اخبار العراق الان

ضيّفه المقهى الثقافي في لندن..الفنّان بسّام فرج الساخر في الرسم وصاحب الدُعابة السوداء

عدنان حسين أحمد

ضيّف “المقهى الثقافي” بلندن الفنان بسّام فرج في أمسية ثقافية وفنية انضوت تحت عنوان “بسّام فرج وستون عاماً من الرسم الساخر”

ساهم في تقديمه الفنان التشكيلي المعروف فيصل لعيبي الذي اعترف منذ البدء بأن مشاعره مختلطة وهي تجمع بين الفخر والاعتزاز والزهو بهذا الصديق الفنان الذي تعرّف إليه قبل ستة عقود، ويعتبره علامة فارقة في الرسم الساخر الذي يمتد إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي التي شهدت البدايات الأولى للصحافة الساخرة في العراق ابتداءً من “مَرقعة الهندي” و “كنّاس الشوارع” و “المجرشة”، ثم صدرت جريدة “حبزبوز” عام 1931 التي احتضنت الرسوم الساخرة لفنانين كبار من طراز سُعاد سليم، مصطفى طبرة، فائق حسن، عطا صبري وحافظ الدروبي. نوّه لعيبي إلى ظهور الفنان الساخر غازي عبدالله الذي اقترنت رسومه الكاريكاتيرية الحاذقة بتوظيف الأمثال، والبَسْتات، والأغاني الشعبية بأسلوب شيّق، ورشيق، ولاذع حتى أن العديد من النقّاد قالوا بأنّ بسّام فرج قد خرج من معطف غازي عبدالله. يعتقد لعيبي أن بسّام فرج قد انبثق من هذا المنعطف الحسّاس الذي وصل فيه الرسم الساخر في العراق إلى جدار صلد، فإمّا أن يقفز عليه أو يتراجع. وقد وصف حقبة غازي بالكلاسيكية فيما نعتَ رسوم بسّام بالحداثية التي تجمع بين البساطة، والوضوح، و”الفيكَر “الجديد الذي لم يُستعمل من قبل، كما أنّ إدخاله للمواد والتقنيات الجديدة قد منحت العمل الفني الساخر معطيات لم تكن موجودة سابقاً. ومن عباءة بسّام ظهر فنانون جُدد أمثال مؤيد نعمة، منصور البكري، عبدالرحيم ياسر وآخرون لا يسع المجال لذكرهم جميعاً ففتحوا بوابات ونوافد جديدة تحمل أشكالاً ومضامين مدهشة. أشار لعيبي بأن بسّاماً لم يكن رسّاماً ساخراً فقط، وإنما كان ناقداً اجتماعياً جاداً، وصاحب موقف في القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية. أعاد لعيبي إلى الأذهان الموقف الشجاع الذي اتخذه بسّام فرج حين أصدر “الوالي” خير الله طلفاح تعليمات تقضي بطلاء سيقان النساء اللواتي يرتدين “الميني جوب” بالصبغ، وقصّ الشعور الطويلة للرجال. ورغم أن النظام كان في أوج قوته وعنفه وغروره رسم بسّام شرطياً يحمل علبة صبغ، وبيده فرشاة عريضة، بينما كانت عينه مصوّبة على امرأة ترتدي تنّورة قصيرة. وقد ظلت هذه الرسمة الساخرة معلّقة في القسم الفني لمجلة “ألف باء” وكانت أشبه بالرصاصة الحقيقية التي تحدى بها جبروت السلطة البعثية وكان مستعداً لأن يتحمل تبعاتها المعروفة للجميع.

رسّام الكاريكاتير، كان وما يزال، يعاني من ضغوطات الحكومات المتعاقبة. ورغم تبدّل الأنظمة إلاّ أنّ المسؤول العراقي ما يزال يخشى من رسّام الكاريكاتير. وما من مسؤول رسمه إلاّ وخلقَ له مشكلة كبيرة، وهذا الأمر ينسحب على كل رسّامي الكاريكاتير في العراق، فهم مُقيّدون، ومقموعون لذلك تراهم يهاجرون بحثاً عن متنفّس حقيقي للحرية. وقد أورد بسّام أربعة أمثلة لهذا القمع الممنهج أولها اعتقال فنان الكاريكاتير عبد الحليم ياسر ثم إخلاء سبيله بعد احتجاجات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومداهمة الفنان سلمان عبد في كربلاء لأنه نظّم معرضاً لا ينسجم مع توجهاتهم الفكرية، فهُرِّب من الباب الخلفي لكنهم حطموا لوحاته الفنية برمتها. أما الفنان الموهوب أحمد الربيعي فقد رسم شخصية إيرانية لم يذكرها المحاضر (علي خامنئي) دفعت بأنصاره في العراق إلى الهجوم على مبنى الجريدة وضربها بالقنابل، فهرب إلى السليمانية ومات في ظروف غامضة. وفي السياق ذاته عاد إلى زمن النظام الاستبدادي السابق الذي ضايق غالبية الفنانين الذين يختلفون معه ولا يتناغمون مع توجهاته الفكرية الأمر الذي دفع بمؤيد نعمة إلى مغادرة العراق إلى الأردن حيث مكث هناك مدة طويلة وعاد إثر سقوط الصنم وعمل في صحيفة المدى حتى وافته المنيّة وهو بين أهله وذويه.

شغف مبكّر بالكاريكاتير

توقف بسّام فرج عند بعض المحطات الأساسية في حياته، فمنذ صغره كان يتابع عدداً من الصحف العراقية التي يقتنيها والده مثل “البلاد” و “الزمان” وينتظره حتى يفرغ من قراءتها ليتأمل بشغف الرسوم الكاريكاتيرية قبل كل شيء. ورغم أنه كان رسّاماً في البداية يرسم بالزيت والباستيل والألوان المائية لكنه سرعان ما تحوّل إلى رسم الكاريكاتير بسبب الأوضاع التي كانت تدفعه لمزاولة الرسم التهكمي الساخر، كما أنه كان معجباً برسومات غازي عبدالله، وحميد المحل، وعلي فتّال. ويبدو أنّ اعتقال بسّام فرج عام 1963 وحجزه في مركز شرطة العبّخانة قد ولّد لديه ردّ فعل على مُصادرة حريته الشخصية فبدأ ينشر رسوماته الساخرة في مجلة “القنديل” عام 1964، ثم انتقل بعدها إلى مجلة “المتفرّج” الأسبوعية التي كان يرأس تحريرها مجيب حسّون الذي شاهد رسوماته وأعجب بها، وكان يعطيه أجراً على الرسومات التي تجد طريقها إلى النشر. انتقل بعدها للعمل في جريدة “صوت العرب” ومنها إلى مجلة “أهل النفط” التي يرأس تحريرها جبرا إبراهيم جبرا حتى مجيء النظام البعثي الذي بدأ يحجّم حرية الصحافة ويفرض قيوداً صارمة عليها فرُفض بعض رسومه في مجلة “صوت العمال” قبل أن ينتقل إلى دار الجماهير للصحافة التي استقطبت كل الصحفيين والفنانين مثل صادق الصائغ، وفيصل لعيبي، وصلاح جياد حيث أصدرت الوزارة مجلة “ألف باء” الأسبوعية التي طغت على كل الصحف والمجلات بسبب القدرات الهائلة للكوادر الصحفية والفنية العاملة فيها.

بقي بسّام يعمل في مجلة “ألف باء” حتى عام 1974حيث حصل على زمالة من اتحاد الصحفيين العالمي إلى هنغاريا ثم عاد إلى العراق مرتين لكن اشتداد الهجمة على القوى الوطنية دفعته للرحيل النهائي من البلد والاستقرار في هنغاريا حتى يومنا هذا.

الخشية من أعداء الثقافة

لم يحظَ رسّام الكاريكاتير على مرّ العهود والأنظمة المتعاقبة في العراق بأي اهتمام، ولم يحصل على المال مقابل أعماله الفنية بخلاف الدول العربية التي تمنح الفنان ما يؤمِّن له هاجس العيش الكريم، وأكثر من ذلك فهو يخشى من المليشيات، وأعداء الثقافة، وبعض المسؤولين الذين يعمدون إلى تجهيل المواطن العراقي. نظّم بسّام في السنوات الأخيرة عددًا من المعارض الشخصية في بودابست، وهولندا، والسويد، وهو منهمك منذ عشر سنوات في الرسم الساخر يومياً لجريدة “المدى” العراقية التي تدعم المثقفين والفنانين العراقيين. كما تحدّث عن تجربته في مجلتيّ “مجلتي” و “المزمار” اللتين أحبهما الأطفال لأنها شخصياتهما عراقية. ورغم المضايقات والأعين المتربصة به تحمّل بسّام وأقرانه هذه المصاعب وعملوا لفترة طويلة من الزمن قبل أن يضطروا لمغادرة من الوطن والعيش في المنافي الأوروبية.

تجربة جريدة (تاتو) الثقافية في غاليري مجيد

2019/07/09 07:38:55 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق