العراق اليوم

الاتحاد الوطني الكوردستاني.. من طليطلة إلى بـغداد

شبكة بوك ميديا PukMedia

تستذكر جماهير شعب كوردستان والقوى الوطنية العراقية هذه الأيام بدايات تأسيس الاتحاد الوطني الكوردستاني (PUK) الذي تمكن من جمع شمل الجماهير الكوردستانية وجمعها وتنظيمها وتعبئتها مرة ثانية بعد النكسة التي منيت بها الثورة الكوردية عام 1975 على اثر اتفاقية الجزائر التي وقعت يوم 6/3/1975 بين صدام حسين وشاه إيران تحت يافطة حل المشاكل الحدودية وتنفيذ بروتوكولات وملحقات اتفاقيات القسطنطينية لعام 1937 لحل النزاعات الحدودية والمياه المشتركة وتثبيت خط التالوك، تلك الاتفاقية التي كان الغرض الأساسي منها تفكيك الحركة الوطنية الكوردية المسلحة في كوردستان العراق وخنق ثورة ظفار في عُمان وتدمير الحركة الوطنية العراقية وتطلعات عرب إيران الإنسانية ونقل العراق تدريجياً إلى المعسكر الغربي عبر بوابة شاه إيران في خضم هذه الأحداث والمؤامرات.

 

كيف تأسس الاتحاد الوطني الكردستاني؟ سياسته وأهدافه؟

ومن هم المشاركون في عملية التأسيس؟ 

وكيف انتشرت خلاياه التنظيمية آنذاك في مدن وقرى وجبال كوردستان وفي بغداد والجنوب وبيروت ودمشق والقامشلي وليبيا والجزائر والبلدان العربية وإيران والقاهرة وأمريكا وتركيا وبريطانيا وهولندا وبلغاريا ورومانيا وجيكسلوفاكيا والنمسا والمجر ويوغسلافيا وفرنسا وألمانيا؟ 

كيف تم تعبئة البيشمركة العائدين والمواطنين المحبطين بعد النكسة؟ 

وما هي طبيعة العلاقات السياسية الكوردية مع الدول الإقليمية والعربية والأوربية في تلك الحقبة التاريخية؟.

لتسليط الأضواء على بعض هذه التساؤلات ودراسة حركة التاريخ والمجتمع في العراق وكوردستان بالذات وغيرها قررنا ان نكتب الأسطر التالية اعتمادا على الذاكرة والضمير والوجدان والحقائق التأريخية، ومن البديهي ان تكون المعلومات غير متكاملة، لذلك أتقدم برجاء إلى الاخوة والرفاق الآخرين في رفد هذا التاريخ الحافل بالوقائع لتكتمل الصورة ولتبقى للجيل الجديد باعتباره جزء من تاريخ الحركة الكوردية بكل مفاصلها وهو تاريخ مُلك لمواطني كوردستان والعراقيين عموماً. تلك الأحداث والوقائع يتذكرها كل صاحب وجدان وضمير مخلص متخلص من لوثات العنصرية والشوفينية التي ابتلينا بها في العراق. وبهذه المناسبة فان هذه الطروحات والذكريات لاتمثل وجهة نظر أي حزب او تنظيم سياسي كوردي أو عراقي أو كوردستاني، بل هي مجرد خاطرات ووجهات نظر الكاتب. فالمعذرة لذوي الشهداء الذين صنعوا هذا التاريخ ولم أتذكرهم ومعذرة أخرى للأحياء الأعزاء الذين استبسلوا ولم أتذكرهم.    

الاتحاد الوطني الكوردستاني يمثل اربعين سنة من النضال والكفاح وتقديم التضحيات من اجل شعب كوردستان الذي هو جزء لايتجزء من تاريخ الشعب العراقي. أننا سنحاول إلقاء الضوء على بعض الجوانب، وعلى الاخوة المؤسسين للاتحاد الوطني الكوردستاني السادة نوشيروان مصطفى أمين والدكتور فؤاد معصوم وعبد الرزاق عزيز والدكتور كمال فؤاد والدكتور عمر شيخموس كتابة مذكراتهم وأخص بالذكر الرئيس مام جلال الذي كان رأس الحركة ومؤسسها ومفكرها، والمناضلين الآخرين الأحياء الذين تركوا بصماتهم على مسيرة الاتحاد خلال العقود الثلاث الماضية أخص بالذكر كل من المناضلات والمناضلين السيد كوسرت رسول علي وسالار عزيز وجمال آغا حكيم وعمر فتاح وعمر سيد علي والسيدة بروين عثمان وملابختيار والسيدة روناك والسيدة حليمة حمدي وجمال يوسف وسعدون يد الله فيلي وعماد احمد وعدنان المفتي وقادر عزيز والدكتور محمود عثمان وسيد كاكه وشيخ محمد شاكلي وسعدي احمد بيره ولطيف رشيد وشوان كابان وكوردو قاسم وشيخ عبدالكريم حاجي وحمه زياد وناظم دباغ والدكتور خضر معصوم والسيدة هيرو ابراهيم احمد والملازم عمرعبدالله وقادر حاجي علي وشيخ جعفر مصطفى البرزنجي وآزاد حمه سعيد وهاوري جبار وآزاد سكرمة وآزاد جندياني وطلعت كلي وعثمان حاجي محمود ومصطفى سيد قادر والدكتور خسرو وملا محمد بحركه ومحمد حاجي محمود وغيرهم.

اعتقد لو تحدث الجميع عند ذكرياتهم عند ذلك يمكننا القول ان تاريخ الاتحاد الوطني الكوردستاني سيكتمل ويمكننا ان نكتبه. ولابد في يوم من الأيام ان تتم كتابته الذي يشكل ليس جزء من نضال شعبنا الكوردي بل تاريخ الكفاح من اجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة في العراق، لذلك يجب ان يأتي اليوم الذي تجمع وتوثق فيه المذكرات والوثائق والصور لتتم عملية الكتابة الصحيحة لتاريخ الاتحاد الوطني الكوردستاني، هذا من جانب، ومن جانب آخر يجب ان نتذكر دوماً شهداء هذه المسيرة الطويلة المخضبة بدماء شهداء شعب كوردستان، فلولا شهداء انتفاضة السليمانية عام 1930 وشهداء مجزرة قلعه دزه التي ارتكبت بحق طلبة جامعة السليمانية الذين تركوا المدينة احتجاجاً على النظام العنصري في آذار 1974، ليعيدوا بناء جامعتهم بعيداً عن هيمنة النظام.. جامعتهم التي قصفت بطائرات سيخوي حربية عراقية بوحشية صباح يوم 24/4/1974، وأدت الغارة الدموية إلى استشهاد المئات من طلبة الجامعة وطلبة المدارس والأطفال وأتذكر أسماء بعض الطلبة الجامعيين الذين استشهدوا نتيجة الغارة البربرية: هيوا عبدالغفور، محمد انور القره داغي، آزاد حسين، برهان عبدالله، سوران محمد صالح سام سام، عبدالغني غريب، آزاد حمه غريب واستشهدت عوائل بالكامل في تلك المجزرة المروعة. تلك الدماء كتبت التاريخ الكوردي الحديث.

أما الكوكبة التي أعدمت في بغداد يوم 4/5/1974 (ليلى قاسم حسن، جواد مراد الهموندي، نريمان فؤاد مستي، آزاد سليمان، حمه ره ش) قد سجلت سابقة لانظير لها في تاريخ منطقة الشرق الأوسط والبلدان العربية، إذ تم إعدام أول فتاة عراقية من كوردستان بعد تعرضها لتعذيب وحشي من مخابرات نظام بغداد. أول امرأة تعدم علناً في الشرق الأوسط عام 1974 وكانت عملية بشعة.. تبعها إعدام المئات ودفن الآلاف منهن في المقابر الجماعية بامر من صدام حسين وازلامه.

فالنظام العفلقي الدموي قد شن حملاته الدموية المنظمة منذ هيمنته على مقاليد الحكم يوم 17/7/1968 اذ تم تصفية العشرات من كوادر وقيادات الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية – وطالت التصفيات حتى قيادات الحزب الشيوعي العراقي (اللجنة المركزية) ناهيك عن تصفية كوادر وقيادات حزب البعث العربي الاشتراكي (قيادة قطر العراق – الموالي لدمشق) والحركة الاشتراكية العربية وحركة القوميين العرب وحتى كوادر وقادة حزب البعث العراقي لم تسلم من الجهاز السري الخاص بصدام حسين. فقد استكملت الدكتاتورية هيكلتها المخابراتية الدموية بعد هيمنة صدام حسين واشقائه واولاد أعمامه على جميع مفاصل الدولة العراقية والحزب. ففي آب 1979 أعلن صدام حسين من قاعة الخلد ببغداد في مشهد دراماتيكي وهو يذرف الدموع! عن اكتشاف مؤامرة مزعومة دبرها المرحوم حافظ الأسد للإطاحة بنظامه في بغداد. فتم اعدام العديد من أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث ومجلس قيادة الثورة وهم كل من (محمد عايش الفلوجي وعدنان حسين الحمداني وطاهر محمد أمين العاني وبدن فاضل وغانم عبدالجليل ومحمد محجوب ومحي عبد الحسين المشهدي وغازي ايوب و وليد اسماعيل ووليد صالح الجنابي وابراهيم جاسم وطالب محمود النجار ونافع الكبيسي وخليل الكساب وماجد عبد الستار واسماعيل محمود الصويلح وخالد عبد عثمان الكبيسي وحازم يونس واحمد ذنون وحتى عبد الخالق السامرائي (عضو القيادتين القومية والقطرية الذي كان معتقل منذ حركة ناظم كزار في حزيران 1973) وعدد كبير آخر من قادة الحزب والقوات المسلحة. وبعدها اغتيل عدد كبير من مسؤولي الدولة والحزب منهم عبد الكريم الشيخلي ومرتضى الحديثي وفليح الجاسم وعدنان خير الله وشاذل طاقة والمئات.

وتم إعدام مجموعة قيادية من حزب الدعوة الإسلامية في 11/12/1974 وهم  (الشيخ عارف البصري والشيخ عز الدين القبانجي والشيخ عماد الدين التبريزي ونوري طعمة ومحمد علي جلوخان) للاشتباه بهم.

وفي يوم 25/4/1974 أعدمت مجموعة جهادية ماركسية من كوادر الجيش الشعبي لتحرير العراق (ظافر حسن النهر وعماد هاشم الصالحي وخالص عبدالمجيد وناظم كاظم وجعفر هادي ومعين حسن النهر). 

إذ لولا تضحيات ودماء الشهداء من الكورد الفيليين الذين تصدوا وقاوموا ردة شباط 1963 وبطولات وتضحيات الحركة الوطنية العراقية العربية والكوردية والإسلامية، ولولا دماء بيشمركة ثورة ايلول 1961 بقيادة المرحوم الملا مصطفى البارزاني لما انبثق الاتحاد الوطني الكوردستاني والأحزاب الكوردستانية والديمقراطية العراقية الأخرى ولما كان أي معنى لأي نصر لحركة الشعب العراقي، فلولا صمود العراقيين في سجون ابي غريب والموصل ومعتقل الحاكمية والرضوانية والمخابرات والأمن العام والاستخبارات أثناء التعذيب وتنفيذ أحكام الإعدام، تلك التضحيات الجسيمة الكوردستانية والعراقية الديمقراطية والقومية العربية والإسلامية الثورية والتركمانية والآشورية التي تطرقنا أليها بصورة مختصرة لما تحقق الانتصار على الدكتاتورية والاستبداد.

ان النكسة والمؤامرة العالمية التي طبخها هنري كيسنجر ونفذها شاه إيران بالتنسيق مع صدام حسين من اجل القضاء على الحركة الكوردية التي كانت تمثل حركة مقلقة لدول المنطقة لأنها حركة وطنية ديمقراطية المضمون مدافعة عن حقوق شعب مضطهد، بغض النظر عن العلاقات النفعية الهامشية مع حكومة إيران وحجم المساعدات الشحيحة التي كان يقدمها شاه إيران للحركة الوطنية الكوردية المسلحة آنذاك، والتي كانت بمثابة المصيدة لتدمير الحركة الكوردية فنوع السلاح البسيط المحدود ونوع المساعدات كانت مؤشرات واضحة لتحديد فعاليات الثوار.

وعندما لمست دول المنطقة بان الحركة الكوردية بدأت تتوسع خاصة في عامي 1974 و 1975 بعد التحاق الآلاف من المثقفين وأساتذة الجامعة والأطباء والعسكريين بهذه الحركة، فبدت الحركة الكوردية مخيفة من وجهة النظر الإقليمية والدولية، لذا نُسجت عملية التخطيط للقضاء عليها، عند ذاك بدأت مشورات وتحركات هنري كيسنجر  للقضاء على الحركة الكوردية. فتم عقد لقاء تمهيدي في  أنقرة بين العراق وإيران والجزائر في شباط 1975 سبقتها لقاءات سرية عديدة نوه عن خطورتها المرحوم أنور السادات أمام مام جلال في حينه.

في عام 1975 عقد اللقاء الحاسم بين صدام الذي كان نائبا للرئيس البكر رسمياً ولكن في الحقيقة كان رئيسا فعليا للعراق والرئيس الجزائري هواري بومدين وشاه إيران على هامش اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط – أوبك – أسفر اللقاء عن توقيع اتفاقية الجزائر في 6 آذار/ مارس 1975 بين العراق وإيران، التي بموجبها اُجبر العراق على التنازل عن نصف شط العرب وأراضي عراقية حدودية شاسعة لقاء القضاء على الحركة الكوردية وتفكيك مؤسساته العسكرية والاجتماعية من خلال غلق الممرات وتشخيص الحدود ووضع القوات على جانبي الحدود لمنع المساعدات عن الحركة الكوردية، كون الممرات العراقية – الإيرانية بمثابة الرئة التي تتنفس منها الحركة. فترتبت آثار كارثية على الحركة الكوردية جراء تلك الاتفاقية حيث قضي على الحركة المسلحة وتشتت القوى المسلحة للشعب الكوردي. وجرت الاتفاقية المنطقة برمتها إلى كوارث ومآسي أبرزها الحرب العراقية – الإيرانية التي دمرت البلد لثمان سنوات (1980-1988) واسفرت عن تواجد القوات الامريكية لحماية ناقلات النفط العراقية.

أعلنت كل من بغداد وطهران نص الاتفاقية التي أذهلت العالم وذلك في 6/3/1975، فاتخذت طهران من جانبها الاستعدادات لغلق الحدود والمعابر بين العراق وإيران لقطع الطرقات على تنقل القوات الكوردية والأفراد بين البلدين. وكانت تلك مؤشرات واضحة للتطبيقات الأولية للبنود السرية للاتفاقية التي أعلنت وكأنها اتفاقية حل المنازعات التاريخية في شط العرب.

ولاطلاع القارئ على خلفية الموضوع، فلابد من التطرق ولو بشكل سريع على الخلافات التاريخية بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية التي هيمنتا على شرقنا لقرون عديدة. فقد نشأت النزاعات بين الإمبراطوريتين على أمور كثيرة باطنها صراع طائفي مقيت وظاهرها المصالح وطرق التجارة وتبادل المتمردين ومشاكل المياه المشتركة والجبال الحدودية والعتبات المقدسة.

وبعد توسط بريطانيا العظمى وروسيا القيصرية لحل النزاع بين الإمبراطوريتين تم عقد معاهدة ارضروم الأولى عام 1821م ومعاهدة ارضروم الثانية عام 1847م وبموجب المعاهدة الأخيرة نالت الإمبراطورية الإيرانية القاجارية على مكاسب كبيرة منها الهيمنة على مناطق عربية شرق شط العرب والبصرة، كما نصت المعاهدة على حرية الملاحة لسفن الطرفين في شط العرب من مصبه حتى نقطة التقاء حدود العراق وإيران.

وبعد معاهدة ارضروم الثانية عقد بين البلدين بروتوكول طهران لسنة 1911 وبروتوكول القسطنطينية لسنة 1913. وبعد تصاعد الخلافات بين البلدين طرحت قضية المشاكل الحدودية أمام عصبة الأمم المتحدة التي أوصت بحل النزاع عن طريق المفاوضات المباشرة، فتم عقد معاهدة القسطنطينية 1937 بين البلدين، بموجب هذه المعاهدة الجديدة حصلت إيران على أراضى عراقية، وعلى امتيازات في شط العرب (خط التالوك ـ أي حق حرية الملاحة في نصف شط العرب المحاذي لإيران) وقد صادق صدام حسين على كل تلك المعاهدات والبروتوكولات أمام شاه إيران يوم 6/3/1975 في الجزائر.

وفي عام 1980 قام بتمزيق تلك الاتفاقية من على شاشات التلفزيون في بغداد واعتبرها باطلة وفي تلك اللحظات اعلن عن استعداده الكامل لشن الحرب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

لكن الأيام التي تلت إعلان الاتفاقية ظهرت للعيان بوضوح عمق وطبيعة الاتفاقية الخطيرة على السيادة الوطنية للدولة العراقية أولاً والتنسيق الإيراني-العراقي لسحق الثورة الوطنية في ظفار وبسط الهيمنة الشاهنشاهية على الخليج ومحاربة القوى الديمقراطية في المنطقة برمتها والتخطيط لتفتيت جبهة الصمود والتصدي العربية. وبرهنت الاتفاقية للعالم بأن النظام العراقي العنصري المستبد قد قدم تنازلات خطيرة للشاه ولم يقدم على التفاهم مع أبناء شعبه في كوردستان وتقديم الحل السلمي الديمقراطي الوطني للقضية الكوردية. ولم يستطع النظام العراقي من استيعاب المطالب الوطنية الكوردية العراقية، وعامل الكورد في أرضهم العراق كغرباء وبشر من الدرجة الثانية وعملاء واجانب. فالانظمة العربية رفضت فهم وقبول الشعب الكوردي وتاريخه وتراثه ورفض النظام العراقي اعطاء الكورد أي دور وطني او قومي وبدلا من ان تكون العروبة الاسلامية الانسانية حاضنة ومظلة واحدة لجميع العراقيين، لكن العمى العنصري لدى قادة النظام حولهم الى حركة عنصرية ترفض الاخرين بدل اجتذابهم. ومما احزن الكورد ان الدول العربية كلها (باستثناء سوريا وليبيا) قد تغاضت عن حروب العرب ولم يعيروا أي اهتمام بالكورد وعاملونا كشعب غريب باستثناء عدد محدود من من الديمقراطيين والكثير منهم اعتبروا اتفاقية اذار نصرا عربيا على الفرس!.

ومن سخرية القدر بان الصحفي محمد حسنين هيكل قال في لقاء لوفد قيادي كوردي بأنه لم يسمع في حياته بكارثة حلبجة!! وهل يجوز للعرب استخدام الاسلحة الكيمياوية ضد الكورد.

 

خطـــة البديــل

عاد المرحوم الملا مصطفى البارزاني من طهران إلى كوردستان العراق بعد اجتماعه مع شاه إيران بتاريخ 13/3/1975، بحضور السادة الدكتور محمود عثمان والسفير محسن دزه يي، لبحث نتائج لقاء الجزائر. وكان اجتماعاً حاسماً حسبما ذكره الدكتور محمود عثمان في مذكراته حيث ابلغ شاه ايران السيد البارزاني بأنه توصل إلى حل مشاكله السياسية مع نائب الرئيس العراقي صدام حسين في مؤتمر منظمة الاوبك بالجزائر يوم 6/3/1975. وقال الشاه للسيد البارزاني بان المسلحين الكورد أمام خيارين لاثالث لهما، أما نزع السلاح والرجوع إلى العراق دون قيد أو شرط أو المكوث في ايران بصفة لاجئين والانصهار في المجتمع الإيراني.

كلمات الشاه كانت ثقيلة جدا وقاسية على القادة الكورد، ولكنهم حاولوا بشتى الوسائل التملص والرجوع إلى كوردستان سالمين للاجتماع بالقيادات على ارض الوطن لاتخاذ القرار السياسي الجماعي المستقل (للمزيد من المعلومات راجع مذكرات الدكتور محمود عثمان).

عند رجوع البارزاني والوفد المرافق له إلى كوردستان العراق عن طريق منطقة حاجي عمران، استقبلوا استقبالا حافلا من قادة ووزراء وكوادر الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة، لإعلانهم وهم في الطريق ان القيادة ستقاوم المؤامرة وستواصل الثورة الكوردية كفاحها المسلح اعتمادا على القوى الذاتية لشعب كوردستان وتجاوز المؤامرة بخطة جديدة.

اتخذت بعد اجتماعات مكثفة الاحتياطات المطلوبة إذ وضعت خطط جديدة لتغيير التكتيكات ووزعت المؤن وتم خزن السلاح والعتاد، فتم الاحتفاظ بثلاثة مراكز قيادية لديمومة الثورة المسلحة. فاختيرت منطقة بالك (حاجي عمران) محافظة اربيل كمركز أول للقيادة العسكرية بقيادة السادة مسعود البارزاني والمرحوم إدريس البارزاني ومعهم عدد من الكوادر الحزبية والعسكرية المتمرسة ومن أبرزهم الشهيد سامي عبد الرحمن ومقدم يوسف ميران والشهيد فرنسوا حريري والقائد العسكري عبدالله آغابشدري والنقيب الركن آزاد ميران وآزاد نجيب برواري والدكتور نجم الدين كريم وكريم سنجاري وغازي ووريا وخالد وآخرين. وكان من المقرر ان نكون في هذه المنطقة.

أما المركز الثاني فتم اختيار منطقة بنجوين الحدودية التي تقع شرق محافظة السليمانية للأشراف على العمل في محافظات السليمانية وكركوك ومدن خانقين وبغداد وجنوب العراق وكرميان، ولهذه المنطقة الستراتيجية انتخب المرحوم نوري شاويس (عضو المكتب السياسي) مسؤولا عن هذا المركز، فتجمع حوله عدد من خيرة السياسيين والعسكريين من مدن السليمانية وكركوك واربيل وبغداد. وأعلن السيد فاروق ملا مصطفى مسؤول الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية – في كوردستان في حينه، انضمامه وأنصاره إلى المقاومة الجديدة وكان معه عدد من الأنصار الشيوعيين العراقيين العرب إضافة إلى الأنصار الشيوعيين الكورد، فقاموا بتجميع السلاح والذخائر والمؤن بالتنسيق مع عدد من قيادي العصبة ومكتب سكرتارية اتحاد طلبة كوردستان للبدء بحرب الأنصار إلى جانب قوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني. فكنتُ في حينه على اتصال يومي مع المقاومين في الحزب الديمقراطي والكومله والقيادة المركزية للتعبئة وشحذ الهمم والاستعداد لحرب عصابات طويلة الامد اعتمادا على القوى الذاتية لشعب كوردستان. 

وتحول المقر العام لمكتب سكرتارية اتحاد طلبة كوردستان، إلى خلية ناشطة للتوعية والتعبئة الثورية ورفع معنويات الطلبة الذين كانوا في جبهات القتال إلى جانب البيشمركة. إذ انخرط المئات من الطلبة في الدورات العسكرية القتالية، وكان للسادة المدرجة أسمائهم ادواراً بارزة مشهودة في تعبئة الطلبة والشباب وحثهم لمواصلة الكفاح المسلح، وهم كل من، (آزا خفاف والدكتور رنج نوري شاويس والدكتور نجم الدين عمر كريم وآرام ودارا نوري وعبد الرزاق عزيز والدكتور خسرو كل محمد وسربست بامرني و سيروان عبدالله سعيد و سعدي احمد بيره و سالار عزيز و سلام عبد الرحمن و كاردوكلالي وحسيب روزبياني و رؤوف عقراوي و خورشيد احمد و جبار حاجي رشيد و حسين علي احمد فيلي وفرهاد عوني و ظاهر روزبياني وحسن فيض الله ورشيد باجلان وجمال الجاف) والمئات من كوادر اتحاد الطلبة وشارك في الحملة العديد من اساتذة جامعة السليمانية كالدكتور جلال شفيق والمرحوم الدكتور كمال خوشناو والدكتور المهندس دارا رشيد جودت.

كان المركز الثالث في مناطق بادينان، فقد عينت القيادة الشخصية الوطنية البارزة السيد صالح اليوسفي مسؤولا للمركز الثالث للأشراف على العمل السياسي والعسكري في مدن محافظتي دهوك والموصل وكان معه عدد من خيرة الكوادر السياسية والعسكرية من اهالي المنطقة ومن ابرزهم المرحوم اسعد خوشوي والعسكري الشجاع رشيد سندي والسيد فاضل مطني وحسو ميرخان ومصطفى نيروه يي وعلي السنجاري وحميد افندي وتحسين اتروشي وحميد عقراوي والدولمري. 

تجدر الإشارة إلى ان المرحوم صالح اليوسفي قد استشهد نزفاً في منزله ببغداد صباح يوم 21/6/1981 من جراء فتحه رسالة ملغومة وصلت اليه بالبريد بتدبير وتخطيط من مدير المخابرات آنذاك المجرم برزان ابراهيم التكريتي، حيث قطعت يداه ومنعوا عنه الإسعافات اللازمة.

تصاعدت العمليات الثورية للبيشمركة على جبهات القتال كافة مسجلين انتصارات كبيرة وخاصة في جبال زوزك وهندرين وحسن بك وماوت وبشدر وراوندوز كرميان ومنطقة سهل اربيل وسنجار وشيخان ومناطق بادينان بمحافظة دهوك. وبدء أهالي كوردستان يشعرون بالاعتزاز بقدرات قواتهم في مواجهة جيش النظام العراقي المسلح تسليحاً روسياً متطوراً دون أية مساعدة خارجية. فانخرط الآلاف من المواطنين في صفوف الثورة من جديد، وشعر الكثير من الوطنيين بأن كاهل إيران قد أزيح عنهم.

لكن هذا الحلم الوطني لم يدم طويلا، فسرعان ما انهارت الآمال بإعلان القيادة ليلة 22/3/1975 انتهاء الحركة المسلحة للمحافظة على الشعب الكوردي وقواته من الإبادة الجماعية، وعدم وقوع البيشمركة بين فكي رحا الآلتين العسكريتين الجبارتين للعراق وإيران.

نذكر للتاريخ والأجيال القادمة الدور البارز والمشهود للسيد جلال طالباني قبل الانهيار إحساساً منه بالمسؤولية التاريخية الجسيمة تجاه الشعب الكوردي، حيث اخذ على عاتقه مهمة الاتصال برؤوساء الدول العربية الثلاث مصر وسوريا وليبيا السادة (المرحوم أنور السادات والمرحوم حافظ الأسد والعقيد معمر القذافي) للحصول على دعم الحركة الكوردية ووقف التداعيات التي تمخضت عن اتفاقية الجزائر، والعمل على إسقاط الاتفاقية الاستسلامية ولكن جهوده ومقابلاته للرؤساء الثلاثة لم تثمر عن أية نتيجة في حينه بسبب تسارع تراجيديا الانهيار.

تلبدت كوردستان بغيوم الرعب واليأس، فانهارت الثورة وسقطت البنادق من أيدي البيشمركة والأنصار. ولكن جذوة الثورة ظلت في القلوب والعقول. ولابد ان نعترف بأن ظروف موضوعية وعوامل ذاتية ساعدت على انهيار الحركة الكوردية إلى جانب العوامل الإقليمية والدولية التي أشرنا إليها.

لكن الشعب الكوردي بقى واعيا وثائرا، وتحولت روحية الرفض لدى الشعب إلى إرادة أقوى بدليل ان الشعب بدأ بعد اشهر قليلة جدا من النكسة بلملمة جراحه وبدأت الخلايا تتشكل هنا وهناك، داخل وخارج العراق وكانت هناك قوة أساسية يسارية كوردستانية ديمقراطية واعية تعمل في العراق باسم عصبة كادحي كوردستان (كومله) إلى جانب منظمات ثورية كوردستانية وماركسية وقومية عربية ناصرية واسلامية راديكالية شيعية وبعثية يسارية موالية لسوريا. وكذلك تم تشكيل خلايا ولجان، في مدن عراقية واوربية وإيرانية مختلفة بعدها تم تشكيل لجان ثورية فرعية، ففي مدن مهاباد و نقده واروميه و شنو و خانة تم تشكيل لجان اتحادية سرية وذلك لامتصاص زخم الصدمة المذهلة ولتشجيع المواطنين للعودة إلى العراق بدلا من البقاء في إيران الشاه، وتفضيل الكفاح السلمي والعسكري ضد الدكتاتورية في الوطن على الانزواء في إيران.

إذن الروح الثورية وعدم الرضوخ للمؤامرة التي حدثت بدأت تتوهج في قلوب الشباب وقلوب الناس جميعاً، كمثيلاتها باقي التنظيمات في العالم التي بدأت تشعر بهذه الروحية وتنظم نفسها على هذا الأساس. وكانت انتصارات الشعب الفيتنامي عام 1975 بالاعتماد على قوى الشعب الذاتية والطليعة الثورية الواعية والقوات الشعبية مثالا يحتذى بها ونبراساً للثوريين الكوردستانيين في تلك الحقبة التاريخية.

تمت الاتصالات الأولى من قبل مام جلال بعدد من الوطنيين في الداخل والخارج بعد 13/3/1975  فقد تم الاتصال بنا برسالة من مام جلال نقلها لنا سراً في طهران المرحوم فاضل ملا محمود، الذي كان يحمل أيضا رسائل من مام جلال إلى بعض المسؤولين الكورد ومنها رسالة إلى المرحوم إدريس البارزاني، ورسائل مام جلال أصبحت بارقة أمل للوطنين الكورد وبمثابة رافعة ثورية لمواصلة الكفاح، حيث كان يقيم مؤقتاً في بيروت ويعمل مع السادة مسؤولي مكتب بيروت للحزب الديمقراطي الكوردستاني وكان السيد عزيز شيخ رضا مسؤولاً للمكتب وهناك التقيت للمرة الاولى بالسيد كوسرت رسول علي وكان عائداً من دورة علمية زراعية في بلغاريا. 

بدأت اتصالاتنا في طهران ومدن إيرانية أخرى وفي الخارج أيضا لبحث أسباب النكسة وطرق النهوض الجديد بالحركة وشحذ الهمم، وأتذكر كان بينهم السادة دارا توفيق وحبيب محمد كريم وكامران قره داغي مدير الاذاعة العربية للثورة الكوردية وعلي العسكري وشاسوار جلال (آرام) ودارا شيخ نوري وسالار عزيز وجمال حكيم (جمال آغا) وعدنان المفتي والدكتور خسرو كل محمد (الذي طلبت منه الرجوع الفوري إلى بغداد لحين الاتصال به) وجبار حاجي رشيد وآزا خفاف وحسين سنجاري والدكتور محمود عثمان وشمس الدين المفتي وقادر جباري وفرهاد عوني وحسن درويش وحسن فيض الله وحسيب روزبياني و ملا ناصح و رسول مامند وعلي هزار و سعد عبدالله والمهندس توفيق عبد الحسين وسربست بامرني ويدالله كريم وملازم اسماعيل باجلان وحسن درويش وتحسين عقراوي و ملا محمد اسماعيل والدكتور كمال خوشناو والدكتور جلال شفيق وكريم سنجاري وسامي شورش وبارزان خالد وفائق نيرويي وخالد يوسف خالد وطارق جمباز وحميد عقراوي والمحامي الشهيد هادي علي و دلشاد ميران وظاهر حمد وفؤاد حسين و جيا عباس صاحبقران وعلي إحسان و كاردو كلالي و رؤوف عقراوي والمئات من المناضلين الذين كانت لنا معهم علاقات جيدة.

بدأنا نتحرك بين صفوف الطلبة والشباب من اجل ديمومة الثورة من جديد ولكن بأسس جديدة وبنواة جديدة وقيادات متحمسة وأساليب ديمقراطية جديدة. دون ان نحدد أي اسم لهذا التنظيم، لان الرأي لم يستقر على تشكيل تنظيم معين آنذاك. إذ كانت الآراء مختلفة بين من يدعو إلى تشكيل تنظيم جديد وبين من يدعو لترك الأمور لسنوات أخرى لنضوج وضع جديد، والآخرين كانوا مع مواصلة النضال تحت قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني مع إجراء تغييرات في القيادات فهول الصدمة المروعة شتت الأفكار والمجموعات والمؤسسات الإدارية والحزبية والمهنية.

تجدر الإشارة إلى ان بعض القياديين غادروا طهران إلى الخارج بعد الانسحاب وتفكيك الثورة مباشرةً كالسيد حبيب محمد كريم والمرحوم نوري شاويس والشهيد دارا توفيق والدكتور رنج نوري وعبد الرزاق عزيز وعادل مراد وآخرين لاتسعفني الذاكرة بأسمائهم، وكانت تحركاتنا بعيدة عن أعين جهاز الأمن الإيراني (ساواك).

كنت رئيساً منتخباً لاتحاد طلبة كوردستان من تموز عام 1970، وبحكم موقعي كانت لدينا علاقات واسعة مع لجان وقيادات الطلبة والشباب وكذلك مع المسؤولين الأساسيين في الحزب الديمقراطي الكوردستاني وبشكل خاص مع الشهيدين سامي عبد الرحمن وصالح اليوسفي وقادة قوات الأنصار ومسؤولي العلاقات الخارجية، وكان الأستاذ عبد الرزاق عزيز ميرزا سكرتيراً لاتحاد الشبيبة الديمقراطي الكوردستاني، وكوننا على رأس التنظيم الطلابي سهلت علينا عملية الاتصال بالطلبة والشباب وتعبئتهم وتنظيمهم للعمل ضد المؤامرة التي ارتكبت بحق الشعب الكوردي واستئناف الكفاح السلمي بأسلوب جديد عبر (خلايا مسلحة) وبناء تنظيمات في بغداد واربيل وكركوك والسليمانية ودهوك وفي كافة المدن والأرياف وفي الخارج.. وكانت الخطوط العامة للحركة السياسية الكوردية الجديدة تتركز على لـم الصف الوطني ومناقشة أسباب النكسة وسبل الخروج منها و نقد الأوضاع والبحث عن مخرج للازمة العاصفة التي حلت بالحركة الكوردية الوطنية المسلحة وتجنب الاصطدام بالقوات العراقية أو بقوات الأمن والمخابرات العراقية، واخذ الحيطة والحذر من الأمن الإيراني المتعاون مع المؤسسات الأمنية العراقية استنادا إلى البنود السرية لاتفاقية الجزائر.

 

الوصول إلى دمشق

كان يوم السابع من نيسان 1975 يوماً تاريخيا بالنسبة لحياتنا السياسية الجديدة يوم الوصول إلى دمشق مع السيد عبد الرزاق عزيز ميرزا وتم اللقاء مع مام جلال فكان لقاءً ودياً مليئ بالحماس، ونقلت له دعم السيد مسعود البارزاني لتحركاته الجديدة وخطابه التاريخي الذي ألقاه في الملعب البلدي في بيروت أمام الآلاف من الكورد في لبنان بمناسبة نوروز يوم 21/3/1975. بعد الاجتماع بمام جلال عقدنا سلسلة لقاءات مهمة جداً بالسادة عبدالاله النصراوي الأمين العام للحركة الاشتراكية العربية، إبراهيم علاوي الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي (القيادة المركزية) وسلمت الاخير رسالة خطية من الشهيد سامي عبد الرحمن واجتمعنا أيضا مع الشهيد احمد العزاوي الأمين القطري للبعث العراقي الموالي لسوريا والمعادي لبعث العراق الذي استشهد على يد عصابات صدام بسيارة ملغمة في دمشق يوم 10/7/1976. اجتمعنا بهم لشرح اخر تطورات الوضع لهم.

استعرضنا لمام جلال الأوضاع التي حلت بنا واسباب النكسة وسبل توحيد الحركة من جديد وشكرته على الرسالة التي أرسلها لنا بيد السيد فاضل ملا محمود، تلك الرسالة التي أصبحت نبراساً لتحركاتنا في إيران. وفي كل اللقاءات كان معي السيد عبد الرزاق عزيز .. وقد فاجئنا مام جلال بتفاؤله وتصميمه على الكفاح بالاعتماد على قوى الشعب بالتعاون مع القيادة الكوردية السابقة وقال بأنه بعث برسالة مطولة إلى المرحوم الملا مصطفى البارزاني للتأكيد على مواصلة الكفاح وتوحيد الصف الوطني وكان من المقرر ان يكون المرحوم نوري شاويس معنا عند لقاء مام جلال ولكنه اعتذر وأعلن عن انسحابه من العملية السياسية، وقال بأنه سيسافر إلى لندن للعلاج عن طريق رومانيا وكان يعاني من أزمة قلبية حادة وكان بمعيته نجله الدكتور ره نج. 

فالتاريخ يعيد نفسه وبعد مرور ثلاثين عاما أي في 7/4/2005 تم انتخاب مام جلال رئيسا لجمهورية العراق فبعد ثلاثين عاماً من الكفاح يصل زعيم هذا التنظيم إلى ارفع منصب في الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921. حيث تم انتخابه من قبل القائمة الكوردستانية التي فازت بسبعة وسبعين (77) مقعداً في الجمعية الوطنية العراقية (البرلمان الجديد) في أول انتخابات ديمقراطية في العراق يوم 30/1/2005.

تمثل تلك الحقبة التاريخية تأسيس حركة كوردية جديدة، ولكن لم يتم الاتفاق على اسم الحركة، إلا بعد عقد سلسلة من الاجتماعات السياسية التحليلية وكتابة المسودة الأولى أثناء الفترة من 7/4/1975 إلى 22/5/1975، وخلال تلك الفترة اتصل مام جلال بالعديد من الكوادر الوطنية السابقة كالمرحوم نوري شاويس في بيروت والمرحوم دارا توفيق في القاهرة والأستاذ حبيب كريم في القاهرة والدكتور كامل البصير في القاهرة ومسعود محمد في عمان والسادة شمس الدين المفتي والدكتور محمود عثمان والمرحوم إبراهيم احمد في طهران وكثير من الأخوان في إيران بالإضافة إلى عشرات بل مئات من الكوادر الطلابية والسياسية الذين بحكم عملي اتصلت بهم وشرحت لهم الموقف الجديد وضرورة عدم الاستسلام لهذه المؤامرة ووجوب عمل شيئ للرد على هذه الهزيمة السياسية المؤقتة، وحذرت الكثيرين من الاستسلام لمخططات نظام بغداد لأنها تعني مواجهة الموت لكون النظام الاستبدادي العنصري سوف يلجا إلى تصفيتهم سياسياً وجسدياً ونصحتهم بعدم الانخداع بوعوده المعسولة، وأثبتت الأحداث والوقائع بأن الكثيرين من الذين خدعوا بوعود النظام العراقي وعادوا إلى بغداد تم نفيهم أو تم اعتقالهم أو إعدامهم إضافة إلى إعدام المئات من خيرة الشباب الذين كانوا في السجون، ومن نجا من الإعدام شمله النفي والتشريد الى جنوب العراق.

نفى النظام اكثر من (400) ألف من سكان كوردستان إلى جنوب وغرب العراق وخاصة المثقفين واصحاب الفكر والحكام والعسكريين والسياسيين الذين رفضوا التعاون مع الأجهزة المخابراتية العراقية، واذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر علي العسكري ودارا توفيق والشاعر الكبير شيركو بيكس وعبدول سوران وشفيق آغا والملازم عمر عبدالله والملازم شيردل حويزى وعمر دبابة ورسول مامند وحبيب محمد كريم سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني والدكتور خالد سعيد والدكتور نوزاد رفعت صالح والدكتور رمزي تقي رحمان وملا ناصح والآلاف من خيرة الوطنيين من الكوادر العسكرية والسياسية والإعلامية والطبية والتعليمية للثورة المغدورة. حيث قامت مخابرات النظام العراقي بإجراءات فورية ضد الكورد بعد عودتهم من إيران إلى ارض الوطن. 

تمثلت الإجراءات بالنفي السياسي والهجرة القسرية إلى غرب وجنوب العراق تنفيذاً لسياسة التغيير الديمغرافي لمنطقة كوردستان، إذ من البديهي والمعروف لكل العالم ان سكان كوردستان يعيشون في بيئة جبلية باردة وطبيعة جغرافية لها خصوصيتها، والمناطق الغربية والجنوبية في العراق تتسم بالحرارة المرتفعة صيفاً، وبالتالي فإن مثل هذه الإجراءات تعني النهاية والموت البطيئ لشعب عاش في كوردستان منذ آلاف السنين في أجواء مناخية مغايرة، وفعلا مات الآلاف من الأطفال والشيوخ الكورد في الجنوب وغرب البلاد وقد منعت عنهم حتى العلاج الطبي.    

فقد كان التهجير القسري إلى مدن المنطقة الغربية (الرمادي، الفلوجة، عانه، هيت، حديثة، راوة  وأبو سدرة) والى مدن المنطقة الجنوبية (كربلاء، الناصرية، السماوة، الحلة، النجف الاشرف، الكوفة، المسيب، قلعة صالح، القرنة، نقرة السلمان، عفك، الرميثة، الخضر، الدغارة، عين تمر، سدة الهندية، والشوملي) وبمحاذاة الحدود الإقليمية العراقية – السعودية ونفي الالاف الى سامراء وبغداد والمحمودية واللطيفية، من اجل تغيير الواقع السكاني والجغرافي لمنطقة كوردستان العراق. 

كان النظام في بغداد يتصور ان هذه الهجرة القسرية لشعب كوردستان ستمزق النسيج الوطني العراقي وستخلق مشاكل اجتماعية كبيرة وعدم انسجام بين أبناء القوميتين الرئيسيتين العربية والكوردية وتخريب التلاحم القومي ونفور عنصري وطائفي (شيعي – سني)، ولكن النتائج كانت على عكس توقعات مخابرات النظام العنصري، حيث نشأت علاقات حميمة ووطيدة بين أبناء

القوميتين المتآخيتين وسقطت بذلك كل مخططات النظام وبدلا من خلق النفور القومي نسجت علاقات وطيدة بين المهجرين والسكان العرب الأصليين مما دفع النظام إلى إرجاع المهجرين الكورد إلى كوردستان في نهاية عام 1977. وتلك التجربة المريرة أثبتت عمق العلاقات الوطنية والإنسانية والإسلامية بين العرب والكورد والتركمان والكلدان والآشوريين والسريان فلازال الآلاف من الكورد المهجرين يعيشون في تلك المدن بعد ان تصاهروا مع العوائل العربية هناك.

لكن الفترة الأخيرة وبعد سقوط النظام الدكتاتوري في 9/4/2003، شهدت تجاوزات مشينة ضد الكورد في الفلوجة وسامراء والقائم وهيت، من قبل الإرهابيين القادمين من الخارج ومن بقايا مخابرات صدام حسين لامن السكان العرب الأصليين، وحتى هذه الأعمال البربرية الدموية لم تؤثر على العلاقات العميقة بين العرب والكورد في تلك المناطق. وتم الاعتداء على الكورد الايزيديين في الحلة على سبيل المثال وعلى المسيحيين في مناطق مختلفة في جنوب ووسط العراق، ولكن الأعمال الإرهابية الظلامية الدموية الحاقدة لم تتمكن من كسر أواصر اللحمة التاريخية بين القوميات المتآخية والأديان العراقية المتسامحة .

لقد شكلت سياسة تهجير سكان كوردستان وتعريب المنطقة لتغيير ديمغرافيتها، المهمة الأولى للنظام العراقي منذ 1968 ولحين سقوطه في 9/4/2003. فتم تنفيذ سياسات التطهير العرقي المنظم في كركوك (المدينة) وكفري وخانقين وسنجار وشيخان وجلولاء ومندلي وداقوق ومخمور وطوزخورماتو ومناطق كثيرة أخرى من كوردستان العراق وأضحت تهديداً خطيراً على الوجود القومي للكورد في كوردستان .

وقد غير النظام من أساليبه العنصرية وفق الظروف التي مرت على الشعب الكوردي. فبعد انهيار الثورة الكوردية اثر اتفاقية الجزائر في 6/3/1975 وعودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم، بدأت السلطات بشن حملات منظمة لنفي المثقفين والعسكريين والقضاة وكوادر الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى غرب العراق (محافظة الانبار– الرمادي) وجنوب العراق (محافظات العمارة، السماوة، الكوت، الديوانية، النجف والحلة) فإلى الرمادي نفي الآلاف من المواطنين الكوردستانيين (العائدين إلى الصف الوطني كما كان  يسميهم صدام حسين) واذكر منهم: الشاعر شيركو بيكس والصحفي البارز مصطفى صالح كريم والكاتب محمود ملاعزت والسيدة فخرية فتح الله والدكتور نوزاد صالح رفعت كاكائي وعلي مصطفى الخال والمحامي محمد صالح قازاني وكمال ميرزا غفور ونهاد الشيخ نوري وفوزي رشيد نامق.

فهولاء تم نفيهم في ظروف قاسية إلى مدينة هيت ثم نفي بعضهم إلى قرية بغدادي. وفي المرحلة الثانية نفي الآلاف من الفلاحين من اهالي راوندز وخوشناوتي وبشدر إلى المنطقة لكسر معنويات الكورد .

والى مدينة الكوت نفي الآلاف واذكر منهم الشهيد دارا توفيق الذي عين مديراً لبلدية المدينة وكان معه المرحوم السيد شفيق آغا احمد الجلبي. وهجر الالاف من المثقفين واساتذة جامعة السليمانية وكبار الموظفين إلى الناصرية وبغداد، منهم الدكتور كمال خياط والسيد جلال سام آغا والدكتور عزيز احمد ونوري أمين بك والدكتور جلال شفيق واللواء عمر شيخ حسن وكمال غالب الجلبي وكمال ابراهيم وعزيز حسن لوكه .

والى مدينة السماوة نفي الآلاف منهم المرحوم عبدول سوران والقاضي احمد صالح (والد الدكتور برهم وزير التخطيط في الحكومة العراقية الحالية) والشخصية السياسية البارزة المرحوم حمزة عبدالله ونوري وشتي.

والى مدينة العمارة ارسل المناضلين الملازم عمر عبدالله والملازم شيرول حويزي والدكتور رمزي تقي رحمان والعشرات من خيرة الكوادر العسكرية والسياسية والثقافية. تلك الحقائق لاينبغي ان تبقى مطمورة او مخفية عن الناس، مثلما لاينبغي ان نسكت ونقبل بتبرير القاعدة القانونية في التقادم الزمني المسقط للحق، الذي رسمته السلطة العنصرية البعثية الشمولية حينها بغطاء قانوني، وانما نعتبر حقوق هولاء الناس جزء من حقوق الشعب العراقي، وحقوق المواطنين لاتسقط بالتقادم الزمني وفقاً للقانون أيضا. فعلى المتضررين وذوي الضحايا تقديم شكاواهم الى المحكمة الجنائية التي تقاضي المجرمين مسؤولي النظام السابق .

 

الإعلان عن تأسيس الاتحاد في 1/6/1975 

كنا مصرين على إعادة اكبر عدد من اللاجئين الكورد وعدم إبقائهم في إيران رغم الظروف العصيبة التي كانت تمر بالعوائل الكوردية نتيجة الهجرة القسرية إلى غرب وجنوب العراق لاعتقادنا بوجوب عودتهم إلى الوطن للحفاظ على هيكل المجتمع ولنبدأ في عملية بناء مؤسسة سياسية جديدة وكانت هناك فكرة تأسيس شيئ جديد وفق أسس وأفكار وأساليب عمل جديدة من اجل البدء بعمل جديد ضد النظام حتى لو كانت البداية من خلايا بسيطة. هذه الفكرة الأساسية ظهرت بعد المداولات والاتصالات مع بعض المناضلين في إيران والعراق وأوربا والقاهرة وأمريكا والخليج، فقد اتصل مام جلال بعد أيام بالعشرات من كوادر الشعب الكوردي وبالأخ الدكتور فؤاد معصوم الموجود في القاهرة في حينه كممثل للثورة الكوردية هناك وجاء إلى دمشق لتكثيف اللقاءات، وبعد عشرات من الحوارات والاتصالات الهاتفية والرسائل ورسل واجتماعات تداولية بين الأربعة ومئات الشخصيات الوطنية الكوردية والعراقية والعربية الصديقة والحليفة عقد الاجتماع الرسمي الأول بتاريخ 22/5/1975 في مقهى طليطلة وسط الشام برئاسة مام جلال وحضور الدكتور فؤاد معصوم وعبد الرزاق عزيز وعادل مراد، إذ قررنا بعد نقاشات وتبادل الآراء ان نسمي التنظيم الجديد بالاتحاد الوطني الكوردستاني واعتباره تنظيما وطنيا جماهيريا يتسع للمثقفين الثوريين والوطنيين وللقوميين الكوردستانيين وللماركسيين وللعمال والفلاحين وللبرجوازية والبرجوازية الوطنية ويتسع لكل المعادين للنظام وكل الذين تهمهم القضية الوطنية والقومية لشعورنا بان النظام العراقي وضع خطة شاملة ومتكاملة لتعيير الطابع السكاني لمنطقة كوردستان أولا وتهيئة الظروف لإبادة شعب كوردستان ثانياً، فلا بد من التصدي لتلك الهجمة الواسعة متضامنين موحدين والعمل على خلق جبهة واسعة وتشكيل نواة ثورية لتلك الجبهة بالاستفادة من التجارب الثورية في فيتنام وكمبوديا ولاوس نظراً لتشابه المناخات السياسية الثورية في العالم الثالث .

قيل لنا ان التنظيم الجديد تنظيماً فضفاضاً وغير مفهوم وقيل الكثير بحق الاتحاد، لكننا كنا مصرين على ان يكون التنظيم واسع وأول من انظم إلى هذا التنظيم هم عصبة كادحي كوردستان (كومله) إذ كانوا بمثابة المحرك المركزي (الداينمو) في الداخل بعدما عاد العشرات من كوادره إلى العراق من إيران ومنهم الشهيد (آرام) شاسوار جلال  وسالار عزيز والشهيد عزيز محمود الذي اعدم في سجن الموصل فجر يوم 24/3/1979 والشهيد الشيخ شهاب شيخ نوري الذي اعدم في الموصل فجر يوم 21/11/1976 مع رفيقيه أنور زوراب كركوكي وجعفر عبد الواحد وكما رجع الى العراق المرحوم دارا شيخ نوري وفريدون عبدالقادر وعمر سيد علي وعمر فتاح ومحمد صابر وارسلان بايز وجبار فرمان والدكتور خسرو خال وفرهاد شاكلي وجبار حاجي رشيد وعزيز محمود ومئات الكوادر. فكل الكوادر السياسية الثورية الذين كانوا في إيران عادوا وبدءوا العمل مرة ثانية ونشطت الكوملة مرة ثانية وخاصة في كوردستان. فاعلنوا عن تصديهم للنكسة وللنظام المركزي العنصري بالكفاحين السلمي والمسلح لاحقاً.

وقد تم الاتفاق بين أعضاء الهيئة المؤسسة على إعلان البيان وصياغة الدستور(المنهاج والنظام الداخلي) الذي صاغه مام جلال بالتنسيق الكامل مع الهيئة المؤسسة للاتحاد الوطني الكوردستاني وتم الاقتراح على استشارة اكبر عدد من الناس المثقفين والثوريين في الخارج، وفعلا سافر مام جلال وتم عقد اجتماع في برلين بتاريخ 26 أو 29/5/1975 بحضور السادة  المفكر نوشيروان مصطفى أمين الذي كان يحضر للدكتوراه في جامعة فيينا والدكتور كمال فؤاد والدكتور ارجمند صديق والدكتور حسن حمه علي والسيدة هيرو إبراهيم احمد والدكتور لطيف جمال رشيد والدكتور عمر شيخموس وأحد أشقاء السيد حلمي علي الشريف واخرين هولاء ناقشوا محتويات الوثيقة الأولى للاتحاد وتم الاتفاق على ان يتم إعلان البيان بعد عودة مام جلال إلى الشام في نهاية ايار1975 .

وبعد اجتماع برلين توسعت الهيئة المؤسسة بإضافة الرفاق نوشيروان مصطفى أمين والدكتور كمال فؤاد والدكتور عمر شيخموس إلى القيادة فأصبحت الهيئة المؤسسة تتكون من سبعة رفاق، (مام جلال ونوشيروان مصطفى أمين وفؤاد معصوم وكمال فؤاد وعمر شيخموس وعبد الرزاق عزيز وعادل مراد).

تم الإعلان عن تأسيس الاتحاد الوطني الكوردستاني عبر الوسائل الإعلامية السورية الواسعة آنذاك، حيث كان المرحوم حافظ الأسد يدعم بقوة وثبات الحركة الوطنية العراقية المعارضة المؤتلفة في جبهة (التجمع الوطني العراقي) وكذلك الرئيس الليبي معمر القذافي وزعماء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والحزب الاشتراكي اليمني حيث وقفوا ضد اتفاقية الجزائر التي اعتبروها مؤامرة على الوطن العربي والعراق بشكل خاص ومؤامرة من اجل اقتطاع أجزاء من العراق بشكل واضح وضمها إلى إيران الشاه.

إضافة إلى هضم حقوق أبناء كوردستان وخنق الثوار في ظفار ومناطق ملتهبة في الخليج .

البيان أعلن بالوسائل السمعية عن طريق إذاعة دمشق، وقد تلقى العراقيون البيان بارتياح عام، وخصوصا الكورد العراقيين الذين اعتبروا البيان الصادر من عاصمة عربية، بصيص أمل في ظل جو معتم ومحبط سياسياً، في وقت كانت قوات البيشمركة تنسحب من جبهات القتال بشكل تراجيدي وعشوائي حزين، أنا أتذكر الروح الثورية للمناضلين والشعب الكوردي بدأت تتصاعد بعد 6 آذار عند الإعلان عن اتفاقية الجزائر، حيث تصاعدت الأعمال الثورية للبيشمركة وكانت هناك مقاومة عنيفة حتى عشية نوروز 21/3/1975، حيث بدأت المقاومة تخفت بعد استلام أمر من القيادة تدعي بأنه لايمكن الصمود أمام الجيش العراقي المدعوم سوفيتيا والمصمم على إبادة الشعب الكوردي ويجب ان نعطي الفرصة للبيشمركة ومئات الالاف من العوائل للانسحاب إلى إيران تفادياً لخطة الإبادة. لكن التاريخ اثبت ان ذلك التصور كان غير صحيحاً فكان علينا الابقاء على القوات المتحركة المحدودة مع اخلاء العوائل تفادياً للابادة .

وتجاوزاً للتصور الخطأ صممنا ان نبدأ بوضع أسس عملية لتشكيل خلايا سياسية وليست خلايا عسكرية في بادئ الأمر. ولكن تصاعد العنف العنصري البعثي ضد الشعب الكوردي أدى إلى تحويل العمل السياسي التنظيمي إلى نهوض عسكري منظم ولكن على شكل حرب عصابات .

 

 

عـادل مــراد

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

شبكة بوك ميديا PukMedia

شبكة بوك ميديا PukMedia

أضف تعليقـك