العراق اليوم

الموت السريري للدولة العراقية

يخبرنا العلم ان سلوك الرجل والدولة متشابهان في نواحي عديدة،  وأهمها البحث عن المصالح و تحمل المسؤولية أمام العائلة بالنسبة للرجل، ومثله  الدولة،  بتحمل مسؤولية المجتمع ككل. الرجل يستخدم عقله ومهارته في تأمين مصالح عائلته والدولة تستخدم مؤسساتها كعقل يدير شؤون المجتمع وتأمين خدماته ومصالحه . أنهما  يتشابهان ايضا من منظار السعي ، فالرجل الحائر يسعى ويجتهد لأيجاد حلول للمشاكل التي تواجه عائلته، وكذلك الدولة الحائرة،  فهي في بحث وسعي وأجتهاد دائم لأيجاد حلول للمشاكل التي تواجه مجتمعها، ودون شك لها من الأدوات ربما أكثر مما هو متاح للأفراد ، بل هي من يوفر هذه الأدوات لأفراد المجتمع لمساعدتهم في حياتهم وحل مشاكلهم وتطوير مهاراتهم وتوفير الفرص لهم ، وهذا يعود على الدولة بفوائد متبادلة لكليهما. كلا الرجل والدولة الحائرين حالة ايجابية:  تبحث وتجتهد وتدرس وتخطط.  الرجل الحائر يسعى لأيجاد مكان افضل في الحياة ،ويجد الوسائل للوصول لهدفه ،  والعلم يقول : ماسعى فرد لهدف الا ووصل اليه ( وثبتت هذه النظرية حاليا في علم النفس والأجتماع  ولعل خير مثل عليها هي قصة الشيخ الصيني الذي سخر الناس عليه كونه بدأ بحفر نفق في جبل ليختصر الطريق على سكان قريته للوصول الى سوق يقع على السفح الأخر للجبل  كان ياخذ منهم طول النهار للوصول اليه ولكنهم انضموا اليه بعد سنة من بدء أول ضربة بمعوله ).  كذلك الدول الحائرة تستطيع الوصول الى اي هدف تشاء أن كانت تبحث وتسعى عن حلول لمجتمعاتها.
الأمر نفسه ينطبق على الرجل النائم والدولة النائمة – فكلاهما ينتظر من الغيب ان يجد حلا لما يواحهانه وتحل لغة الأنتظار لحدوث معجزة محل العقل والمثابرة (مثل انتظار الناس لخروج الأمام المنتظر في العراق ليقضي على الفساد والفاسدين ويقيم العدل). 
والواقع ان الرجل العادي في العراق حائر ويسعى، أما الدولة فهي نائمة ، او ربما ألأصح هي في حالة موت سريري، فلا تجد لها أثراً في مدن مخربة وشوارع محفرة ومليئة بالقمامة واسلاك سائبة في كل متر مربع ولاتجد تنظيم مرور ولا أثر لتخطيط حضري او ريفي او حتى بدائي  تقوم به الدولة لتنظيم وتسهيل حياة الناس. هناك مدارس لاتشبه المدارس ومستوصفات لا تشبه المؤسسات العلاجية وهناك بلديات لا أحد يعرف ماهي خدماتها بل وهناك وزارات  لاترى غير موظفيها و يمكن القول أنها شبابيك لتوزيع الرواتب من عوائد النفط وليس من أعمال موظفيها وتدار من قبل تاجر يمتلك الوزارة يدعى وزيرا يديرها كشركة خاصة به وليس مؤسسة عمومية وهو موظف فيها عليه ادارتها لخدمة الناس. 
العراق ايضا دولة عائمة فلا تعرف اين تتوجه في مهب الريح إن هبت او تعوم في مجرى الفيضان إن زخة من الأمطار سقطت ( وإلا كيف تفسر ان 600 نفر من أوباش داعش سيطروا عام 2014 على نصف العراق تقريبا)،  ولو كان الماء عديم الطعم والرائحة واللون ولكنه سبب الحياة، فالدولة العراقية كونها عديمة التواجد و الفعل و الأنتاج وبخيلة الخدمات فهي تهدم الحياة والفرص لأبنائها وهم ابناء الرافدين, ضد الحياة.
 وتجتمع في الدولة العراقية كل صفات العدم في الماء ولكنها تتفوق عليه : فهي عديمة النظام  الأقتصادي (لاهو اشتراكي ولا هو راسمالي) ، كما انها عديمة العقيدة (فلا هي علمانية ولا هي دولة دينية) , والأنكى من ذلك أنها عديمة الوطنية (القائمون عليها يسرقونها ويهربون اموالها في حساباتهم في الخارج) ، كما هي عديمة المسؤولية امام مواطنيها و ما أؤتمنت من أنهار وارض وشجر وزرع وجبال ونخيل ورثته من ايام حمورابي ونفط توزعه رواتب لا للبناء.
اقول هذا ولكني أؤمن، وربما الكثير منا كذلك، ان هذا الشعب الأبي سيقوم ويثأر لمعاناته ، ويلفظ الزمر المنحطة التي تسيطر على مقدرات دولته: تدعي الدين الآن حيث يقوم له  المقام ، كما ادعت بالأمس العروبية يوم كان المقام للبعث المجرم . وإذا كان الأمام المهدي المنتظر على ألأبواب ، فثقتي بشعبنا انه سيسبقه بلفظ هذه الزمرالمنحطة في  مايسمى “الدولة الخرافية” ليقيم دولته “الدولة العراقية” ، كونه يحمل في جيناته تراث سبع امبرطوريات وخمسة الاف عام من العيش بأباء وعمل وأجتهاد وقاوم وجوده امام كافة الموجات- فهو شعب أصيل وإن أنهكته المصائب من كل طوق.  
      د. لبيب سلطان- كاليفورنيا

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق