كتابات

تعدد مراكز القوى و تفكك الدولة

بقلم:حيدر الصراف

اثارت التصريحات و البيانات النارية لقادة بعض الفصائل المنضوية تحت تسمية ( الحشد الشعبي ) و التي تهدد و تتوعد القوات الأمريكية المتواجدة في الأراضي العراقية و تتعهد بالعمل على اخراجها و ان اضطرت الى اللجؤ للقوة و استعمال السلاح هذه التصريحات تثبت ان ( الدولة ) العراقية هي التي تخضع تحت هيمنة فصائل ( الحشد الشعبي ) و ليس العكس الذي يجب ان تكون عليه الأمور بأعتبار ان ( الحشد الشعبي ) مؤسسة عسكرية رسمية ( نظامية ) تخضع لأوامر القائد العام للقوات المسلحة و توجيهات وزارتي الدفاع و الداخلية كالجيش و الشرطة و باقي صنوف القوات المسلحة العراقية .

في كل دول العالم الرصينة يكون قرار استقدام قوات اجنبية للحاجة الى رد العدوان او حماية الوطن او الطلب من القوات الأجنبية المتواجدة على الأرض بالجلاء و الرحيل لأنتفاء الحاجة اليها هو من اختصاص الحكومة المركزية و البرلمان بالتحديد اما اذا ما انبرت جهة مدنية او عسكرية و طالبت بأخراج القوات الأجنبية من البلاد و هددت بأستخدام السلاح و كما تفعل ذلك بعض من فصائل الحشد الشعبي فهو اعتداء على الحكومة العراقية اولآ و سلب صلاحياتها التي منحها اياها الدستور و على الحكومة عند ذلك التدخل و حل تلك الفصائل و تقديم قادتها الى المحاكم المختصة كونهم يعرضون أمن الوطن و سلامة الشعب الى الأخطار و يسلبون من الحكومة الشرعية المنتخبة حقها الدستوري في القبول بتواجد القوات الأجنبية او عدم القبول .

عندما تتهم بعض من فصائل الحشد الشعبي بأنها ميليشيات لا تأتمر بأوامر القائد العام و لا تخضع للمؤسسة العسكرية الرسمية حينها تقوم الدنيا و لا تستكين و يبدأ معها سيل من الأتهامات و اقلها و ابسطها هو العمالة للأجنبي و استلام الثمن المدفوع من هذه السفارة الأجنبية او تلك لكن حينما تنفذ بعض من فصائل الحشد السياسة الأيرانية بحذافيرها و تكون الصدى المسموع لتلك الأجندات الأيرانية و تعلن ذلك بكل صلافة و عنجهية فأن ذلك لا يعني عمالة للأجنبي و كأن تغليب مصلحة الأجانب على المصلحة الوطنية اصبحت ( وجهة نظر ) و ( رأي مخالف ) بعد ان كان من يتهم بها يساق الى المشانق مجللآ بالخزي و العار بتهمة الخيانة العظمى .

من غير المقبول مطلقآ ان ينبري فصيل او عدة فصائل مسلحة في رسم السياسة العامة للدولة و كما يحدث حاليآ في العراق في غياب شبه كامل لموقف الحكومة الرسمي من هذه الفصائل و اصحابها و اذا كان رئيس الوزراء الحالي ضعيفآ و غير قادر على قلع أنياب و تقليم مخالب هذه الفصائل فعليه تقديم الأستقالة و فسح المجال امام شخصية قوية متمكنة و العراق يعج بمثل تلك الشخصيات القادرة على لجم تهور المسلحين و الزج بهم في الأماكن التي تتناسب مع اعمالهم و بناء حكومة قوية و مهابة الجانب مرهوبة الجناح لا يمكن لكل من هب و دب من مالكي السلاح المساس بها و النيل من كرامة المواطنيين الذين هم في حمايتها .

اصبحت علاقات العراق الخارجية مع الدول المجاورة و غير المجاورة خاضعة لمزاجيات قادة بعض الفصائل المسلحة و التي غالبآ ما تعبر عن وجهة النظر الأيرانية سلبآ او ايجابآ و ما الموقف الودي من دولة ( قطر ) المتهم الرئيسي بتمويل الأرهاب و المنظمات الأرهابية و بالأخص في سوريا و العراق و الموقف السلبي من ( السعودية ) و هي كذلك متهم رئيسي بتمويل الأرهاب و الأرهابيين جاء متناغمآ مع الموقف الأيراني من كلتا الدولتين و على هذا المقياس اصبحت علاقات العراق مع دول العالم تتجاذبها التصريحات و البيانات الهجومية و التهديدات التي تطلقها فصائل لا تملك من الشرعية و التخويل في ابداء مثل هذه الأراء المتشنجة التي توتر و تسمم العلاقات مع دول العالم .

مع تعدد مراكز القرار في الدولة تفقد تلك الدولة المعنية هيبتها و مكانتها و لا يمكن التعامل مع الحكومة القائمة فيها و حين توجد عدة مراكز تتخذ قرارات قد تكون متباينة و متناقضة فيما بينها فهذا يعني ان في تلك الدولة عدة حكومات ترسم سياسات الدولة الداخلية و الخارجية ما يفسح المجال بشكل واسع و كبير امام التدخلات الخارجية ما يضعف القرار السيادي و يسلب من الحكومة المركزية حقها الطبيعي في رسم السياسة الداخلية و الخارجية للدولة و جعل تلك القرارات و التوصيات رهينة عند القوى التي لا تملك من قوة الشرعية شيئآ بل هي تملك ( شرعية ) القوة المدججة بالسلاح .

امام هذا الوضع السيئ لا بل الخطير الذي تمر به ( الدولة ) العراقية من الضعف و الأنقسام و التفكك فبعد ان كانت دولة الطوائف و الكيانات المذهبية و العرقية تحولت الى دولة الأحزاب و الميليشيات المسلحة الى دولة ( جيوش ) الأحياء و الشوارع و العشائر و التي اذا ما تقاتلت فيما بينها ( و ما اكثر معاركها ) كانت الأسلحة المتوسطة من الرشاشات الثقيلة و مدافع الهاون و غيرها هي الأسلحة الأكثر استخدامآ في تلك ( الحروب ) و التي ما ان تهدأ واحدة حتى تندلع اخرى و قد يكون السبب نفوق حيوان او جفاف جدول او تجاوز هنا او هناك و تقف الحكومة المركزية امام كل هذه المظاهر المسلحة لا بل المدججة بالسلاح موقف المتفرج الذي ليس في نيته القيام بعمل حاسم وحازم يعيد الى الدولة العراقية قوتها و سطوتها و كأن هذا الأنفلات في حمل السلاح و انتشاره بشكل عشوائي و كأن المجاميع المسلحة التي تسرح و تمرح بدون حسيب او رقيب و كأن عصابات الجريمة المنظمة تقتل و تنهب بكل حرية و كأنها ليست البلاد التي هي اول من دون القوانين و كتبت سطورها و نقشت في اللوح البابلي .

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من شبكة اخبار العراق (INN)

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق