اخبار العراق الان

روائيون عظام ورواياتهم: جدلية الحياة والإبداع

 كه يلان محمد

لا يعيش المبدع منفصلاً عن واقعه وخصوصيات المرحلة التي يعاصرها، لذا فإن ما تضمه مؤلفاته يتقاطع مع حياتهِ وتجاربه الشخصية على المستوى النفسي والاجتماعي والفكري. وهذا ما حدا بالمتابعين والنقاد للبحث عن الخيوط الواصلة بين الشخصيات الروائية وصناعها،

ولا يلغي رفض دعاة عزل النص عن مؤثرات خارجية مفاعيل هذا الإجراء، وتحوله إلى عنصر رئيس في عملية القراءة، والغاية من ذلك ليست إسقاط الحدث الروائي على حياة الكاتب لأن العمل الأدبي إذا تمّ التعامل معه بهذا المنطق الاختزالي تتضاءل قيمته الفنية إلى أن يكون مجرد وثيقةٍ تاريخية عن صاحبه.

والحال هذه فلا بد من التذكير بأن الأدب عبارة عن المزج بين التخيل والواقع، إضافة إلى الأسلوب الذي يظهر خصوصية النوع. إذ اتبع الكاتب والروائي البريطاني سومرست موم في مؤلفه «روائيون عظام ورواياتهم» الصادر في نسخته العربية من دار المدى مؤخراً، منهجاً متوازناً في مقاربة عشرة أعمال روائية عالمية، حيث تناول حياة المبدعين، إلى جانب ما اعتبره أفضل آثارهم الأدبية، يذكر سومرست موم في مقدمة كتابه ما دفعه لخوض هذه التجربة، حيث طلِب منه في الولايات المتحدة الأمريكية تحديد قائمة بعشر روايات عالمية، وجاء اختياره مرفقاً بعبارة «إن القارئ الذكي سيحصل على متعة أكثر من قراءتها، إذا تعلم فن القفز المفيد». وعلى إثر ذلك يقترح عليه ناشر أميركي إعادة طبع السلسلة المختارة بعد حذف ما يراه حشواً أو غير ضروري. مع كتابة مقدمة لكل رواية على حدة، وبما أن مختصر ما كتبه سومرست نشــر في إحدى المجلات الأدبية ونال إعجاب المتابعين والقراء، لذلك تشجع لطبع كلماته عن تلك الأعمال المفضلة في كتاب مستقل، مع حذف ماخصصه لمارسيل بروست. إذ يقول عن صاحب «البحث عن الزمن الضائع» إن روايته طويلة، ولا يمكن حتى مع الحذف اختصارها إلى حجم معقول. ويشير في السياق ذاته إلى محبي بروست المتعصبين ويعتبر نفسه واحدا منهم، بل يفضل الضجر مع بروست على التسلية بصحبة كاتب آخر.

ويفرد سومرست موم فصلاً آخر لحياة الكاتب البريطاني هنري فيليدنغ، الذي عرف بعربدته وانسياقه وراء رغباته الحسية على المستوى الشخصي، وفي ما يؤكد الكاتب ضرورة فهم هذه الرغبات بوصفها جزءاً من الطبيعة الإنسانية

لماذا قراءة الرواية؟

المفاجئ في ما يرد في المقدمة هو قول الكاتب بأن الحديث عن أفضل عشر روايات مجرد هراء. ربما هناك مئة رواية في رأي الكاتب، ويتوقع بأن خمسين مثقفاً أو قارئاً إذا شاركوا في اختيار مئة رواية وهي الأفضل عالمياً، لا يتجاهلون الأعمال التي ذكرها في كتابه. ومن ثم يحاول تفسير تفاوت الآراء بشأن الروايات، ولماذا أن القارئ قد يعجبه عمل ولا يستسيغ غيره، ففي نظر المؤلف توجد عدة عوامل تتحكم بمذاق القارئ منها التوقيت أو الزمن الذي تابع فيه العمل الروائي، أو أن ثيمة الرواية تكون أكثر أهمية بالنسبة لقارئ معين. فمن يعشق الموسيقى يختار رواية «موريست غيست» بين أفضل عشر روايات عدا ذلك فإن قومية القارئ عامل مؤثر أيضاً في إيثاره لرواية محددة. والأهم في هذا الإطار هو مناقشة الكاتب عن الغاية من قراءة العمل الروائي، طبعا المتعة برأي سومرت موم دافع أساس، ومن الخطأ حسب تصوره التعامل مع النص الروائي باعتباره مصدراً للتعليم والتثقيف. أكثر من ذلك يؤكد الكاتب إن الرواية فن تشوبه كثير من العيوب، بمعنى ليس ثمة رواية بالغة حد الكمال بما فيها الروايات العشر التي اختارها المؤلف. ويلتفت سومرست إلى انعدام أعراف الشكل في الرواية الروسية والإنكليزية، ما أتاح المجال للإسهاب بدون التقيد. أما بالنسبة لتأثر الروائي بالموضة فيعتقد بأن ذلك يظهر بالوضوح في تباين أساليب المؤلفين، فقبل نشوء الاتجاه الرومانسي لم يكن هناك اهتمام بوصف الطبيعة، وما أنْ ينتشر هذا المذهب حتى تصبح المشاهد الطبيعية جزءاً مهماً من تركيبة العمل الروائي. كما أن مذاق القراءة يختلف من عصر إلى آخر فكان ما يطلبه القراء سابقاً هو روايات مطوّلة، وأضاف المؤلفون بدورهم قصصاً غير مرتبطة بالموضوع الرئيس إلى بنية العمل، إذ قطع بلزاك سرد روايته ليدوّن مقالة مقحمة حول اللوحات التي أعجبته في إيطاليا. ما يخلص إليه الكاتب بناء على ما ورد ذكره سابقاً، إن الاختصار في الروايات عملية ضرورية شأن النصوص المسرحية التي يتم تعديلها أو تقطع منها الأجزاء قبل العرض.

تميز بعض المؤلفين الذين اختارهم سومرست بغزارة الإنتاج، وقسم آخر منهم ما قدموا سوى رواية واحدة، فاسم إميلي برونتي اقترن برائعتها «مرتفعات وذرينغ» التي أثارت اهتمام النقاد، واستغربوا أن تتمكن ابنة رجل دين عاشت حياة منعزلة من تأليف رواية متفردة في رومانسيتها. يرى سومرست أن «مرتفعات وذرينغ» هي اعترافات لأحلام اليقظة، لذلك تتجاور فيها المتناقضات النبيلة والآثمة. اتصفت شخصية إميلي بالغرابة، وكانت تتأرجح بين شدة الكآبة وأقصى المرح. ولا تفوت الكاتب الإشارة إلى من ينسب هذه الرواية إلى برانويل شقيق إميلي برونتي، لكن هذا الرأي لا يستند إلى حجةٍ قاطعةٍ، بل يعتبره البعض مجرد شائعة، وعندما ينصرف المؤلف إلى جين أوستن يقر بصعوبة التفاضل بين رواياتها ثمة من يعتقد أن «مانسفيلد بارك» هي إنجازها الأعظم كما يفضل نفر من النقاد روايتها المعنونة بـ«إيما». واللافت فيما يرد حول جين أوستن حظوتها لدى معظم النقاد والكتاب، فقرأ دزائيلي روايتها «كبرياء وهوى» 17 مرة، كما أشاد بها والتر سكوت، مشيراً إلى قدرة الكاتبة على استدراج القارئ من خلال الحديث عن الأشياء البسيطة إلى كونها الروائي. ويضع سومرست موم من جانبه «كبرياء وهوى» في المرتبة الأولى ويعلن نفوره من عجرفة بطلة رواية «إيما» والمستغرب في شخصية أوستن إحراجها من أن تضع اسمها على مؤلفاتها. ثمة من يعزو هذا التصرف إلى استخفاف المجتمع بالمرأة الكاتبة آنذاك.

ويفرد سومرست موم فصلا آخر لحياة الكاتب البريطاني هنري فيليدنغ، الذي عرف بعربدته وانسياقه وراء رغباته الحسية على المستوى الشخصي، وفي ما يؤكد الكاتب ضرورة فهم هذه الرغبات بوصفها جزءا من الطبيعة الإنسانية، يستهجن محاولة جمع من الكتاب لتعتم على هذا الجانب من شخصية صاحب «توم جونز» لافتاً في الوقت نفسه إلى استفادة فيليدنغ من خبرته المسرحية في كتابة الرواية، حيث يتصف أسلوبه بالابتكار والحيوية، ويعتمد على المصادفات الخيالية، مع ذلك يمضي القارئ في المتابعة بدون الاحتجاج ما سرده فيليدنغ في روايته عبارة عن ملحمة الإنسان العادي الذي لا يخلو من العيوب، حسب رأي الناقد جورج سنتسبيري. ينضم تشارلز ديكنز أيضا ضمن قائمة اختيارات سومرست، إذ يسهب في الحديث عن حياة أسرته وتجاربه في العمل في مصنع الطلاء، ويبدو أن ديكنز كان يمقت هذه المهنة واعتبرها إهانة لشخصه تلاحق الأزمات مؤلف «قصة مدينتين» حتى بعدما يصبح شخصية أدبية بارزة ويحقق نجاحاً على الصعيد الإبداعي. ويرى سومرست موم أن أفضل ما كتبه ديكنز هو رواية «ديفيد كوبرفيلد»، ومن بين الكتاب الروس يختار موم تولستوي ودوستويفسكي، إذ يتوقف عند شخصية صاحب «آنا كارنينا» راصدا ما عاشه من حياة حافلة بالتجارب والعثرات، فضلا عن صراعه مع أفراد أسرته بعد قراره، بأن يتخلى عن ملكية أراضيه في ياسنايا بوليانا. يبلور تولستوي في ملحمته «الحرب والسلم» فلسفة جديدة تنفي دور رجال عظام في حركة التاريخ، إنما هناك قوة غامضة تدفع الشعوب نحو الهزيمة أو النصر.

تناقضات داخلية

ويفترض سومرست أن تولستوي قد استوحى من تناقضاته الداخلية المادة لصياغة شخصيتي بير بوزوخوف والأمير أندريه. وما يقوله عن دوستويفسكي ومسيرة حياته الصاخبة يذكرك برأي فرويد الذي رأي أن كل أشكال العقد النفسية قد تراكمت في شخصيته، وما يجذب الانتباه أكثر هو تعدد علاقاته العاطفية وملاحقته لبولينا سوسلوفا إلى باريس، بينما كانت زوجته تحتضر، والغريب أن دوستويفسكي ألف روائعه تحت سياط الحاجة، واستلهم الأحداث من معاناته وعلاقاته العاطفية، وأظهرت رواياته أن النذالات الشنيعة قد توجد جنباً إلى جنب مع أنبل العواطف، وتكمن أهمية «الإخوة كارامازوف» في رأي سومرست في ثيمتها، وهي البحث عن وجود الله. إلى جانب هؤلاء يتعمق سومرست موم في عالم كل من بلزاك وغوستاف فلوبير وستاندال وهرمان ملفيل، متتبعاً مسار أعمالهم الإبداعية على ضوء ما شهدته حياتهم من النجاح أو الإخفاق. يشار إلى أن معظم من يرصد سومرست تجاربهم عانوا من تجارب عاطفية مركبة وكان تعدد علاقاتهم نتيجة لرغبة في إشباع الغرور.

جدلية فنية بين التشكيل و الفوتو شوب أو التعارض والتناقض بين التصورات الجمالية

2019/05/25 12:00:00 ص

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق