اخبار العراق الان

هل دجلة الخير للجواهري نهر؟

صلاح نيازي

“هذه المقالة مهداة إلى الشاعر العراقي المغترب طارق حربي، إعجاباً بقصيدته: “ملصق على الجدار”(منذ سنين طويلة   تلك هوايتي المفضلة   أقف على جسر أوسلو   أطعم طيور بلادي المهاجرة!)
****

لأقلْ من البداية إن قصيدة “يا دجلة الخير” رغم أنها من أشد أشعار الجواهري ألماً وإحباطا، إلاّ أنها، من ناحية فنية، ليست من جياد قصائده. القصيدة تفتقر إلى وحدة الموضوع، من جانب، وإلى الموقف الفلسفي من جانب آخر. التأليف في هذه القصيدة يجعل القارئ، بلغ ما بلغ تعاطفه معها، متفرجاً لا جزءاً منها كما في التآليف الأجنبية المرموقة.

على أية حال، تعددت أشكال الماء في قصيدة: “يا دجلة الخير” تعدداً لا مثيل له في الشعر على ما يبدو. يتراوح ما بين نهر جارٍ وشراع، وبين عَرَق نازف من حمى، إلى دمعة نائحة، إلى كوب يقبع فيه سمّ وغسلين، إلى لدغ في ناب ثعبان.

كانت تلك المياه، هي الأصباغ التي رسم بها الشاعر أخطر حالات الخوف. ولكنْ مهلاً.

كتب محمد مهدي الجواهري، وهو شاعر جازيك من شاعر، هذه القصيدة الداوية:” يا دجلة الخير” ببراغ عام 1962 في أحلك ظرف في حياته. القصيدة فجيعة. فجيعة بالتمام. وهي إلى ذلك تشكّل مع أختها القصيدة الثانية:” بائعة السمك في براغ” منعطفاً شعريّاً خطيراً. فمن ناحية، نرى الجواهري، ينتقل من شاعر تحريضي هادر: “أنا حتفهم ألج البيوت عليهم”، إلى شاعر متأفف متهالك نائح، وأقصى ما يتمناه أن يكون “الشراع الرخص” بنهر دجلة كفنه. ومن ناحية أخرى اكتشف الجواهري ربما لأوّل مرة، ضعفه البشري وما أعظمه. شاعر تائه بعناية ببراغ، لا يرطن لغة أهل البلد، “الفواكه المحرمة” أمامه الآن لم تعد محرمة، ولكنه عاجز عن أن ينوشها. وقع في مضيق من أمره. وحيد. الوحدة أشدّ قسوة حين تكون وسط آزدحام. كان الجواهري وحيداً وسط ازدحام. مسرحه الآن فارغ من أيّ جمهور، ومن أيّ ديكور” خالٍ من أية ستارة أو ممثلين. مسرح خاص. بات الجواهري فيه هو المؤلف وهو الممثل وهو النظارة. راح وكأنّه في أعمق مناجاة يعترف بشيخوخته الشعرية، وذبوله الجسدي، راح يعترف بانفصام شخصيته. وسرعان ما تفككت حواسه وباتت حاسة اللمس تنوب عن بقية الحواس بأقسى رعب، وارتعاش، لم يشهد له الشعر العربي رديفاً من قبل، كما سنرى. تماماً كما انفصلت حواسّ مكبث وتفردتّ حاسة البصر بالدفّة.

كان الجواهري في هذه الفترة يفتش عن ملاذ دافئ وحنون. وملاذ كهذا لا يكون إلاّ في المرأة أو في شئ شبيه بالأمّ، فلا عجب إنْ وصف “فرصوفيا” بالأمّ الرؤوم، وأيّ عجب إن ترامى على صدر بيروت:” ظمآناً”. (ثمّة إشارات كثيرة، في هذه القصيدة، وغيرها إلى تعلّق الجواهري بأمّه، إنْ حبّاً أو ملاذاً. هل قلتُ ملاذاً؟ ليكنْ ذلك. ولكنْ ما من مقالة نقدية أو بحث أكاديمي دلّني على هذه الوشيجة. البحوث العربية للأسف تتجاهل كلية دور الامّ في تكوين الفنان، على عكس الدراسات الغربية).

الظمأ لا يعني عند الجواهري، العطش حصراً، وإنما الجوع للطمأنينة والأمان عموماً.

أو بكلمات أدقّ، الشكوى من الحرمان، من أيّ نوع.

على ضوء الأسطر أعلاه قد نستدل على مكنونات نفسية في المقطعين المائيين اللذين اخترناهما من “يا دجلة الخير” للدرس أو الفحص.

يقول الجواهري في المطلع:

حييت سفحك عن بعدٍ فحييني

يا دجلة الخير يا أمّ البساتين

حييت سفحك ظمآناً ألوذ به

لوذ الحمائم بين الماء والطين…”

المطلع يذكّر حتماً بمطلع القصيدة المنسوبة إلى نهشل بن حري:” إنا محيوك يا سلمى فحيينا”

الغريب، وليس ذلك بالغريب، أن الحزن لدى الشاعر العراقي ولا سيّما الجواهري، لا يحلّق به إلى قمم روحية مدوخة، وإنما يجرّه جرّاً إلى القاع، إلى ماضٍ سحيق، إلى أمومة مفقودة. يترافق هذا الحزن مع تعابير أشبه ما تكون بالعامية رغم أنها فصيحة، مثل تعبير: “يا أمّ البساتين”. أو السعلية، أو تكرار حرف: يا، الذي تكرر أكثر من ستين مرة في هذه القصيدة، فلا تدري هل هو نداء أم آستغاثة؟ أم أنه استلاف من اللهجة العامية المتداولة ويُعنى به التعجب تعظيماً أم تحقيراً؟

الثقل النوعي في الشطر الأول يتأتى من تعبير: “عن بعد” وله هنا مرارة الفطام. ها هو الجواهري إذن خارج جنة دجلة، يبادر هو بتحية السفح. (السفح لغة: أسفل الجبل الذي يغلظ فيسفح فيه الماءُ).

لكن لماذا:” يا أمّ البساتين” أقصد لماذا أمّ؟ هل ثمة حالة نفسية وراء ذلك؟ 

في البيت الثاني، يتكشف لنا ضعف بشري آخر:

“حييت سفحك ظمآناً ألوذ به

لوذ الحمائم بين الماء والطين”

قلنا أعلاه ان الظمأ لدى الجواهري لا يعني العطش حصراً، كما أنّ لفظة ألوذ تعني بالإضافة إلى

الآستغاثة: اللجوء والاستتار والتحصن. صورة اللواذ إذن مقرونة بالظمأ لا تعني سوى نشدان الطمأنينة والأمان. في الصورة كذلك، كما يبدو، خوف كامن.

أما تشبيه نفسه “بالحمائم بين الماء والطين”، فمظهر آخر من مظاهر ضعفه البشري، لا سيما وقد اختار الحمائم في أقصى حالاتها ضعفاً حينما تكون ظامئة تلهث. لا أدري لماذا يوحي تعبير:”بين الماء والطين” بطفولة بشرية بريئة لاهية.

ينتقل الجواهري دون “سابق إنذار” في البيتين الخامس والسادس:

وأنتَ يا قارباً تلوي الرياح به

ليّ النسائم أطراف الأفانين

وددت ذاك الشراع الرخص لو كفني

يُحاك منه غداة البين يطويني”

كيف انتقل الشاعر فجأة من عيون الماء والينابيع وهما ممتلئتان حياة وحركة وموسيقى، ومن شراع ناعم يتهادى بارتخاء، إلى أمنية يكون فيها ذاك الشراع كفنه الذي يطويه؟ 

حتى لو انّ راوية القصيدة تشهىّ أن يطويه الكفن حقاً، إلاّ أنّ التعبير ليس ببعيد عن مقولات العامة إنْ هي ارادت استدرار العطف؟

المقطع المائي الآخر أدناه يصوّر فيه الجواهري، حالة من الخوف لا مثيل لها في الشعر العربي،

وربما فيما قرأت من الشعر الإنكليزي. قال مخاطباً دجلة الخير:

“لو تعلمين بأطيافي ووحشتها

وددت مثلي لو ان النوم يجفوني

أجسّ يقظان أطرافي أعالجها

ممّا تحرّقت من نوم بأتون

وأستريح إلى كوب يطمّنني

أنْ ليس ما فيه من ماء بغسلين

وألمس الجدر الدكناء تخبرني

أنْ لست في مهمه بالغيل مسكون”

في البيت الأوّل أعلاه استحال نهر دجلة إلى مخلوقة أنثى واعية ولها حنان أموميّ. ولكنْ هل هناك أكثر ألماً من أن يبات النوم هو الداء، وأنْ يبات اللّا نوم هو العلاج!

أكثر من ذلك ما الذي فعله الجواهري براوية قصيدته؟ أوّلاً أيقظه كرهاً بحمّى. كان يتقلّى بكابوس ناهش. راح يجسّ أطرافه، ليتأكد من أنّه ما يزال حيّاً. الراوية مذعور حتى من الكوب خشاة أن يكون غسلينا، فكيف يمكنه إطفاء حريقه!

ولتضخيم المأساة، فكّك المؤلف حواس الراوية فعطّل حاسة السمع أوّلاً، ثمّ حاسة البصر، بوضعها في ظلام دامس. فلا يدري أين هو، كما عطّل حاسة الذوق، فلا يستبين الماء من الغسلين.

ولكن أنّى له أنْ يتأكد؟ الجهات موصدة. هنا برزت حاسة اللمس لتنوب عن بقية الحواس. الراوية يتلمس الجدران التي وصفها الشاعر بالدكناء حتى لا يعرف لها شكلاً، فيطمئنّ إليها. 

هكذا استسلم الجواهري، وأرخى عنانه، تاركاً حياته في مهب الريح أخيراً:

“يا دجلة الخير خليني وما قسمتْ

ليَ المقادير من لدغ الثعابين”

(قد يكون من المفيد أن نذكر ان الحيوانات،ً في شعر الجواهري وهي قليلة أصلاً، نمطية ملقوطة من بطون الكتب، وليست من تجربة شخصية)

****

لكن هل كان الجواهري يصوّر نهر دجلة حقّاً، أم انه أشبه بلازمة موسيقية لاستدراج المعاني، او ربما كان دجلة الخير، وقد تكرر هذا التعبير أكثر من عشرين مرّة، مجرد تعويذة يتمسّك بها المرء لدرء الملمات. (بالمقابل يصور أحمد شوقي، وهو من صاغة الشعروغاصة النفائس، نهر النيل وكأنه معبد مائي طاف يحتفل بزفاف أجمل فتاة لأكثر الأنهار غلمة).

الفرق أن “دجلة الخير” ليست ماء بل حالات نفسية مؤنسنة، تتجسد في مخلوقات بشرية. فمرة يتعامل 

الجواهري مع دجلة الخير وكأنّه صديق يعترف بين يديه: “يا دجلة الخير قد هانت مطامحنا”، ومرة يطلب منه أن يقوم مقام الأولياء الصالحين وذوي الكرامات، فيلبي له امنياته:” يا دجلة الخير منيني بعاطفة…)، ثم مرّة واحدة يمّحي النهر. وها نحن أمام صور غريبة. يخاطب الجواهري دجلة الخير: “يا أطياف ساحرة، أو يا سكتة القلب، أو يا إعصار زوبعة، أو يا خنجر الغدر، أو يا أغصان زيتون…” وما من ماء أو موج أو ضفة.

ولكنّ الأغرب صدقاً وحقّاً، هو تشبيه “دجلة الخيرات” بالسعلية القرعاء:

“وأنت يا دجلة الخيرات سعلية

قرعاء نافجة الحضنين تعلوني”

للحقّ لم أفهم ما الذي قصده الجواهري بهذا البيت. ولا أريد أن أفهم.

انقسام برلماني بشـــأن تشريـع قانـون اللجوء يؤخّر حسم قضايا 3 آلاف أجنبي

2019/06/15 08:52:07 م

الحلبوسي: الجلسات المقبلة مخصصة لاستكمال الكابينة الحكومية

2019/06/15 08:49:28 م

نيجيرفان بارزاني: العلاقات بين بغداد وأربيل جيدة

2019/06/15 08:46:25 م

واشنطن تمدد إعفاء العراق من العقوبات على إيران للمرة الثالثة

2019/06/15 08:43:27 م

حقائق لم تروَ عن مجزرة سبايكر: مصير الضبّاط المدانين مجهول والتهم تلاحق عشائر أنقذت الجنود

2019/06/15 08:37:20 م

واشنطن بوست: أطفال إيزيديون لا يرغبون بالعودة الى عوائلهم الأصلية!

2019/06/15 08:36:27 م

تحرك برلماني لمقاضاة دول ساهمت بسرقة آثار العراق

2019/06/15 08:35:08 م

على ضوء زيارة رئيس مؤسسة (المدى)..العلاقات العراقية-اليابانية تمتد وتتكرّس

2019/06/12 09:17:57 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق