطريق تستريحان، ظناً منهما أن المولود لن يعيش وأنه لا بد أن يكون قد مات.. وبعد سنوات ستخبر الأمّ ابنها بأنه كان ضئيل الجسم لدرجة إنه كان يوضع في قدر صغير، وبسبب ضعفه لم يكن يتمكن من أن يرفع رأسه للأكل أو التنفس، لذلك أعدت لرقبته النحيلة مساند من القماش لتسند رأسه..بعد ستة أشهر من ولادته سيتوفى والده لتتزوج أمه من جار لهم يملك ثروة وأراضٍ، وكان شرطه الوحيد قبل إتمام الزواج أن لايشاهد هذا الطفل الغبي، فقررت الأمّ أن تترك ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات في عهدت والدتها، بعد أن بلغ العاشرة من عمره قرر خاله القس أن يعلمه المبادئ الدينية أملاً في أن يصبح في المستقبل قسيساً.فألحقه في مدرسة بمدينة بغرانثام، وأضطر الصبي أن يسكن في غرفة مؤجرة تعود لرجل يعمل صيدلياً، وسيندهش الصبي وهو يشاهد في واجهة الصيدلية ألانابيب والقوارير، وسيلعب لقاءه بصاحب الصيدلية دوراً حاسماً في حياته، إذ يجعله يعشق الكيمياء، وكان يأخذ من الصيدلي كتباً قديمة تنبعث منها رائحة الغبار، ليتأمل في صورها والرسوم التي تزين صفحاتها. لم يكن آنذاك قد تجاوز الثانية عشرة من عمره، لذلك لم يفهم كل ما يقرأ، ومع ذلك كانت هذه الكتب تسحره، لأنها كانت تتحدث عن كل شيء، الفيزياء، علم النبات، التشريح والفلسفة والرياضيات وعلم الفلك.ومن بين الكتب التي أثارت اهتمام الصبي إسحق نيوتن كتاب بعنوان”أسرار الطبيعة”وجد فيه سر عملية بناء الطواحين الهوائية والآلات الصغيرة، وقد تمكن من خلال الكتاب من صنع ساعة شمسية، وفي أوقات الفراغ كان يتسلل الى الصيدلية ليراقب تجارب الصيدلي وتحضيره للدواء، وأصبح صاحب الصيدلية بمثابة أب له يعوضه عن غياب الأب الذي لم يعرفه.
بعد سنتين سيحدث طارئ في حياته، حيث يتوفى زوج أمه تاركاً لهم مزرعة كبيرة، وقد قررت الأم أن تستدعي ابنها اسحق البالغ من العمر 14 عاماً ليكون مسؤولا عن العائلة،.هكذا سيصبح مطالباً بالذهاب صباح كل يوم الى السوق الكبير لبيع محاصيل المزرعة ولشراء بعض الأغنام.ولم يتسن له اكمال دراسته إلا بعد أربع سنوات من العمل، حيث عاد الى مدرسته ليكمل الدراسة الثانوية وهو في العشرين من عمره، ليلتحق بعدها بجامعة كمبردج لدراسة الرياضيات، إلا أن وباء الطاعون الذي اجتاح لندن عام 1665 قضى على آماله في إكمال دراسته، فقد أغلِقت أبواب الجامعة، ليعود نيوتن الى قريته يمضي أيامه في التأمل والصمت، وكانت هذه التأملات هي الأساس الذي قام عليه انتاجه العلمي. فخلال الثماني عشر شهراً التي قضاها في القرية اكتشف قوانين الحركة والجاذبية، وأجرى تجارب على الضوء ليثبت أن الضوء الأبيض يتألف من جميع ألوان الطيف الشمسي، ولم يكلفه هذا الاكتشاف العظيم، أكثر من”باوند”استرليني جمعه من أمه وعمه وبعض أخواله ليشتري به من سوق القرية قطعاً من الزجاج، يجري عليها تجاربه، وليبتكر بعد ذلك نوعاً من التلسكوب صنعه من العدسات الزجاجية وبقايا المرايا التي اشتراها.
في العام 1687 أصدر إسحق نيوتن كتابه”النظريات الرياضية للفلسفة الطبيعية”، كان في الخامسة والأربعين من عمره، ويخبرنا أحد كتاب سيرته إنه عندما نشر الكتاب لم يفهمه أحد آنذاك باستثناء أشخاص لايتجاوزون أصابع اليد الواحدة، وقد اعترف نيوتن إنه كتاب صعب، آنذاك كانت الجمعية الملكية البريطانية قد وعدت نيوتن بتمويل نشر الكتاب، إلا أنها نكثت بوعدها فقام أحد أصدقائه بتسديد ثمن الطباعة من جيبه الخاص، ليخرج الكتاب من المطبعة بحجم صغير وبسعر عشرة شلنات، ولم يبع من الكتاب سوى إثني عشرة نسخة. وظل صاحب المطبعة يترجى نيوتن أن يخلصه من النسخ المتبقية التي لا يريد أحد شراؤها.
ومثلما كانت حياة نيوتن غريبة، فقد انتشر حول أبحاثه الكثير من الحكايات الغريبة، كان من أبرزها إنه حين كان جالساً في قريته يتأمل، تحت شجرة من أشجار التفاح، فإذا بتفاحة تسقط على الأرض، ولمع ذهن الطالب الجامعي مع سقوطها. قال في نفسه متسائلاً:”لماذا سقطت التفاحة الى أسفل، وليس إلى أعلى أو إلى أية جهة أخرى. وهل يمكن أن تكون قوة الجاذبية المؤثرة على التفاحة في الأرض هي ذاتها التي تتحكم في حركة الاجرام السماوية؟”كان هذا الكلام يعتبر ضرباً من الهرطقة، لأنه وفقاً للفكر السائد وقتها، كان يفترض بالكواكب أن تتمركز في أماكن ثابتة تخضع للقوانين السماوية خضوعاً تاماً.
إن من السهل معرفة إنه قبل نيوتن، لم يكن هناك تفسير لحركة الأجسام على الأرض أو للأجرام في السماء، وإن الناس كانت تعتقد أن مصائرها معلقة بأيدي الأرواح الخيرة والشياطين، في تلك السنوات أنتشرت الشعوذة والسحر والخرافات، وقد جاء في كتابات الفلاسفة الإغريق وكتب اللاهوت أن الاجسام تتحرك بدافع من مشاعر ورغبات البشر، وكان أتباع أرسطو يرون أن الأجسام المتحركة لابد لها في النهاية أن تبطىء سرعتها ثم تتوقف لأن الارهاق يتملكها، وإن الاجسام تهوي الى الأسفل لأنها تشتاق للتوحد مع الأرض.
خاض نيوتن معركته العلمية والفلسفية من خلال كتابه الشهير”المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية”وفيه عارض نظريات ديكارت في الحركة والكون. وقد تمكن في هذا الكتاب الضخم أن يلخّص أفكاره وتجاربه الكثيرة، ويثبت الكثير من القوانين والقواعد. وكان هدفه الأساس من الكتاب هو :”إثبات أو شرح كيف أن الجاذبية الأرضية تستطيع المحافظة على نظام الكون”، ويخبرنا برتراند رسل أن نيوتن :”أراد أن يوضح ذلك ليس عن طريق الفلسفة القديمة، ولكن بطريقته الفلسفية الجديدة”.
بعد وفاته عام 1727 كان نيوتن قد حقق شهرة كبيرة لم يحققها أي عالم وفيلسوف في عصره.. وقد أطلق على مشروعه العلمي اسم”الثورة النيوتنية”، وهي الثورة التي ربما سمع بها عدد قليل من الناس، لأن اهتمام العالم كان منصباً على الثورات السياسية مثل الثورة الفرنسية والروسية وحرب الاستقلال الاميركي، إلا أن تاريخ البشرية يضع ثورة نيوتن في منزلة متقدمة من هذه الثورات، لأن تأثيرها امتد لعقود طويلة، حتى أن الشاعر الانكليزي الكسندر بوب كتب :”، كانت الطبيعة وقوانينها كامنتين في ظلمة الليل.. فقال الخالق، اتركوا نيوتن يعمل! فأضاء كل شيء”..فيما طالب فولتير أن تطبق نظريات نيوتن في مجال التاريخ والأدب والفلسفة.
وعلى مدى القرون الماضية احتل نيوتن تصنيفاً علمياً تفوق فيه على داروين وغاليلو وأينشتاين، وظلت أعماله العلمية والفلسفية مبهرة على مستوى العالم الذي اعتبره أعظم مفكر عرفته البشرية. يكتب نيوتن في مقال بعنوان مقترح للسلام :”تجنب القتل والسرقة، والفسوق، وكل الموبقات، ولا تقتات على لحم حيوان حي أو تشرب دمه، وأن تكون رحيماً حتى بالوحوش الضارية، وتقيم محاكم العدل في كل المدن والمجتمعات لتضع هذه القوانين موضع التنفيذ.


يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك