العراق اليوم

هل وجدت لنفسها حضوراً مميزاً في السَّرد العراقي ؟

جمال العتّابي
بعد عام الغربة ، لم يعد للوطن تعريف محدد ، لم أعد أعرفه حقاً ، كم أحتاج إلى أن أضع قدمي على الأرض من جديد ..كي أجد عنواناً جديداً لوطن يمنحني يقيني جديداً .
   تلك هي المحصلة النهائية التي تكشف عنها رواية (صيادو الريح) للقاصة والروائية لمياء الآلوسي ، وهي تروي محنة الهجرة من المدينة (تكريت) الى أربيل ،محنة النازحين ، ومن ثم العودة منها ، إثر اجتياحها من قبل قوى الإرهاب المتوحشة (داعش)،منتصف عام 2014 ، هذا الحدث الفاصل في تاريخ العراق الحديث شكّل مرجعا إزدهرت به الكتابة الروائية العراقية ، حتى صار صار الكلام عنها أمراً مميزاً وممكناً أو واقعاً ، كذلك شكل هذا الحدث مادة لافتة ، وموضوعاً جذاباً بل وأساسياً لروايات وقصص العديد من كتاب السرد، ومنهم لمياء الآلوسي ، التي عرفناها قاصة تكتب بنجاح وتميز ، وصدرت لها مجاميع في هذا الجنس من الكتابة ، وأعتقد ان (صيادو الريح) ، الصادرة عن إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين عام 2019،هي الرواية الأولى المنشورة لها .      لم يكن الاجتياح (الداعشي) للمدن العراقية ، إلا تجسيداً للمدى الذي ساقنا اليه إنهيار المنظومة السياسية والأخلاقية في حياتنا ، فقد تجمعت المؤامرات المخفية والمعلنة ضد العراق كياناً وشعباً وتاريخاً وحاضراً، وأفرخت هذا الحريق الهائل ، إلتقطته الروائية لتقدم نماذجها البشرية المحطمة ، وكانت نقطة الإنطلاق الفنية للأحداث والمفتاح الرئيس الذي منحها دلالاتها العامة والخاصة وإستمدت  من خلاله مضمونها النهائي المتمثل بتلك الأحداث المرعبة ،إن نقطة الإنطلاق هذه تمس كيان الوطن وتشير إلى جوهر المأساة التي عاشها أبناؤه . وأفادت الآلوسي الى حد كبير من أن القارىء عاصر تلك الأحداث المنتجة للمأساة ، وإستفادت من هذه المعاصرة كأحد العوامل في بناء عملها الفني ، أو كمدخل واقعي الى العالم غير الواقعي . وتمكنت الروائية لمياء أن تبوح وتتنفس مناخ تلك الأجواء ، لتصبح جسدها ونبضها بإمتياز ، وإفترشت مساحة الرؤية والتفكير ، وتغلغلت في المشاعر والعقل والدم .
    هل يمكن لـ (صيادو الريح ) أن تدعي لنفسها حضوراً ؟ ربما مميزاً في الإبداع العراقي ، الإجابة عن هذا السؤال تبدو مبكرة الآن قبل أن يطلع عليها نقاد السرد ، وبرأيي المتواضع أستطيع القول ان الرواية تبدو واقعية ، لا بالمعنى المألوف الشائع عن الواقعية ، لأنها توسع حجم الرؤية الى أبعد مدى ممكن ، لذا تجاوزت الآلوسي الشكل الواقعي ذا الأحداث المتسلسلة في يسر ومنطقية ، في تركيب ينعم فيه المتلقي بالتأمل والحوار الداخلي ، والاندهاش لمقاطع الوصف الباذخة الجمال ، ونجحت لمياء بسرد الإنفعالات النفسية المختنقة وسط تداعيات وأحلام ، يشدها خيط متوتر من الترقب والخوف والقلق ، إن هول الصدمة هو الذي منح الرواية التماسك في السرد مع ضآلة الإختيارات ، فجاءت متدفقة تدفقا تلقائيا حراً، وبإيقاع يتخذ أغلب الأحيان حركة مستمرة ببناء فني طليق يعتمد البوح والحوار والحلم ، لتكسب الرواية بعداً تجريديا غير محدود يضيق به المكان الذي ينمو فيه السرد .
 قدمت لنا الآلوسي مفاتيح كثيرة ، تناثرت بعفوية على ألسن الشخصيات الثانوية ، لتفتح الأبواب كلها وسط تصاعد النار والدخان ، وإمتلكت الخبرة والمعرفة النافذة لحقائق الشخصيات ، ووظفت الحلم وإسترجاع الذكريات ، ولم تبخل بمشاعرها وعواطفها وسط تلك الظروف الصعبة ، بتطور درامي لعملية السرد ، والمعاناة ، وإشكالات السرد والإنتماء والتغرب . 
   إمتياز الرواية انها رويت بلسان السارد(ضمير المتكلم) وهي الشخصية المحورية فيها ، التي ظل اسمها مغيباً لم تفصح عنه الكاتبة ، وكأنها تريد القول ان روايتها ،هي رواية البحث والتساؤلات عن الهوية في زمن ضائع ، ومحاولة ترميم الذات ، التي إفتقدت جذرها في أحشاء التربة العراقية (قد يكون ما حدث هزة عنيفة ، زعزعت كل إعتقاداتي حول الوطن ، لم يكن وطننا واحداً ، فلم تلمّنا أربيل ، لم تمنع عنا احساس الغربة ، وكأن إنتماءنا لم يكن لكل هذا الوطن ، تدحرجت القناعات وترجرج الوطن تحت أقدام النازحين …النص على لسان البطلة ) ، هذا النص المستيقظ ألما يترك أثراً في موضوعة الهويات ، ويرسم صورة واضحة للخيبة والخذلان ، إذ تتداخل القيم وتتصارع الأحداث في ظل الكراهية المشتعلة والحقد ، ويختلط القتلة بالقتلى ، ويصبح كل شي مباحاً ، وكل مفاجأة متوقعة ، وتستحضر كل اسلحة الشر والدمار ، ليتحول السرد بطريقة اللامعقول لواقع لا معقول .
  الشخصيات الأخرى في الرواية ثانوية، ليس بمعنى هامشيتهم ، انما هم يوحون بمعان أبعد منهم ، معاني لها علاقة باللامرئي من التاريخي ، أو بما يحدد مآل الحياة عندهم ، فتضعهم أمام موت هو في مغزاه ووقعه أعمق من الموت في الكوارث ، الموت الأعمق هو موت الحياة ، لاتعرف من الجاني ، ومن المجني عليه .
   إن قدراً من الإحساس بخفوت الشد الدرامي في الرواية ، وإفتقادها لحرارته في الفصل الأخير منها ، فصل العودة الى المدينة إثر إندحار (داعش) ، على الرغم من محاولة الآلوسي التعبير عن الإحساس بإستمرار الحياة ، حين وجدت البطلة شجرة السرو الوارفة على باب دارها كانت خضراء يافعة . لتكشف عن الصلة بين الشجرة وأعماق الشخصية المحورية في الرواية ، هذا الاكتشاف لعناصر الحياة يحكي بطريقة التلميح المعبّر ، التوق الدفين لتجاوز العطب الذاتي ، والتغلب على حالة الإستسلام لجدار اليأس الصلب والتهاوي في وهدته .
  استطيع القول ان لمياء الآلوسي نجحت في ان تجد لها مكاناً متقدما في قائمة السرد العراقي ، لما تمتلكه من مقومات النضج والجمال ،وبما يضعها بجدارة في عدد الإضاءات السردية الجميلة .

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك