اخبار العراق الان

أرسكين كالدويل في نصف قرن من الإبداع..علامة فارقة في الأدب الاميركي

بندر عبد الحميد

يثير اسم كالدويل ذكريات حميمة لدى قراء الأدب الأميركي في القرن العشرين، من خلال مؤلفاته التي كشفت عن أشكال غير معروفة من العنف والفساد والفقر ووحشية الجنوب الأميركي،

في مختلف العلاقات السائدة بين مواطنيه، بيضاً وسوداً، وجاءت هذه المؤلفات في نحو خمس وعشرين رواية، ومئة وخمسين قصة قصيرة وطويلة، واثني عشر كتاباً منوعاً في موضوعات مختلفة، أهمها كتابه «سمّها تجربة» الذي حمل خلاصة تجربته في الحياة والكتابة، وترجم إلى أكثر اللغات الحية منذ عام 1951، وصدرت طبعته العربية عن دار المدى.

على مدى أكثر من نصف قرن كان اسم أرسكين كالدويل (1903 – 1987) مرتبطاً بنجاحات مدهشة في الكتابة التي تثير القارئ العادي والقارئ المثقف معاً، حيث كتب رواية «أرض الله الصغيرة» التي نشرت عام 1933 واحتلت مكانها في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في العالم، إلى جانب أفضل رواياته الأخرى، وهي «طريق التبغ» و«أرض المآسي» و«بيت في المرتفعات» و«الحب والمال» و«غريتا» و ” مكان يدعى استرفيل” و “آخر ليلة من الصيف” و “الدروب الجنوبية” و “صبي من جورجيا” وقصص”نحن الأحياء”، وفي عام 1942، انتقل كالدويل إلى موسكو مراسلاً حربيأ لتغطية أخبار الحرب العالمية الثانية، وصدرت رسائله النارية بعد ّذلك في كتابين: “موسكو تحت النيران” و “روسيا في الحرب”.

إن اهتمام كالدويل بالبيئة الجنوبية الفقيرة، التي عاش وعمل فيها، متنقلاً بين مدنها وأريافها، أعطاه صفة الكاتب الجنوبي الحر، وهذا ما جعل رواياته وكتاباته الأخرى تحظى بحفاوة خاصة وانتشار واسع في أوروبا الشرقية في بدايات الحرب الباردة، ما أثار عداوة بعض الكتاب الأمريكيين المحافظين له، فاتهموه بأنه ذيل لموسكو، وقبل ذلك، في أوائل الثلاثينيات، أقامت جمعية نيويورك لمكافحة الرذيلة دعوى قضائية ضد نشر روايته «أرض الله الصغيرة» بتهمة إنها إباحية، ولكن خمسة وأربعين من الكتاب الأميركيين وقفوا ضد هذه التهمة، فصدر قرار المحكمة بتبرئة هذه الرواية التي لا يمكن اتهامها بالإباحية إذا قرئت ككل متكامل، ومع ذلك ظل كالدويل يعاني من سلطة الرقابة، أكثر من أي كاتب أميركي آخر من معاصريه، ولكنه كان يعرف ما يريد، ورد على الاتهامات التي وردت في كتابات بعض النقاد، في تصريح لصحيفة «ساترداي ريفيو» يقول: إذا كنت حريصاً على الآراء النقدية الجيدة من النقاد فعليك أن تتوقف عن كتابة أي شيء. 

ولد آرسكين كالدويل في جورجيا عام 1903 وانتقل مع عائلته من مكان إلى آخر في ولايات كارولينا وفرجينيا وفلوريدا وتنيسي قبل عودته إلى جورجيا. 

وفي الثامنة عشرة من عمره كان يطمح إلى متابعة دراسته الجامعية، فمارس أعمالاً يدوية شاقة، فإلى جانب اهتمامه بلعبة كرة القدم عمل في جني القطن وفي ناد ليلي، وفي معصرة لزيت القطن، ومساعد طباخ، وسائق سيارة أجرة، وعامل مطبعة، وكانت بواكير أعماله الكتابية مراجعات صحفية للكتب الجديدة، وإنجاز القصص القصيرة التي أخذ بعضها طريقه إلى النشر بصعوبة، كما عمل مراسلاً لصحيفة «أتلانتا جورنال» لتغطية أخبار الوفيات، ولم تكن الأجور مجزية أو مضمونة وهو ما حدث معه في عمله اليدوي في تنضيد الحروف وجمع الأخبار القصيرة والتعليقات في الصحيفة الأسبوعية «جيفرسون ريبورتر» التي يديرها تشارلي ستيفنز: 

«عندما عاد تشارلي إلى البلدة امتلكت ما يكفي من الشجاعة لأسأله عن أجري, وحسبت أنه مدين لي بأجر سبعة أسابيع من العمل في الصحيفة، بدا تشارلي مندهشاً حين ذكرت له الأمر، تبعته عبر غرفة المطبعة وسألته مرة أخرى عن أجري، فقال وهو يهز رأسه ببطء ووقار: هل توقعت مني أن أدفع لك مالاً مقابل تعلّم المصلحة؟» 

كل هذه التجارب، والأجواء التي احتك بها كالدويل في أرجاء الولايات الجنوبية في المعامل والمدارس والمزارع والصحف، أعطته خبرة خاصة بالعلاقات الاجتماعية وعلاقات العمل ووجوه العلاقات العاطفية، والنماذج الخاصة من الناس الذين انعكست صورهم في كتاباته الروائية والقصصية المختلفة. 

في عام 1936 التقى كالدويل بالمصورة الصحفية الشهيرة مارغريت بورك ـ وايت، وخلال فترة زواجهما التي امتدت ست سنوات عملا معاً كمراسلين لمجلتي «فورشن» و«لايف» ونشرا مقالاتهما المصورة في أربعة كتب مثيرة، كان أولها عن الجنوب الأميركي، وكانت الكتب الأخرى عن أوروبا الشرقية والشرق الأقصى. وحين أعلن وليام فوكنر قائمة بأسماء أهم خمسة كتاب في الأدب الأميركي المعاصر برز بينها اسم كالدويل، إلى جانب همنغواي وتوماس وولف ودوس باسوس وفوكنر نفسه. 

يقول كالدويل: «إن كل ما أريد فعله هو أن أحكي قصة، بأفضل ما أستطيع» ولهذا كان كالدويل يعيد كتابة بعض أعماله عشر مرّات أو أكثر. 

تحولت بعض أعمال كالدويل إلى نصوص وعروض مسرحية وأفلام سينمائية، وأهمها كانت رواية «طريق التبغ» التي عرضت في مدينة المسارح «برودواي» على مدى سبع سنوات ونصف، وعرضت على مدى سبعة عشر عاماً في نحو عشرين عاصمة أجنبية، وتحولت إلى فيلم سينمائي عام 1941، من إنتاج شركة فوكس للقرن العشرين. 

كذلك تحولت رواية «أرض الله الصغيرة» إلى فيلم واسع الانتشار، في حين كانت لكالدويل تجارب عمل في هوليود في ثلاث فترات متقطعة منذ أوائل الثلاثينيات إلى أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، شارك خلالها في كتابة سيناريوهات الأفلام وكما حدث مع فوكنر وتنيسي ويليامز، لم تكن تجربة كالدويل مع شركات الإنتاج السينمائي مجدية. 

في «سمّها تجربة» ذكريات حياة كاتب جريء، بدأ من نقطة الصفر، وعانى من الجوع والإرهاق والفقر، ليشق طريقه الوعرة إلى قمة الإبداع والشهرة. وكانت رسائل المعجبين من القراء تتراكم أمامه، وتتزايد لتصل إلى عشرة آلاف رسالة في الأسبوع ولكنه لم يستطع أن يرد عليها كلها، وحملت بعض هذه الرسائل أسئلة عن حياته الشخصية وعلاقته اليومية بالكتابة، وكانت أجوبته على بعضها تأتي مختصرة على النحو التالي: 

تعلمت بالخبرة، ومن خلال تجربة الصواب والخطأ والعمل الدؤوب إلى أن أرضى عما أكتبه. 

يسعدني دائماً اكتشاف أن لشخوصي المتخيلة أندادها في الحياة الواقعية. 

لا أستخدم كلمة طويلة من عدة مقاطع صوتية حينما تفي بالغرض كلمة أبسط وأقصر، ولا أستخدم كلمة صعبة تجبر القارئ على العودة إلى المعجم لفهم مدلولها أو تهجئة حروفها. 

أعمل من الساعة التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءً، ستة أيام في الأسبوع، وعشرة أشهر في السنة. 

حينما دعي كالدويل إلى حفل تكريم في ولاية جورجيا عام 1985 لاحظ أنها تغيرت كثيراً، فكتب يقول: إنني سعيد لأنني كتبت ما كتبت.. ثمة متغيرات كبيرة حدثت في جورجيا وفي الجنوب، وإذا كانت إحدى قصصي قد فتحت عيني أحد ما فهذا يعني أنني نجحت.

رهانات الأدب في عصر العولمة

2019/07/09 08:02:57 م

ثقافة نخبوية باهية..نجيب المانع يكتب في الموسيقى والأدب

2019/07/06 06:48:24 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق