اخبار العراق الان

باليت المدى: إمنح ولا تحرق

 ستار كاووش

كيف ينظر الرسام الى عمله وكيف يطوره ويجتهد لمنحه خطوات جديدة؟ لتحقيق ذلك عليه أن لا يتكئ على الموهبة وحدها، حتى لو كانت عظيمة،

بل عليه أن يشعر بأن كل معرض جديد، هو بمثابة أول معرض له، بكل ما تحمله الكلمة من لهفة ومغامرة وإنتماء، فالرسم هو اللغة وهو جواز السفر، إنه القفز بين جغرافيا هذا العالم، حيث الإقامة والترحال معاً. وهذا الشغف بالفن -إن كان حقيقياً- ليس له أن يتوقف أبداً، ولا يمكن لشعلة روح الفنان أن تهدأ مهما حدث، بل يكبر هذا الهيام ويتسع مداه كلما إمتدت الخبرة على بساط الزمن، ويظل الفنان يتعلم من كل شيء أمامه، لكن عليه أن لا يقلد الآخرين حرفياً، وفي ذات الوقت يستفيد من خبراتهم المختلفة، ينظر لهم -مهما كانت مكانتهم- كمعلمين أفذاذ يمكنه الاستفادة منهم بشكل أو آخر، لأن كل شخص بإمكانه ان يهبنا درسه الخاص، وكل شيء يمكن أن يمنحنا بعض الضوء، حتى الاضافات الصغيرة بإستطاعتها ايضاً أن تضيء جانب من العتمة التي بداخلنا، على أن لا نسقط في مطب محاكاة الآخرين، ويكون لكل منا طريقه الشخصي. 

أشعر دائماً بأن طير السعد يحلِّق فوق رأسي وأنا أرسم، إنه تعويذتي التي تدفعني دائماً الى الأمام، لذلك أحاول أن أكون سعيداً بما أقوم به، لأن المتعة بالنسبة لي هي أساس وفحوى العمل الفني سواء كانت هذه المتعة أثناء الرسم، أو حين أراها تنعكس على وجوه زائري المعارض، لذلك لا تثيرني المواضيع الضخمة والكبيرة، بل انحاز الى العلاقات الجمالية الصغيرة التي تربط الأشياء وتجعلها أكثر دفئاً وحميمية، وأحاول أن أصنع جنتي من إيماءات الأصابع، إغفاءات العيون، خصلات الشعر المنسابة على الجبين وحتى بقع الضوء التي تتخلل النافذة لتستقر على الستائر الملونة. 

ذات مرة دخل رجل بسيط متمهل الخطوات الى أحد معارضي، وبعد أن تنقل بين اللوحات، إقترب مني قائلاً (بصراحة، أنا لا أفهم كثيراً في الرسم وتقنياته وأساليبه، ولا أعرف بالضبط ما الذي يمكن أن أقوله عن لوحاتك، لكني متأكد من شيء واحد فقط، وهو إن هذه اللوحات قد منحتني نوعاً من السعادة، وعكست في نفسي نوعاً من الرضا، أعرف أنه من الصعب شرح ذلك، لكني سأخرج من هنا مرتاح البال، اشكرك) وخرج يسحب خطواته بتأنٍ بعد ان تركني حائراً بين بساطته وعمق روحه، لحظتها شعرت بأني كنتُ أرسم طوال حياتي لهذا الرجل. وقبل سنتين كنت أقدم محاضرة في مدينة مالمو السويدية (في المكتبة العامة للمدينة) عن أعمالي وتقنياتي في الرسم، وقد عرضتُ أثناء ذلك، مجموعة كبيرة من لوحاتي على شاشة واسعة، بطريقة العرض الضوئي، وبعد انتهاء المحاضرة إقتربت مني إمرأة سويدية شابة، يشع الضوء من وجهها، ودَنَتْ مني بخجل لتقول (لوحاتك أدخلتني في عالم غريب وغامض، كنتُ أبحث دائماً عن شكل للفردوس، وبعد مشاهدة أعمالك، عرفت بأن ما ترسمه هو صورة الفردوس الذي أبحث عنه).

رائع أن يسعى الفنان منذ بداياته للبحث عن طريقته الخاصة في الرسم، وأن يقوم بذلك حتى لو أشاح عنه كل الناس ولم يُعجب بأعماله سوى رجل واحد وامرأة واحدة، فهذا أفضل من أن يتظاهر بعبقرية منسوخة من فنان آخر، وهو بذلك سيحرق مشواره الفني بنفسه. ومدهش أن يعرف الفنان اليافع إن الأشياء الصغيرة والبسيطة يمكن أن يقوى عودها بالصدق والمثابرة وبما تحمله من أصالة، لتكون نواة عبقرية قادمة. 

عليك فقط أن لا تخاف من طرح رأيك، وقَوِّي ثقتك بما تقوم به إن كان نابعاً من داخلك حقاً وليس من دواخل الآخرين، أشرِق بشمسك الصغيرة، وإجعل نورك يعم المكان، واسْقِ زهورك اليانعة بيديك لتصبح حديقتك عامرة، إمنح ولا تحرق، فرغم أن عود الثقاب يمكنه ان يحرق غابة كاملة، لكن شجرة واحدة من حديقتك يمكنها أن تمنحنا مليون عود ثقاب، فإختر بين أن تكون غابة عامرة أو رماد عود ثقاب.

باليت المدى: رصيف بغداد

2019/07/06 06:52:28 م

تلويحة المدى: أبو نوّاس المصريّ

2019/07/15 06:54:35 م

تلويحة المدى: هل الطبيعة موضوع شعريّ مهجور في الشعر العربيّ التقليديّ؟

2019/07/08 08:48:54 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق