العراق الان

سؤال الحب أم سيرة الحُب 1-2

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 د.علي المرهج

لا يحتاج كاتب مثل علي حسين للتعريف به، فهو كاتب متنوع التوجهات: صحفي وكاتب مقال سياسي ساخر من طراز خاص، ومؤلف مسرحي من طراز أميز، وناقد يحمل الوطن بين طيّات قلبه، ويطويه الوطن (الذاكرة)، (الواقع)، (الحُلم)،

بين جناحيه، وهو اليوم يجعل من الفلسفة مركباً للنجاة له وللمجتمع، فهي عنده تحرير للعقل من التبعيّة ورهن المصير الإنساني بفرقة أو دين، لأنها تفكير نقدي وتنوير عقلي وتجديد للوعي الإنساني.

حينما كان علي حسين من قبل يكتب للمسرح، تميز بالكتابة الساخرة التي تنتقد السلطة وتحمل بين طيّات الحوار همَ الحياة بجمالها وآلامها، يُحاكي هموم الإنسان الفرد والمُجتمع، فهو من كتب مسرحية (ملك زمانه) و (جيب الملك جيبه) هاتان المسرحيتان الساخرتان الجادتان في ذات الوقت، رغم أنهما كُتبتا ومُثلتا بلغة شعبية تُحاكي الألم وتكسر عصا الطغيان باللعب على غبائه ووعي النُخبة والجمهور، وعي النُخبة في كشف (المسكوت عنه) في لغة الشارع والمُجتمع برفضها لكل سياقات النمذجة والتحنيط الأيديولوجي.

لذلك أستطيع القول إن علي حسين كان وما زال ناقداً بامتياز للدكتاتورية والفساد فيما مضى وفي ما نحن عليه اليوم. 

كان نقد علي حسين واضحاً جلياً لا مُداهناً لكل عاهات السياسة الذين حكموا بلاد ما بين النهرين بكل حضارته من الذين لا أسف عليهم في سقوطه ولا هُم يحزنون، أو من الذين لا زالوا يحكمون ولكن كثير منهم ساقطون.

لأن علي حسين لم يجد مساحة له للتعبير في عالم المسرح الأثير بعد تغييبه بقصد من أزلام النظام الحاكم بحث عن فضاء آخر لتصدير فكره لعله يُشارك في تغيير الوعي النمطي والخرافي السائد بخطاب فلسفي راكز وإن يكن فعل التغيير فيه بطيء يحتاج لزمن طويل للتصحيح والتأثير بسبب هيمنة خطابات التجهيل الأكثر دعماً من رجالات الدين (الراديكاليين) والساسة المُنتفعين.

إنها الفلسفة بأسئلتها الحائرة والمُحيرة، فبعد أن نشر كتابه “دعونا نتفلسف” الذي كتبت عنه مقالاً بعنوان “مُتعة القراءة الفلسفية” أمتعنا بكتابه الجديد “سؤال الحُب”.

ورغم أن الحُب كما عدَه زكريا إبراهيم من مُشكلات الفلسفة في سلسلته “مُشكلات فلسفية”، ورغم أن التعريف اللغوي لمفهوم الفلسفة بأنها كلمة تركبت من مقطعين (فيلو) وتعني الحُب، و (سوفيا) وتعني الحكمة، إلَا أنها (أي الفلسفة) ستبقى سؤالاً عن الأصل، إنْ كان في الحُب أو في الوجود: الوجود الفيزيقي أو الوجود الميتافيزيقي، أو الوجود الإنساني.

“الحياة هي الحُب، والحُب هو الحياة” تلك هي عبارة المفكر الهندي نيسار مهراج التي يفتتح بها علي حسين كتابه “سؤال الحُب”، و”الحُبُ جنيٌ عظيم” بعبارة سقراط، و “الروح تصل للخير من خلال الحُب” كما يؤكد أفلاطون، ليختم علي حسن مقدمة كتابه ببيت شعري لأبي الطيب المُتنبي:

وعذلت أهل العشق حتى ذُقته فعجبت كيف يموت من لا يعشقُ

الكتاب رواية وسرد لحكايات وقصص المشاهير عن الحُب في سيرهم أو كتاباتهم، فالحربُ شبيهة بالحُب” كما يقول تولستوي، وللحب ثلاثة أشكال عنده: “حُب الجمال وحُب التضحية بالذات والحُب الذاتي”. “الحُب نعمة ونقمة. الحُب قوة مُتطرّفة عند الإنسان”.

يجيء الإنسان إلى الدنيا وهو يتوق إلى الحُب، تلك هي عبارة جان جاك روسو، ولكنه سيبقى مُجرد “سعي محموم نحو أمل يأتي أو لا يأتي”. “الحُب ليس إلَا وهماً، أعترف بذلك، إلَا أنه يحوي حقيقة واحدة تتمثل فيما يوَلده فينا من شعور بالجمال الحقيقي الذي يجعلنا نُحب”.

“أنا الرجل الذي تكسرت آماله على مذبح الحُب” هذه هي مقولة تشارلز ديكنز.

“لا بُد أن يتعذب العاشق وأن يشك وأن يعود لمحبوبه ليتأكد أنه حقاً يُحبه، وهذا خير من أن نستسلم للوهم بأننا نُحب” هكذا تحدثت سيمون ديبوفوار عن الحُب، تلك الفتاة الأرستقراطية التي وقعت بحُب سارتر الذي يربط بين الحُب والحُرية، فالحُب تحرير للمحبوب لا استعباد له كما يظن البعض، “من يُريد أن يكون محبوباً فهو على العكس لا يرغب أبداً باستعباد الكائن الذي يُحبه”، وذات الرأي تتبناه ديبوفوار.

الحُب عند صاحب “الحُب في زمن الكوليرا” غابريل غارسيا ماركيز هو وحده، بقوته الجبارة يُمكننا من مجابهة الزمن”.

في كتاب علي حسين نزعة وجودية ظاهرة وليست ضامرة، “فحين يتوفر الحُب نشعر أن وجودنا مُبرر” وهذا تلخيص لعلاقة سارتر بسيمون ديبفوار اللذان اتفقا على أن يُمارس كل منهما حُريته الشخصية رغم علاقة العشق التي تربطهما!.

قرأ علي حسين كل ما كتبه تولستوي عن الحُب بوصفه “نعمة ونقمة” وتقسيم تولستوي للحُب على ثلاثة أنواع: حُب الجمال، وحُب التضحية بالذات، والحُب الذاتي.

ينظر جان جاك روسو للحُب على أنه وهم، لكنه “يحوي حقيقة واحدة تتمثل في ما يولّد فينا من شعور بالجمال الحقيقي يجعلنا نُحب”.

تشارلس ديكنز يكتب عن الحُب مُخاطباً حبيبته بالقول:”أحبك يا من ملكتني كاملاً، يا من معها هربت من الناس، لنُحلَق بعيداً جداً”.

“إن الحُب يكون أكثر زخماً كُلما كان أقرب إلى الموت” هكذا كتب ماركيز في روايته “الحُب في زمن الكوليرا”.

“فمع كُل همسة حُب عشرات القتلى ومع كل مفردة سخيّة بالأحاسيس شلال من الدماء تصبغ الشاشة باللون الأحمر” هكذا كتبت عن الحُب (مرغريت ميتشل) صاحبة رواية “ذهب مع الريح”.

يكتب علي حسن “سيرة الحُب” عبر تناوله لسيرة فنانين تشكيليين مثل: ربمبرانت وفان كوخ وغوغان وبيكاسو الذي يقول”أنا في الحُب مثل الرجل الأعمى، أحب الأشياء التي لا أراها، وإنما أحس بها”. كان يشعر بيكاسو بأن الحُب هو من يعطيه طاقة للعمل والرسم، “فالحُب هو الجدار الواقي الذي يرد الصدمات والخيبات” “فلا أستطيع أن أرسم دون أن أرى إمرأة جميلة إلى جانبي” ، أو موسيقيين كبار أمثال: شوبان الذي “كان خجولاً في الحياة، جريئاً في الحُب”، فتكتب حبيبته بعد موته “نحنُ لم نفترق، بل توارى أحدنا فقط عن ناظريَ الآخر، ولكننا نعرف إننا سوف نلتقي في أي مكان…إذن لن أقول أبداً وداعاً بمعنى أن الله سيُفرَقُ بيننا، ولكن بمعنى أننا نتوادع على هذه الأرض أو على أرض أخرى”.

“من دون نساء لا توجد موسيقى” هذه هي رؤية “بيتهوفن” “الحُب يتطلب كل شيء، ويجب فعل أي شيء من أجله”…هكذا يودع الحياة بيتهوفن هائماً بالحُب مُخاطباً محبوبته تيريزا: “حتى وأنا في سريري، أفكاري تأخذني كُلياً إليك، يا محبوبتي الأبدية”.

يعرض لنا علي حسن “سيرة الحُب” عبر تلخيصه لسرديات كتّاب كبار أمثال: دستويفسكي وتورغنيف وساغان وهمنغواي وبلزاك صاحب رواية “إمرأة في الثلاثين”، وميلر حينما مات حُباً بمارلين مونرو جميلة السينما لسنوات عدَة. لقد عاش ذات الحالة (أريك ريمارك) الذي عشق الفنانة “مارلين ديتريش” وبادلته هي ذات العشق

أو لحظات عشق حُر في حياة الفلاسفة كما هو الحال مع جان جاك روسو ، أو مع سارتر ودي بوفوار. وهكذا الحال مع الشعراء، ومنهم: (أراغون) بعبارته الشهيرة “سوف يخمد كُل ما يتعارض مع الحُب”، و(إيلوار) في أشهر قصائده:

أُحبَك

لأجل كُل النساء اللواتي لم أعرفهن أُحبك

لأجل كُل الأزمنة التي لم أعشها أحبك

لأجل رائحة البحر الواسع ومذاق الخبز الساخن

لأجل الثلج الذي يذوب لأجل الزهور الأولى

لأجل الحيوانات الطاهرة التي لا يُفزعها الإنسان

أُحبك لأجل الحُب

لأجل كُل النساء اللواتي لم أُحبهنَ قط أُحبك

آلان تورنغ.. سيرة عبقري

2019/06/11 09:05:22 م

الدّوريات الفنية في العراق.. تاريخ طويل.. ومسيرة متعثرة

2019/06/09 08:49:59 ص

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك