اخبار العراق الان

الفنان صلاح جياد.. الجسد المشوّه والمقوّض

ناجح المعموري

الفنان المعروف صلاح جياد 1947 في مدينة البصرة ، وهو من القلائل ، لابد النادر ، أقام معرضاً ، عندما كان تلميذاً في المدرسة الابتدائية . هذا يعني بأنه موهوب منذ طفولته ، مثلما يلفت الانتباه لتجربته المبكرة ، والتي منحته خصائص فنية ، وأعطته خبرة متراكمة وسطوعاً في الوسط الثقافي ،

وقاده هذا لدراسة الفن في معهد الفنون الجميلة بغداد / 1965 ــ 1969، وارتبط بقوة وشغف بالتشكيل ، لذا استمر بتطوير تجربته ، فدخل أكاديمية الفنون الجميلة / ببغداد . وتميز بنشاط فني واضح عبر مساهماته بالمعارض الوطنية خارج العراق وداخله . وفنان صلاح جياد لابد وأن يشارك من خلال التشكيلات الفنية التي عرفتها تجربة التشكيل بالعراق . واختار الانتماء زميلاً لجماعة الأكاديميين ببغداد .

وله أنشطة كثيرة في الخارج ، ولعل أهم تلك المشاركات اقامة معرض محتفظاً بعضويته في جمعية الفنانين التشكيلين العراقيين . ولعب هذا الفنان دوراً بارزاً في انضاج تجربته بالتخطيط وتميز بها مع صديق تجربته الفنية الطويلة فيصل لعيبي .

وتوفرت لهما فرصة نشر تخطيطاتهما في صحيفة طريق الشعب وغيرها مع الفنان الشاب إبراهيم رشيد .

المثير للاهتمام صدوراً ” البوم ” لعدد قليل مختار من بين الكثير من انجازاته الفنية . ومن يقرأ لوحاته على الرغم من قلتها ، سيتوصل سريعاً للمشتركات بين لوحاته وعناصرها الفنية والفكرية التي برزت فيها وهيمنت عليها . ويبدو بأنه ذهب قصدياً التأشير تجربة لها خصائص تميزها عن الكثير . من انجازاته الكثيرة . ولعل أهم العناصر الملفتة للانتباه هي العلاقة الثنائية بين المذكر والمؤنث وصعود عناصرهما واستجابتهما للتأويل النفسي والقدرة على معاينة المتخيل المؤنث الأكثر اتضاحا في لوحة واحدة ضمن ” الالبوم ” وهذا يفضي للمتلقي بأن الفنان صلاح جياد ، مأخوذ بــ ” الأنيما المؤنث ” وصراحة معلن عنها لكشف الأعماق الأنثوية . ويبدو لي بأنه الفنان قدّم الأنثى أكثر تكاملاً ووضوحاً من المذكر ، لأن الأنثى تتمتع بحضور قوي في الحياة والمجتمع . وعبر الوضوح وتركيز الفنان على بؤرة الأنوثة ذات اللون الأسود ، أشار الى أن الأنثى هي الأقوى والشريكة التي لا يمكن الاستمرار بعيداً عنها . ولهذا تمظهرت هذه اللوحة بقوة كاشفة عن هيمنة الأنثى ، والإعلان عن جسدها الممنوح للصفات التي أرادها الفنان للموديل الذي يعني شيئاً مركزياً وجوهرياً بذاكرته الطويلة والعميقة .

الأنثى هي الأكثر تواجداً على الرغم من لوحتها الوحيدة ، وأنا لا أعني التمركز الأنثوي من خلال الكمي ، بل عبر الجسد وتساميه مرتفعاً عمودياً ، كاشفة عن امتداد نحو السماوي ، والفنان يمد يده بالفرشاة ليضع لوناً على بؤرة الأنوثة ، وكأنه يقيم اتصالاً إدخالياً معها . أما اللوحة الموجودة أسفل لوحة الانثى فهي عمل تجريدي ضاج بألوان كثيرة ، يطغي عليها الأزرق بحضور طاغ وبحركة مندفعة كالزوغان . 

ظاهرة المدورات متداخلة بعضها مع البعض الآخر . وتتوزع فوق سطح اللوحة نقاط مثل العيون السوداء وتداخل العديد من الالوان ، لعب وسطها اللون الأبيض بحضور جوهري ، كان له فعل الكشف عن تزاحم المتروكات المحطمة . مع كتل مجهولة الشكل . وكأن اللوحة مساحة كاملة دمرتها قوة خارجية ولم تترك أثراً يساعد على معرفة الأشياء المتداخلة بعضها مع البعض الآخر . وتتبدى المحطمات مثل النفايات ، عبرت عن انهيار شواهد ، ليس سهلاً معرفة المتراكم فيها . وأشار الفنان معرفاً عنونة لوحاته كلها بــ ” موضوع ” مواد مختلفة ، ولا تختلف اللوحة الثالثة عن تجريد تام وخطوط لحركات سريعة وكأنها آيلة نحو الانطفاء والموت ، لا تكشف عن شيء مخفي إلا الكابوس الضاغط على الحركة الصاعدة أو النازلة ، وهي أيضاً أكوام قليلة ، تشغل مكاناً عريضاً . أما اللوحة الرابعة فهي ذات تفاصيل تجريدية اختلفت بالوانها وكان الفنان صلاح جياد اراد بها كَسر العتمة التي ميزت اعماله وسيادة الارتباك ، ولكن ما يطفو على الجهة اليمنى جسد انثى ، اتضح وجهه وغابت اطراف الجسد ، إنه شبيه الضحية ، أو بقائها المكفنة . اما اللوحة الخامسة فهي امتداد ، لكنه أكثر سوداوية ، بقايا حرائق وفيها فجوات بيضاء ، تلميح لبقايا حياة ، أو أمل ، لكنه ضئيل فالانهيار هو الطاغي . والارتباك والتشوش هو المتسيد في اللوحة السادسة بخلفيتها اللونية المثيرة بجمالية ، لطخة بتراكمات السواد . إنها تكشف الازمة التي يعيشها الكائن الانساني . الذي تمركزت حوله كل الاعمال الفنية ، ويبدو إنها إحدى مكونات تجربة الفنان صلاح جياد . ومثل هذه الرسالة واضحة ، وكافية للتعبير عن تجربة فيها اضطراب روحي وقلق نفسي ، إنها ــ اللوحات ــ تمظهر عن الارتباك أيضاً ، لان جياد كسر ضوابط العمل الفني وحطم تماماً العناصر المتجاورة والمعروفة في بناء اللوحة ، إنها بمجموعها مثل ما يشبه انهيار مشهد الجمال في الحياة ، أو لم تعد القدرة التي كانت قادرة على رؤية المشاد الجميلة شغالة بشكل جيد . وأستطيع التركيز وتقديم خلاصة نهائية عن هذه التجربة المثيرة وهي إن حلم البدئي الكامن في ذاكرة الفنان باللاوعي هو الذي تحطم ، أو توقف ، وفقدت اللوحات الطاقة الجمالية التي حازت عليها القبلية الوجود ولان الاشياء اصل في الوجود كما قال باشلار ، فإن جياد أيقن بانتشار الدمار واتساع مساحته . 

حتى تتعطل سيرورة الأشياء ، المنتظمة بنسق يومي لذاكرة حيّة وعلى الرغم من ان هذه التجربة الفنية المثيرة تضيء كونها كينونة لفرد او جماعات ، عاشت الاشتعال وسيادة الرماد والنفايات فهي تمثيل ايضا لرؤية الفنان التي اختزلت كل الاتساع بتجليات مكتفية بالرموز المضببة والمسودة .

هذه هي الحياة . هذا ما قالته لوحات صلاح جياد وقد خسرت ما كان فيها حاضراً وسائداً ، بمعنى لم تعد الحياة هي الفردوس لقد انتهى كل شيء . وانشغلت الذاكرة يكشف المحفوظ من فترة زمنية ، فترة حروب وعنف . توميء هذه التجربة الى ان الذاكرة وخزانها مقترن بالتشوش والتقوض ، حتى فقدت قدرتها على استعادة او تذكر ما هو جميل . لقد انتهى كل شيء . تكاد اللوحة رقم ” 7 ” تتماثل مع اللوحة الخامسة ، حيث الدمار الكلي الممثل له بانهيار كتل ضخمة ، مع وجود رأسي منقاري ضخم وكأنه متوحش له وظيفة مطاردة الكائن وهذا الرأس المنقاري يتسع شيئاً فشيئاً . اما اللوحة العاشرة فقد تكرر فيها الحضور المنقاري . وتكررت بعض تفاصيل اللوحة التاسعة المشتركة مع الثانية .

وبرز التشوه الكلي للكائن في اللوحة الثامنة والحادية عشر وبقاء الرأس المحترق وقد تحوّل الى ما يشبه الكتلة الحجرية السوداء ، وكان الكائن في اللوحة ما قبل الأخيرة ، وكأنه نحت تاريخي ، حاز رموزاً من الديانات البدئية المميزة للالهة المقدسة .

الملاحظة الأخيرة اختار الفنان صلاح جياد حضوره المهم وهو يعمل لاستكمال لوحتيه مرتدياً زيه الاسود ، ليبث رسالة واضحة على بقاء الحلم والسعي للابداع وتأكيد الطاقة الكامنة في الذاكرة والحلم … انها الحياة المقاومة للاندثار . 

لم يكن صلاح جياد متلمساً آثار كينونته المقوضة على الرغم من حضوره وما يتبدّى عليه من رهافة وايضاح للحنين الى وظيفته المجنونة للامساك بالمقوض وإعادة انتاجه والتعبير أيضاً عن الذي ستؤول إليه الأشياء في الحياة والعالم . وابتدأ طاقة بنائية متوسلة ، وهو يضع اللمسات الأخيرة على جسد الأنثى ويحدد بؤرتها بالفرشاة التي تجلّ عبرها الفالوس . لقد أعلن عبر هذه اللوحة ــ الثانية ــ توفر طاقة لديه على الخلق وتمجيد الحياة مع سوادها . لم يكتف بالرسم ، بل حاز غرائبية جديدة هي الخلق ، والغرائبيات ( كقير في هذا ” الالبوم ” الصادر عن دار المدى ) حتى توصل الى التكوين ، وبهذه العتبة الفرجية توصل الى نوع من الانثى الممثلة لحياته التي دمرتها الميتافيزيقيا ، لكنه ذهب للتحدي وهو يؤشر بالفرشاة على بؤرة الحياة وهو يظللها بالسواد الرمادي . وعوض المخرب والمدمر بخلوقات جديدة وكثيرة ، كي يعوض القبح بالجمال . ادرك صلاح جياد جيداً ما ستؤل اليه كينونته ، لذا أعلن الحِداد عليها . إنه بطل لا يتوقف ، ذهب لاستكمال سيرورته المقاومة على الرغم من قناعتها بالآيل لأن السواد ينام معه ، ويعلن عنه . 

قميص الزنجية وتوترات الجسد

2019/05/20 12:00:00 ص

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق