كتابات

العراق الى أين

 بقلم:الأشعث الفرزوني

جميع بلدان العالم المتقدم والمتحضر ، وحتى بلدان العالم الثالث التي تسعى حقا لتوجيه إمكانياتها نحو التقدم ، عادةً ماتبني سياساتها وتوجهاتها ومبادئها على مختلف الأصعدة والقطاعات وفق ما تمليه حاجات ومصلحة المجتمع أولاً وآخراً . أي إن الأولوية المطلقة تكون للمجتمع والوطن حتى ولو كانت على حساب الآخرين . فالمصلحة الوطنية تتطلب وتستدعي من الجميع شعباً وحكومةً وأحزاباً وكيانات وقيادات وأفراداً وشخوصاً ورموزاً ومراجع أن تصب جميع أولوياتهم وتصرفاتهم ومواقفهم ومبادئهم وذاتهم ودواخلهم فقط وفقط للوطن مهما كانت الظروف والأحداث ومهما كانت الأسباب والمبررات . وليس هناك من يتعدى حدود الدستور والقوانين التي يجب أن تؤمن حماية الفرد والمجتمع من ناحية الحرية والمساواة والعدالة والأمان والحياة الكريمة التي تليق بالإنسان والحصانة ضد التخلف والتراجع والمستقبل المجهول . هكذا تقدمت وتطورت الأمم والمجتمعات .

ولكي نختبر كل ذلك بالنسبة للعراق وموقعه الآن في مجمل الأحداث سواء من النواحي السياسية أو الإقتصادية أو الإجتماعية أو الثقافية أو التحضرية أو الأمنية وغيرها العديد من مجالات الحياة فسوف نجد الظواهر التالية التي سوف تعكس حقيقة هذا البلد ضمن منظومة العالم ككل وكيفية تحديد مصلحته كبلد ومجتمع :

أولاً : العراق ، ولو لم يكن بهذه التسمية قديماً ، كما يقول المؤرخون بإنه كان صاحب أعظم الحضارات التي خدمت البشرية عموماً في مختلف المجالات وكانت متقدمة على بقية الشعوب كالحضارة السومرية والأكدية والبابلية والآشورية وإن العراق إمتداد لهذه الحضارات . فإذا كان العراق الآن بكل هذا التخلف والتراجع هو إمتداد لتلك الحضارات العظيمة فإن الأمر لا يقبل إلا واحد من الإحتمالين ؛ إما إن التأريخ خطأ ومزيف ولا صحة لوجود مثل هذه الحضارات العظيمة والمتطورة في زمنها من تاريخ العراق أو إن ورثة هذه الحضارات العظيمة ولحد الآن ماهم إلا جهلة وأغبياء أو ولائهم لغير الوطن بحيث لم يستطيعوا على الأقل الحفاظ على مضامين تلك الحضارات وديمومتها لجعل العراق في مصافي المجتمعات المتقدمة . إذاً كيف نفسر هؤلاء الأجداد العظام الذين بنوا صُرْح تلك الحضارات العظيمة مقارنةً بهؤلاء الورثة من الأحفاد الجهلة الذين توالوا على حكم العراق وبالأخص ما بعد عام ٢٠٠٣ ولحد الآن . أغلب الظن إن الورثة ما هم إلا جهلة ومتخلفين بالتأكيد بكل معنى الكلمة . وهنا نذكر القارئ بدور ومستوى ووعي أحفاد الحضارة اليابانية والحضارة الصينية وما وصلت اليه من تطور وتقدم وتحضر مقارنةً مع ما حققه أحفاد حضارة وادي الرافدين إبتداءً برموز البعث ، الحزب الواحد ، صدام حسين وقيادات المرحلة ما بعد عام ٢٠٠٣ في العراق من أمثال الجعفري والمالكي والعبادي والعامري والصدر والحكيم والنجيفي والمطلك والفياض والمرجعيات وغيرهم جميعاً ممن ساهموا بإدارة شؤون البلاد بشكل مباشر أو غير مباشر .

ثانياً : نتيجة لظروف جداً إستثنائية ، تحققت معجزة للعراق وهي تغيير النظام الديكتاتوري ذو الحزب الأوحد ، والذي كان من المستحيل إزاحته لقرون عديدة لولا ” مشيئة الله ” والإدارة الأمريكية ، الى نظام آخر كان يفترض به أن يكون نظام ديموقراطي مثالي في منطقة الشرق الأوسط . وكان من المؤمل ، في ظل هذه الظروف النادرة ، أن يثبت العراق بأنه وريث حقيقي للحضارات العظيمة القديمة التي يتمشدق بها جميع السياسيين وأن يعيد بناء العراق ومجتمعه وفق حضارة جديدة إمتداداً للحضارات القديمة بمضامينها الإنسانية التقدمية الخلاقة . إلا إن ما حصل هو غزوا أفراد ومجاميع وعصابات غريبة للمجتمع الأصلي بكل وسائل الخسة والترهيب لتنصب نفسها ، وفق ما تْدّعيه غباءً بممارسات ديموقراطية ، وكيلاً عن العراق ومستقبله ، وبذلك إستطاعت من السيطرة والإستحواذ على الدولة ومواردها ومستقبلها أيضاً .

ثالثاً : يفترض وفق مفاهيم الأمم المتحدة بأن الدولة المعترف بها والمحترمة أممياً هي الدولة التي تتوفر فيها بعض المستلزمات الأساسية في مقدمتها أن تكون دولة مؤسسات . وقدر تعلق الأمر بالعراق فأنه من الصعوبة جداً أن نعتبر العراق بلد مؤسسات بالرغم من ان جميع السياسيين العراقيين في جميع المفاصل التشريعية والتنفيذية والقضائية يجاهرون ليلاً ونهاراً بأن العراق بلد مؤسسات وإن الجميع يحتكم للدستور ويخضع الجميع بدون إستثناء للقانون . وبالرغم من وجود دستور وقوانين في العراق إلا إن واقع الحال هو عكس ذلك ، على سبيل المثال وليس الحصر ما يلي :

١- في جميع الدول في العالم والتي تحترم نفسها هناك مؤسسات مهمة محددة في تكوينها وتشكيلها وواجباتها ، وفي مقدمتها وأهمها المؤسسة العسكرية . فالمتعارف عليه أن هناك مؤسسة عسكرية محددة في أي بلد تأخذ على عاتقها مهام حماية البلد من أي إعتداء خارجي إلا العراق ، وبعض الدول المتخلفة مثل إيران ، فانه يوجد الى جانب المؤسسة العسكرية النظامية مؤسسة عسكرية أخرى تضاهي في تسليحها وتأثيرها المؤسسة العسكرية النظامية . ومثل هذه التشكيلات تقع تحت عدة مسميات مثل الحرس الثوري أو الحشد الشعبي أو أي تسمية أخرى . وبذلك يصبح البلد في جو من الفوضى بسبب التعارض ما بين المؤسسات العسكرية النظامية وغير النظامية والتي هي ، في حقيقتها ، عبارة عن مليشيات ومافيات ومجاميع مسلحة خصوصاً في مواقف معينة ، والأخطر من كل ذلك عندما تُشٓرّع قانونية مثل هذه المليشيات والعصابات المسلحة كما حدث في العراق . الخلاصة ، الدستور والقوانين لا تحكم تلك المليشيات في الواقع وإنما هم فوق الدستور والقانون وهناك مئات الأمثلة على ذلك .

٢- هناك دولة شكلية وهي الدولة العراقية برئاسة رئيس الوزراء يدعى عادل عبد المهدي وهناك ما يُدعى بدولة إسمها العراق تُحكَم وتُدار من قبل شخوص معدودة تحت عدة مسميات ( مرجع ، قائد حزب أو ميليشيا ، أو رئيس مجموعة أو تكتل أو عصابة وما الى ذلك ) . فالعراق عبارة عن إدارات محلية وعائلية وحزبية ومناطقية وعشائرية وغيرها من العناوين ، الدستور هو دستور هذه الإدارات ، والقوانين هي قوانين هذه الإدارات . من يدير العراق الآن بكل مفاصله ومن سوف يرسم معالم مستقبل العراق لعقود قادمة هم هؤلاء الشخوص الذين أنتخبهم العراقيون بكامل الحرية والإرادة . ولكن ما يؤسف له إن إختيار العراقيين لممثليهم لم يكن صائباً بسبب جهل وغباء عموم العراقيين من ناحية وخبث ووضاعة وتحايل ممثليه للإستحواذ على المنافع من ناحية أخرى .

٣- ليس هناك بلد في العالم مثل العراق تتراكم فيه المشكلات العميقة سواء على المستوى السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي أو الأمني في أقصر فترة زمنية لم تتجاوز عقدين من الزمن بسبب الطبقة السياسية الحاكمة ومن أوصلها لدفة الحكم . العراق هو البلد الوحيد الذي يَدّعي بالديموقراطية في نظام الحكم في حين إنه مبني على التزوير من ناحية والمحاصصة من ناحية ثانية . فهو نظام هجيني ليس له تسمية محددة . فمسرحية الإنتخابات مضحكة بسبب التزوير العلني فيها وإفتعال حرق صناديق الإقتراع وعزوف نسبة عالية من السكان عن الإدلاء بأصواتهم . والعراق هو البلد الوحيد الذي تراجعت فيه القطاعات الإنتاجية والخدمية جميعاً والبنى التحتية وإنعدام أي من مقومات التطور والتقدم بالرغم من تحقق موارد مالية ضخمة من تصدير النفط وغيرها وهذا يدل بدون مناقشة الى مشكلة الفساد المالي والإداري وسرقة المال العام علناً من قبل معظم أو جميع القيادات العليا والدنيا التي تولت إدارة شؤون البلد ، وعليه أصبح العراق في قمة القائمة في الفساد المالي والإداري بفضل من يوديرون البد مباشرةً أو خلف الكواليس وهم كثر . والعراق هو البلد الأكثر وضوحاً من ناحية التفكك الإجتماعي ، فهو الذي تَمَيّز بحروب أهلية بين فئات المجتمع أوقد نارها هم السياسيون أنفسهم وراح ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين الأبرياء ، وهو البلد الذي ساهم غباء وجشع حكامه بتهجير الملايين من خيرة أبناءه خارج الوطن وحتى داخل الوطن ، وهو البلد الذي خلق سياسيوه مفهوم الكراهية التصفوية بين مختلف مكونات المجتمع ؛ بين الشيعة والسنة وبين المسلم والأديان الأخرى وبين العرب والأكراد والتركمان والفئات الأخرى وبين المناطق الجغرافية وما الى ذلك . والعراق هو البلد الوحيد الذي يسقط فيه جيش نظامي بفرقه وقياداته العليا ومعداته وتجهيزاته وأسلحته الحربية المتطورة أمام مجموعات مسلحة بأسلحة بسيطة لا يتجاوز عددهم مئات معدودة لتسقط مدن مهمة تشكل حوالي ثلث مساحة العراق . وكادت هذه المجاميع المحدودة أن تسقط النظام كلياً لولا تدخل التحالف الدولي لإنهاء التهديد الذي كاد يسيطر على كامل الأراضي العراقية . ولا يُنكر دور المرجعية الدينية في النجف في تحشيد أبناء المجتمع لواجهة الغزاة الدواعش ، ولكن للتأريخ لولا مشاركة قوات التحالف بإمكانياتها العسكرية واللوجستية والتكنولوجية لما أمكن القضاء على داعش ولستمرت المجابهة مع داعش لحد الآن بالرغم من الدعم الكبير الذي وفرته إيران لمساعدة القوات العراقية في حربها مع داعش ليس حباً بالعراق وإنما لمصلحتها في درء خطر داعش عن أراضيها . والعراق هو البلد الوحيد الذي لا يتوفر فيه الأمن والأمان الدائمي للمجتمع بالرغم من بنائه لمنظومة متكاملة لأجهزته الأمنية وذلك بسبب المليشيات المسلحة والمنظوية في أحزاب السلطة وبسبب سيطرة العشائر المسلحة على بعض المناطق والمرافق ، وبذلك أصبحت المليشيات المسلحة تحت أي مسمى ، مثل الحشد الشعبي ، والعشائر المسلحة عموماً وبعض العصابات والمافيات العائلية والدينية هي من تتحكم بشؤون العراق ومستقبله . والعراق هو البلد الوحيد في العالم الذي تميز بكثرة حالات القتل والتصفية والإغتيالات والخطف المستمر لمختلف فئات المجتمع وعجز أو تواطئ جميع الأجهزة الأمنية للكشف عن الجهات المسؤولة عن هذه الحوادث ومحاسبتها .

إذاً هذا جانب معين واضح من واقع العراق ، وهنا لا بد من أن أختمم هذه المقالة المتعبة بالرغم من إن هناك الكثير الذي يثبت تخلف هذا البلد بسبب قياداته الخبيثة وبإرادة أبنائه الجهلة . وكل ما أريده سؤال بسيط جداً : لماذا العراق بهذا التخلف والتأخر بالرغم من موارده الضخمة التي يمكن أن تبني أعظم دولة في الشرق الأوسط على الأقل وتوفرت لديه حرية تطبيق النظام الديموقراطي ، وهو إمتداد لتلك الحضارات . أتمنى أن يُجاوب على هذا التساؤل من فازوا بالإنتخابات ومن ورائهم من الشخوص الذين أوصلتهم لمواقع القرار ويتحكمون بمصير البلد الآن وهم معروفين لعموم الشعب .

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق