اخبار العراق الان

ملامح استفاقة الجمهور من غفوة الخطاب الشعبوي

د. حيدر نزار السيد سلمان

باستمرارية ملحوظة تتسع الفجوة بين السلطة ممثلة بأحزابها وشخصياتها وأذرعها المتنوعة، وبين الجمهور الذي بدأت عليه علامات الاستيقاظ والانتباه من غيبوبة طالته

بعد أن أغدقت عليه الطبقة السياسية التي تربعت عرش السلطة بعد ٢٠٠٣ بخطاب شعبوي – عاطفي غزير، كان يستهدف استحصال رضا الجمهور بتوفير كمية من الأوهام والاستجابات السريعة المرحلية، واعتماد حلول آنية تمثلت بتوظيف لملايين الاشخاص بمؤسسات الدولة، خصوصاً المؤسسات البديلة التي أوجدها النظام السياسي الجديد، وكذا الحال في توزيع الهبات والمكافآت والرواتب والامتيازات والإسراف بأقيام التعويضات لمن وُصفوا بالمتضررين من سياسات النظام السابق. ولعل التعويض بمجال العقارات والأملاك -وهو قليل الالتفات اليه- جاء بطرق لا يمكن وصفها إلا باستنزاف لموارد الدولة.

حاولت أحزاب السلطة بعد ٢٠٠٣ تقديم رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة لبلاد أنهكتها الحروب والمشكلات الاقتصادية عندما ربطت كلّ شيء بالعقيدة الدينية ومزجت بين الطقوس والتراث الشعبي وخطابها السياسي والاجتماعي، ووسمت سياستها الداخلية والخارجية بخطاب عتيق ينطلق من منطلقات مذهبية وطائفية، وهي بذلك تكون قد قدمت سلة كاملة من الخطاب الشعبوي المدغدغ لعواطف الجمهور ومشاعره والاستغراق بتغيب وعيه بقصد أو دونه. والغريب إن الجمهور ومعه بعض الفئات الأكاديمية والمثقفة انساق متماهياً مع هذا الخطاب ومارس فعاليات ترويج وضخ دعائي يدعو للتساؤل والبحث، كدليل على تخلي هذه الفئات التنويرية عن أدوارها الاجتماعية وزحفها خلف أصحاب هذا الخطاب ومعتنقيه وإنشاء منظومة ثقافية متحالفة مصلحياً وتخادمياً تضم أطياف اجتماعية بعضها غارق بالقديم وآخر له مسحة الحداثة والمكانة العلمية. وترفد هذه المنظومة غير المعلنة سلطة سياسية بكل احتياجاتها المادية والمعنوية وتظلل نشاطها المجسد لإرادة هذه السلطة بقدرة البقاء بالحماية والديمومة، غير أن الخطاب والاجراءات الشعبوية اصطدمت بأوضاع ووقائع ومتغيرات اقتصادية-اجتماعية وحياتية؛ فالجنة الأرضية الموعودة والحياة الرغيدة ودولة المواطنة والاستقرار الأمني الذي رسمته الخطابات والسلوكيات السلطوية؛ لم يتحقق، مما أفقد الجمهور المتعطش للأمن والحياة العصرية والسكن والعمل وحتى الاستقلال السياسي لبلده، أفقده قدرة المطاولة والبقاء بخضوعه لهيمنة الفئات المتحالفة وسيطرتها الثقافية والفكرية. فعلى سبيل المثال: الفوضى وضعف الأمن دفع الجمهور بالحنين لأبشع مرحلة بتاريخ العراق المعاصر مثلتها توتاليتارية البعث واستبداده ومظالمه، فاجتذبت هذا الجمهور الغارق بمشكلاته لذّة المقارنة وهو يرى الفوضى تنوشه وتلحق به الأضرار في وضع لا يمكن فيه تحديد من هي السلطة الفعلية ومن هو الذي بيده قوة القسر الشرعية، مع تعدد مراكز القوى المتغلغلة دولتياً، النافذة فعلاً، وأحزاب بمليشيات وفرق مسلحة تدير مؤسسات اقتصادية حلت مكان الوزارات. كما فَصلت الجمهور اوضاعه المعيشية الصعبة وقلة الخدمات واستشراء الفساد العلني واستحواذ المنتمين لمنظومة السلطة وحلفائها على المكاسب والامتيازات وما ظهر عليهم من الإثراء الفاحش وما تمتعوا به من صلف، فصلته عن الرابطة التي صنعتها السلطة بالوهم والوعود ساعده في ذلك التماس المتحقق مع واقع جامد واطلاعه على ما تم تشريعه من امتيازات لاسيما المتعلقة منها بأشخاص يعيشون خارج البلاد وشوارع مدنه الرثة رغم كل ما تم الإعلان عنه من مشاريع تحديث وتطوير وإعمار ،وتفاقم مشاعر الغضب من الفشل المتراكم لكل أعمال السلطة وتصاعد السخط اتجاهها. بل فقد أمسى الجمهور محبطاً وفاقداً للأمل من المستقبل الذي لا يرى أن سماءه تلوح في كبدها نجوم الأمل، رغم مطالباته الملحة بتحسين الحال وإصلاحه، بيد أنه لم يجد ما يلبي هذه المطالب غير التصاعد في وتيرة استغفاله، واذ وجد الجمهور نفسه خالي الوفاض فارغ الجيوب إلا من الشعارات والديماغوجية، جاءت صدمته لتشكل بداية قطيعة مع الطبقة الحاكمة وأحزابها، وتجلت هذه القطيعة بحالات متعددة منها: ضعف المشاركة بالانتخابات، وما يطلقه الجمهور من كميات هائلة من النقد والشتائم بحق كل من مسّته السلطة بمزاياها ومتعها. ورغم المحاولات التي أبدتها الأحزاب الماسكة للسلطة لتغيير خطابها بما يتوافق مع اتجاهات الرأي العام وميوله؛ لكن الفجوة ما تنفكّ عن أن تزداد اتساعاً، وهو ما مهد السبيل لقوى أخرى استرشدت بالخطاب الشعبوي نفسه كبديل. وكما هي النظرية السياسية المعيارية لقياس شرعية الحكم فان القاعدة الشعبية الاجتماعية هي من تمنح النظام السياسي قدرة العمل والإنجاز والاستمرارية. ولأن هذه القاعدة اهتزت كثيرة فقد بدأ التخلخل في البنية السلطوية واضحاً ما يتطلب حلولاً لإعادة تماسكه -وهذه هي مهمة السلطة نفسها- تتوقف على تحسين أدائها وسلوكها السياسي والتخلي عن الخطاب الشعبوي الذي فقد تأثيره الجماهيري لاسيما أن السلطة السياسية لم تعد قادرة على الإنفاق الإرضائي للحصول على التأييد الشعبي، ويعود ذلك لأسباب متعددة أهمها إن المال لم يعد وفيراً.

استغفل الخطاب الشعبوي وتوزيع الأوهام واستغلال الدين كوسيلة للتسلط؛ الجماهير لمدة تاريخية ضيعت فيها السلطة عشرات المشاريع الخدمية والمخصصة للبنى التحتية عندما مررت أهدافاً سريعة واستجابت لمطالب مرحلية دون الانتباه لما سيحصل لاحقاً، وفي هذه الأهداف والمطالب أهملت مشاريع الإسكان وتوفير فرص عمل في قطاعات الاستثمار الرديف، ولم تعمل على تطوير قطاعات الصحة والزراعة والصناعة، بل ما حدث العكس، فالمبادرة الزراعية على سبيل المثال فشلت تماماً إذ تراجع الإنتاج الزراعي وتقهقر عكس ما كان مرجواً منها رغم فخامة الإنفاق الحكومي، وبقيت المدن بشوارعها القديمة دون استحداث جديدة وازاد عدد خريجي الجامعات المطالبين بفرص العمل بعد أن أغرتهم السياسة الشعبوية بالوظيفة الحكومية. لكن السؤال: ما الحل؟

إن السلطة السياسية بعد ٢٠٠٣ هي من ورطت نفسها بهذا الخطاب سواء كانت فاسدة أم نزيهة، وهي من تتحمل مسؤولية الخروج من هذا المأزق باعتماد خطاب جديد واحترام العقل الشعبي الخاضع حالياً لتأثيرات وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المصدوم بالفشل الذريع، كما أن على السلطة الاستعانة بالخبرات العلمية النشطة المثابرة الداخلية والخارجية، والاهم من ذلك مكاشفة الناس والبدء بإصلاح حقيقي تعيد فيه السلطة ثقة الجمهور بها.

عشائر الموصل تقلّل الفيتو على عوائل داعش: الإبعاد يشمل المؤيدين فقط

2019/06/24 08:42:10 م

الأمم المتحدة: 55 ألف طفل لمسلحي التنظيم محتجزون في العراق وسوريا

2019/06/24 08:41:20 م

45 ألف طفل ولدوا أثناء حكم داعش بدون أوراق ثبوتية 

2019/06/24 08:40:10 م

البرلمان يصوت على 3 وزراء رغم تحفظات سائرون ويرفض مرشَّحة التربية

2019/06/24 08:38:50 م

الدفاع تنفي تصريحات نسبت للوزير بعد ساعات من استيزاره

2019/06/24 08:37:45 م

نائب رئيس الوزراء: الإقليم تسلّم أقلّ من نصف موازنته

2019/06/24 08:35:20 م

80 نائباً يوقّعون على تعديل قانون الخدمة والتقاعد لقوى الأمن الداخلي

2019/06/24 08:33:13 م

اتفاق على إجراء انتخابات كركوك في موعدها المحدّد

2019/06/24 08:32:20 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق