العراق اليوم

متلازمة الـ (٤) ملايين!!

عبدالزهرة محمد الهنداوي 
 

قبل أيامٍ عرضت القناة الرسميَّة (العراقية) تقريراً يحملُ الكثيرَ من الإيجابيَّة، وهو تقريرٌ مصورٌ عن الطالبة العراقية آية سنان الحسني التي حازت المرتبة الأولى على جميع العرب والعراقيين من الكلية الملكية للجراحين في ايرلندا

عبدالزهرة محمد الهنداوي 
، كما حصلت على مرتبة الشرف من الدرجة الأولى وبتكريم خاص من الكلية ذاتها أثناء حفل التخرج وكانت هي الطالبة الوحيدة من العرب التي تحصل على تكريم وجائزة في 
الحفل.
ولست هنا بوارد استعراض السيرة الذاتية لهذه العراقية المتألقة علماً والحديث عما حققته من منجز عراقي كبير، وإنْ كانت تستحق أنْ نشيد بها ونفرد لها مساحات من كتاباتنا وبرامجنا التلفزيونيَّة والإذاعيَّة، ولكنْ ما أردت الإشارة إليه، هو أنَّ هذا المنجز المهم لم يحظ باهتمام المشهد العراقي، سواء كان على مستوى النخبة أو على مستوى الشارع بنحو عام
، فقد مرَّ الخبر مروراً باهتاً، لا يكاد يُذكر، لا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي، هذه المواقع التي نجدها تضج بعشرات المقاطع الباهتة
، التي تروج لقضايا سلبيَّة، ربما ليست حقيقيَّة، أو انها حقيقيَّة، ولكنها غير مقصودة، من قبيل قيام أحدهم بتصوير العلم العراقي فوق إحدى البنايات العالية، مقلوباً،
 بعد أنْ عصفت به الريح العالية، ما جعله يبدو للرائي مقلوباً، وقد حظي هذا المشهد الذي لا قيمة له، لأنه ليس من المنطق ولا من المعقول أنْ ترفع مؤسسة حكوميَّة علم البلد مقلوباً!.. 
حظي بمشاهدات ومشاركات وإعجابات واسعة جداً، وكأنَّ الناس وجدوا “العلم الإسرائيلي” مرفوعاً فوق تلك البناية!!..، وقطعاً إنَّ ثمة الكثير من المشاهد والأفعال المشرقة في العراق
، مثل فعل واشراقة، “آية الحسني”، ولكنْ يبدو أننا لم نعد نمتلك القدرة على مشاهدة الأشياء الجميلة، بعد أنْ أصبحنا سلبيين متشائمين حد النخاع، فرائحة التشاؤم باتت تملأ الأرجاء، وصوت جلد الذات يصل الى نهاية العالم، واللون الأسود هو الطاغي، وكأنَّ البلد لا تسكنه سوى الشياطين، وان هي إلا سويعات لينهار كل شيء!! 
حتى النخبة، وللأسف الشديد، التي ينبغي أنْ ترى الأشياء بعينٍ مختلفة، باتت تنظر بعين التشاؤم الى كل شيء.. وأمسينا، نسمع أرقاماً ومعلومات لا تمت للواقع بصلة، لا لسببٍ
، إلا لأننا نعشق اللون الأسود، فنعمل على تضخيم السلبي وتقزيم الإيجابي، ففي كل يوم نسمع ونرى مَن يردد، أرقاماً مرعبة عن الواقع 
العراقي.
فهناك من يتحدث عن “متلازمة الأربعة ملايين” !! ومن تلك الأربعات الملايينية:
٤ ملايين يتيم..!!
٤ ملايين أرملة..!!
٤ ملايين مطلقة..!!
٤ ملايين عراقي هجروا الوطن..!!
٤ ملايين طفل يعملون في الشوارع..!!
٤ ملايين خريج عاطل عن العمل..!!
٤ ملايين… ٤ ملايين.. ٤ ملايين.. الى آخر الأربعة ملايين، فاذا جمعنا هذا الأربعات المليونيَّة، نجدها تشكل ضعف عدد سكان العراق حالياً!!، والا،
أين طلبة الجامعات؟..
أين العاملون في القطاع الخاص؟..
أين العاملون في مؤسسات الحكومة؟..
أين طلبة المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانويَّة؟..
أين ربات البيوت؟..
أين المتزوجات؟..
أين المتقاعدون؟..
أين المعلمون؟..
أين المدرسون؟..
أين منتسبو القوات الأمنيَّة؟..
أين الأطباء؟..
أين المحامون؟.. 
أين الصحفيون؟..
أين المهندسون؟..
أين الفلاحون والمزارعون؟.. 
أين وأين وأين؟..
فكم يشكل هؤلاء من السكان؟!!
وقطعاً، أنا هنا لا أتحدث عن تجميل واقع سيئ يعاني الكثير من الاختلالات الهيكليَّة والبنيويَّة في الكثير من المفاصل، فواقعنا العراقي يحتاج الى جهودٍ كبيرة لتصحيح المسارات وتحقيق التنمية المستدامة، ولكن في المقابل، يجب ألا تكون نظرتنا للأشياء من زاوية واحدة، إنما يجب أنْ تكون نظرة متوازنة وعادلة، فمثلما نؤشر مواطن الخلل في الجسد بغية معالجتها، علينا أيضاً أنْ نشير بوضوح الى الجوانب الإيجابيَّة في حياتنا، وهي ليست قليلة أيضاً، من أجل تشجيع الواقع الإيجابي، والعمل على زيادة بقعة الضوء، بدلاً من إطفاء الأنوار، فنفقد بوصلتنا، ثم نجلس نلعن الظلام، لأنه لا يتيح لنا رؤية الأشياء في كنفه.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق