العراق اليوم

تيمور الأنفال… الناجي من مقابر السماوة الجماعية

تيمور عبدالله احمد، المعروف بتيمور الأنفال، احد الناجين من جرائم الأنفال التي ارتكبها نظام المقبور صدام حسين ضد ابناء شعب كوردستان في ثمانينات القرن المنصرم. 

(تيمور الأنفال) كتاب مترجم من الكوردية الى العربية، وهو عبارة عن حوار مطول مع الشاب تيمور الذي نجا من المقابر الجماعية للكورد في السماوة، حيث كان احد الناجين من مقبرة الشيخية في منطقة نقرة السلمان بمحافظة المثنى والتي تم فتحها يوم الثلاثاء 23/7/2019.

في الحوار الذي اجراه الكاتب والصحفي الكوردي عارف قورباني، وترجمه الكاتب والصحفي سوران علي، يتحدث الشاب تيمور عن حياته وما تعرض له هو واسرته واهل قريته (كوله جو) التابعة لادارة كرميان، وكيف تم نقلهم الى السماوة، والتفاصيل المثيرة في كيفية نجاته من عمليات الانفال والدفن في المقابر الجماعية. 

 

تيمور الأنفال 

عارف قورباني

ترجمة: سوران علي

 

اهداء

الى رفيقتي وزوجتي (دنيا) كاحدى ضحايا الجينوسايد والتي استشهد ستة اعضاء من عائلتها في حلبجة، ولانها عون لي في عملي وكتابي هذا ثمرة اخذي من وقتها.

 

كلمة لابد منها

طوال سنوات عملي في مجال الانفال، بين جميع تلك الادلة والوثائق والشهود التي كانت في المتناول، ومن مجموع المعلومات التي استحصلناها، كنت اشعر بفراغ حيث لا يمكن الكتابة عن الانفال ما لم تسجل المعلومات التي عند تيمور. لقد الفت العديد من الكتب عن الانفال وتحدثت الى الشهود في احداث الانفال من ضحايا وحتى الجلاد، وقابلت الذين تعرضوا للانفال ونجوا بسبب ما، والذين كانوا معتقلين في (طوبزاوا) التابعة لكركوك وكانت مركزا لجمع المؤنفلين والذين اخذوا الى معسكر (دوبز) والذين نقلوا الى (تكريت) مدينة صدام واحتجزوا هناك وكذلك الذين ارسلوا الى نقرة السلمان وحتى (فرج وعزير و واحد ورمضان) الشبان الاربعة الذين عادوا من المقابر الجماعية في صحاري جنوب العراق وهم مصابون، توقفت عندهم جميعا وسجلت معلوماتهم بدقة، ولكنني كنت اشعر بفراغ في كتابة ذلك التاريخ حيث لا يمكن ان نقول ان معلوماتنا كاملة ما لم نضف اليها قصة (تيمور). وعلى الرغم من ان منظمة مراقبة حقوق الانسان (ميدل ايست وتش) كانت قد اعلنت باهتمام بعض المعلومات على لسان تيمور، وكذلك اجرى الكاتب العربي (كنعان مكية) لقاء معه، وكان كل ذلك في المتناول، الا ان المرء كان يشعر في كليهما بنقص كبير ويشعر ان معلوماتهما ليست وافية وان (تيمور) يحتاج الى وقفة اطول. 

لذلك كنت منذ سنوات ارغب في اجراء مقابلة مع تيمور تملأ الفراغ في المعلومات عن الانفال، وكان قد انتقل الى امريكا منذ عام 1996 ولم يكن الوصول اليه سهلا، وبعد سقوط صدام في عام 2003 توفر نوع من التسهيلات لتحقيق هدفي هذا. حاولت عدة مرات وبطرق مختلفة ولكنني لم انجح في ذلك، وقد اتفقنا في عام 2009 على اجراء اللقاء ولكن بعد عودته الى كردستان كان منزعجا وقلقا لمدة، فاجلناه تلك المرة ايضا وعاد هو الى امريكا. بحثنا الموضوع عدة مرات اخرى الى ان اتفقنا على اجراء اللقاء صيف عام 2013.

بدانا الجلسة الاولى من اللقاء ليلة السابع عشر من تموز في (مجمع الصمود) ناحية رزكاري في الساعة التاسعة مساء واستمرت حتى الساعة الواحدة ليلا، وقد انجزنا جزءا كبيرا منه. وقد ذهبت مرتين في الثلاثين من أب (اغسطس) والحادي عشر من ايلول (سبتمبر) الى كرميان واجريت اللقاء في المنزل نفسه الذي يقيم فيه تيمور الان في حي المؤنفلين. وطوال الساعات التي كنت اسأل فيها تيمور كان يرد علي وهو يدخن السجائر الواحدة تلو الاخرى، وفي اغلب الاحيان كانت الدموع تملأ عيوننا فكنا نوقف اللقاء لفترة.

ادركت منذ بداية اللقاء ان حزنا عميقا يعذب تيمور، كان يريد ان يبدد همومه بدخان سجائره. كان كما يقول انقسم قلبه الى جزأين جزء كان عنده هو والاخر عند المقابر الجماعية في الصحراء، ولكنه كان يتمالك نفسه عند رواية الاحداث التي تبدو انها كانت طوال السنوات الـ(25) التي مرت على الانفال تجول في ذاكرته كل ليلة كشريط مصور. كانت المشاهد امام عينيه تبدو وكأنه ينظر الى صورة، حتى ان مشاهد الطفولة وفترة طويلة ما قبل الانفال كانت محفوظة في ذاكرته جيدا.

كانت احدى امنياتي ان اعيش حتى اتحدث الى الناجين الخمسة من الانفال. كنت منذ زمن بعيد وانا ارغب بتسجيل ذكريات ومعلومات تيمور هذه، وكان هو ايضا يرى انه من المهم قبل توديعه الحياة ان يسجل ما جرى له وما رآه كما هو ويصبح جزءا من تاريخ شعبه. لذلك لم نكن نبالي بان اللقاء سيطول وما كان مهما بالنسبة لنا هو ان تكتب قصة حياة تيمور.

هذا الكتاب الذي بين يديكم هو النص الكامل للمقابلة وربما غيرت فيها من ناحية الصياغة والكلمات والا فان كلها عبارة عن قصة حياة تيمور وليس كلامي انا.

اعتقد انه لو لم ينجو تيمور من المقابر الجماعية للنساء والاطفال المؤنفلين ولم يعد حيا لبقيت كتابة احداث الانفال ناقصة الى الابد، فقد كان تيمور الشاهد الوحيد الحي الذي يعلم مصير النساء والاطفال المؤنفلين، فاذا ما فارق تيمور الحياة لسبب ما قبل اجراء المقابلة لا سامح الله كما حصل مع (انور طيار وحمه علي عليان) الذين نجيا من الانفال وقد لقيا حتفها في احداث مختلفة، لبقيت صفحات من احداث الانفال غير مكشوفة. لحسن الحظ فقد منحنا العمر مجالا لذلك واعطاني الله القدرة على اجراء اللقاء ولما تبقى من العمر آمل ان تؤمن السلطة الكردية حياة لائقة لتيمور بحيث تعوضه عن المعاناة والآلام التي تعرض لها في الماضي.         

 

*تيمور المؤنفل اسم بارز ومعروف الى حد ما، ولكن اذا بدأت اسئلتي بدعوتك الى التعريف عن نفسك ماذا سيكون ردك؟

– في الحقيقة هذا صحيح فانا معروف الى حد ما، ولكن قصص ومعاناة واحداث الانفال ليست عبارة عما يذكر او اعرف به فقط، اسأل الله تعالى العون لتنشيط ذاكرتي حتى اتذكر جميع الاحداث واسرد قصة حياتي من خلال هذه المقابلة، ساحاول كذلك ان اذكر لك الاحداث التي لم اذكرها من قبل ولا يعرفها الناس، ولتصبح هذه المقابلة قصة تيمور الحقيقية.

 

*شكرا لك وبعون الله سيكون كذلك، ولكن لم تقل لي من هو تيمور؟

– اسمي تيمور عبدالله احمد، في الحقيقة لا اعرف تاريخ ميلادي فقد كان والدي يقول انني كنت مشاكسا جدا عند طفولتي حيث قطعت جزءا من شهادة احوالي الشخصية وبالصدفة كان الجزء المقطوع يقع في المكان الذي يكتب فيه يوم وشهر وسنة الولادة. يبدو ان مصيري كان ان ابدأ حياتي بهذا الشكل وان لا اعرف تاريخ ميلادي الى ان اوصلني القدر الى الايام التي عرفت بها بتيمور المؤنفل.

 

* وما هو المكتوب الان في شهادة احوالك الشخصية وجواز سفرك فيما يخص تاريخ ميلادك؟

– بعد الاحداث بفترة طويلة وضعت تاريخا لميلادي وهو 1/1/1976 وهو مسجل في شهادة الجنسية وجواز السفر وجميع معاملاتي.

 

* ولكن هل ذلك التاريخ دقيق؟

– ماذا تقصد؟

 

*اقصد هل اعتمدت في تحديد تاريخ ميلادك على مصدر موثوق؟ هل زرت دائرة الاحوال الشخصية او اطلعت على سجل النفوس الخاص باسرتك او على الاقل هل اخذت معلومات من خالك او عمك مثلا؟

– كلا لقد وضعت ذلك التاريخ بنفسي.

 

*ولماذا لم تسأل دائرة الاحوال الشخصية او اقاربك الذين لا يزالون على قيد الحياة؟

– لم ازر دائرة الاحوال الشخصية ولا اعتقد ان سجل اسمائنا باق هناك وكذلك اعمامي لا يعلمون.

 

*كيف عرفت انهم لا يعلمون وانت لم تسألهم؟

– يا اخي لم يكن انذاك كزماننا هذا الذي يعرف الشخص متى يولد طفله، كانت شهادة الاحوال الشخصية لنصف اطفال الكرد انذاك مكتوب فيها انهم ولدوا في 1/7، سواء اكان ولد في الشتاء او الربيع او الخريف فانهم كانوا يكتبون انه ولد وفي الاول من تموز. اما في الارياف فاذا تذكروا تاريخ الميلاد كانوا يعلمون السنة فقط وذلك عن طريق الاحداث فكانوا يقولون مثلا في عام المجاعة او عام البعثيين اوعام انهيار الثورة فقد سجل في ذاكرتهم على ذلك النحو، وحين حصلت على هوية الاحوال الشخصية خمننا انني ولدت عام 1976 وذلك باخذ سني في الاعتبار.

 

*ما اسم والدتك؟

– والدتي، آههههه، كان اسمها سارة محمد محمود.

 

*ومن اية منطقة كانت؟

– كوله جو.

 

*ووالدك؟

– هو ايضا من اهالي كوله جو.

 

*كان الزواج خلال تلك الفترة يعقد بين الاقارب او في اطار عدة قرى، هل كانت هناك علاقة قرابة بين والديك؟

– لا اعتقد ذلك، واذا وجدت تلك العلاقة فانها كانت بعيدة.

 

*هل تعلم تاريخ ميلاد والدك؟

– نعم ولد عام 1953.

 

*ووالدتك؟

– كلا، لا اعرف تاريخ ميلادها.

 

*الا ترغب في معرفته او لم تتمكن من ايجاده؟

– في الحقيقة ياسيد عارف لم تجل الاسئلة التي تسألها الان في بالي يوما.

 

*لماذا؟

– ربما يعود جزء من السبب الى كوني لا ارغب في العودة الى تلك الايام.

 

* هل تستطيع ان تنقطع عن ذلك الماضي؟

– كلا لا استطيع ولا ارغب في ذلك، اعيش دائما مع تلك اللحظات، ولكن مع ذلك لا اريد ان اعمق جراحي بنفسي.

* هل ستعمق جراحك اذا سالت نفسك تلك الاسئلة او بحثت عن اجابات لها؟

– بالتأكيد. اتعلم ان شهادة الاحوال الشخصية لوالدتي محفوظة في بيت عمي لـ(25) عاما ولم اتجرأ حتى الان ان اذهب لمجرد رؤيتها احب كثيرا ان القي نظرة عليها لانها امي، ولكنني اخشى ان لا اتحمل الم رؤيتها.

 

* اعتذر لانني آلمتك، لم يكن من المفروض ان اسال تلك الاسئلة، اردت بهذه البداية ان اساعد ذاكرتك للعودة الى ما قبل الاحداث والى اسرتك وحياتكم الطبيعية في القرية حتى نروي قصة تيمور بدقة، اتفضل الان ان نبدأ من اللحظات التي اعتقلت فيها من قبل الجيش؟

-لا، استمر في اسلوبك، لقد رأيت من قبل اعمالك حول الانفال واعجبتني كثيرا كما ان ذلك الاسلوب افضل لي، بفضله تعود الي ذكرياتي ولتسجل كلها للتاريخ. كنت اقصد انني لم اسأل نفسي تلك الاسئلة لانها كانت تزيد من آلامي، اما الان فالوضع مختلف فها انت تسجلها وستصبح جزءا من تاريخ الكرد.

 

*كم كان عدد افراد اسرتك؟

– كنا ستة افراد، والدي ووالدتي وانا واخواتي الثلاثة.

 

* كنت في الـ(12) من العمر حسب اعتقادك حين افترقتم عن بعض واعدم جميعهم رميا بالرصاص وبقيت وحدك، هل تستطيع ان تتعرف على صور والدك ووالدتك وأخواتك الان؟

– وكيف لا استطيع التعرف عليهم، لم تفارق صورهم ناظري منذ ذلك الحين فكيف انسى اشكالهم.

*اذا كنت تمتلك موهبة فنية او كنت فنانا تشكيليا ولديك القدرة على رسم مافي حياتك في لوحة، كيف كنت سترسم والديك واخواتك؟

– وضح لي الهدف من سؤالك اكثر.

 

*اريد ان اعرف كيف كان شكلهم وهل بقوا كما هم في ذاكرتك؟

– نعم، ستبقى صورهم في بالي الى ان اموت وساتعرف عليهم في يوم الحشر وان كانوا بين ملايين من البشر. كان والدي رجلا طويلا بعض الشيء، عريض المنكبين ذو بشرة بيضاء وشعر اسود وله عينان وحاجبان كبيران، وكان لديه شارب اسود مائل عكسه الى الاعلى من نهايته، وكان يبدو كرجل روغزائي حيث كنا من الجاف الروغزائيين. لا امدحه لانه كان والدي بل كان بحق رجلا وسيما جدا. كان يلف رأسه بكوفية سوداء تصل الى جبينه. ولا يفارقني شكل والدتي دائما فقد كانت سمراء ذات وجه صغير وبشرة حنطية. كان لون شعرها جميلا جدا مائل الى بني داكن. اما اخواتي فقد كن تشبهن والدي ولديهن بشرة بيضاء وعيون وحواجب كبيرة وشعر اسود. كانت كيلاس التي تكبر الاخريين نحيفة ولها قامة طويلة الا ان الاخريين لم تكن قامتهما قد ظهرت بعد.

 

* وانت في اية مرتبة كنت بين اخواتك؟

– كنت اكبرهم تأتي بعدي كيلاس ثم لاولاو وبعدها تأتي سنور.

 

*هل ولدتم انتم الاربعة في كوله جو؟

– كلا، انا ولدت في هواره برزه فيما ولدت لاولاو وسنور في كوله جو اما كيلاس فلا اعرف اين ولدت.

*الم تقل ان والديك كانا من اهالي كوله جو وكان منزلكم هناك، فلماذا ولدت في قرية اخرى ولا تعرف اين ولدت اختك كيلاس؟

– انتقل والدي الي قرية (هواره برزه) قبل ولادتي وهي قريبة من كوله جو وقد ولدت هناك ثم عاد ابي الى قريته الاولى.

 

*الم تسأل ابدا عن سبب انتقاله وعودته؟

– نعم لقد سألت عن ذلك، يقولون انه كان يعاني من مشاكل عشائرية في قريته بسبب الاراضي وقد طرد ابي وجدي من القرية وقد استقر جدي لفترة في قرية (دروزنه).

 

*كم كان يبلغ عدد سكان كوله جو؟

– كانت قرية كبيرة تضم حوالي 40 الى 45 عائلة.

 

* هل كانت الكهرباء قد وصلت اليها؟

– كلا.

 

*وهل كانت فيها مدرسة؟

– نعم، كانت لدينا مدرسة وفيها حتى الصف السادس الابتدائي.

 

*وقبل افتتاح المدرسة في القرية هل كانت فيها مدارس دينية كما كان شائعا انذاك في بعض القرى او كانت فيها تكية دينية؟

– كلا لم يكن فيها حتى مسجد ايضا.

 

*من اين كان يأتي معلمو القرية، هل كان بينهم احد من اهالي القرية درس في المدينة واصبح معلما ثم عاد الى قريته؟

– كلا، لم اسمع ان يكون بيهم معلمون من اهل القرية.

 

*وانت هل درست في المدرسة؟

– نعم درست حتى الصف الثاني الابتدائي.

 

*اذا كان تاريخ ميلادك صحيحا فلابد ان تكون درست حتى الصف الخامس او السادس خلال عمليات الانفال، لماذا درست حتى الصف الثاني الابتدائي؟

– قبل عمليات الانفال بسنوات لم تبق المدرسة في القرية حينها كانت الحكومة تقوم بقصفنا باستمرار وقد تم سحب المدارس من المنطقة لذلك درست حتى الصف الثاني والا فان عمري كان اكبر من ذلك.

 

*هل تتذكر اسم احد من المعلمين في القرية؟

– نعم، كان لدينا معلم اسمه حسن اعتقد انه كان من اهالي دروزنه، وكان هناك معلم آخر من اهالي سرقلا ولكنني لا اتذكر اسمه. وبعد عمليات الانفال كان المعلم حسن يقيم في الصمود وحسب علمي توفي بعد ذلك بسبب المرض.

 

* وكم كان عدد الاطفال الذين كانوا في عمرك ويدرسون معك؟

– اعتقد انه كان في صفنا 20 طالبا.

 

* هل تتذكر اسماء زملائك في الصف؟

– آزاد عطا، سامان كان ابن عمتي وقد أونفل، سيروان حسين وكان اخو سامان أنفل هو الاخر ورأيته في المقابر الجماعية يعدم رميا بالرصاص امام عيني، هؤلاء هم من اتذكرهم.

 

* كيف كان مستواك كطالب؟

– لا امدح نفسي فقد كنت شاطرا، اتذكر انني كنت كثيرا ما افهم الدروس وكان المعلم يقول للطلاب ان يصفقوا لي. كنت حذقا وكان والدي يساعدني في دروسي في البيت.

 

* هل كان والدك متعلما؟

– نعم.

 

*كيف تعلم، هل كانت هناك مدرسة في قريتكم خلال طفولته؟

-لا، بالتاكيد لم تكن هناك مدرسة عندما كان والدي صبيا. ولا اعرف ان كان درس في كلار او كيف تعلم ولكنني اعرف انه كان متعلما.

 

*الم تسأله او تسأل اعمامك عن كيفية تعلمه؟

– كلا.

 

* وماذا كان يعمل والدك؟

– كان فلاحا.

 

* وكيف كنتم تؤمنون معيشتكم؟

– كنا في القرية منشغلين بالفلاحة وقد انتقلنا لفترة الى كلار واظن ان والدي عمل هناك الى ان تم استدعاؤه للخدمة العسكرية، بعد ذلك عاد مرة اخرى الى قريته. اتذكر انه كان يقول لابد ان ادخل في صفوف الجحوش (قوات كوردية تابعة للحكومة) في المدينة وهذا مالا اقبله، او اصبح جنديا واذهب لأقتل ومن سيربي اطفالي من بعدي، وبعد فترة انتقلنا مرة اخرى الى كوله جو.

 

* اذا فما تتحدث عنه كان خلال الحرب العراقية الايرانية؟

– لا اعرف اية حرب كانت، لانني في الحقيقة سمعت نهاية عام 1988 او 1989 في السماوة ان ايران والعراق خاضتا حربا بينهما.

 

*ماهي الذكريات الاولى التي طبعت في مخيلتك ولم تنساها؟

– اتذكر كل ما حدث وما رأيته وما جرى لي اثناء عمليات الانفال.

 

* اقصد قبل ذلك، حين كنت طفلا ماهو الامرالذي تتذكره وتشعر انك لا تتذكر شيئا قبله؟

– اتذكر الكثير من الطفولة، حياتنا في المنزل، تعاملي مع والدي ووالدتي واخواتي، اتذكرالحروب حين كانت الحكومة تقتل الناس في قريتنا، كانت الطائرات تقصفنا واحرقت سيارة عم امي وكان اسمه خورشيد، وقد احرقت الطائرات مرة اخرى سيارة عطاء حاج حه مه جان واتذكر انها كانت من نوع بيك آب، ولكنني لا اعلم في اية سنة وقعت تلك الاحداث لكنها باقية في مخيلتي.

 

*حدثني عن الحياة في قريتكم بعد عودتكم من كلار الى كوله جو؟

– كل ما اتذكره هو المعاناة، كانت حياة القرية تشبه ساحة حرب، كانت قوات البيشمركة تأتي الى القرية وتبيت فيها، او تأخذ تركترات وسيارات اهل القرية وتذهب الي منطقة اخرى، واذا علمت الحكومة بذلك كانت ترسل قوات الجيش والجحوش الى القرية، وان تمت ملاحظة اضواء السيارات وهي تتجول بين القرى كانت الحكومة تقصف المنطقة بمدافع بعيدة المدى، كانت الطائرات تأتي في النهار وتطلق النار على الناس، كانت الحياة بشكل عام سيئة ولم نكن نعيش كأشخاص عاديين، خصوصا ان المرء كان فارا من الخدمة العسكرية فان حياته كانت ستسوء جدا، وكان والدي فارا من الخدمة العسكرية، ولم يذهب للالتحاق بالخدمة العسكرية حين استدعي مواليده بمعنى انه كان مختبئا من الحكومة، وبسبب ذلك كنا نعيش دائما في خوف وقلق. ونظرا لكوني صغيرا لم اكن اتفهم بعض المخاطر، وحين كبرت كنت افكر في جميع تلك الامور وادرك مخاطرها. اتذكر انه عند تردد الانباء عن قدوم قوات الجيش والجحوش كان الشباب والفارين من العسكرية في القرية يغادرونها ويلجؤن الى الانهر والتلال التي بنوا فيها اماكن خاصة للاختباء وفي جميع المرات كنت اذهب مع والدي واختبيء معهم، كنت الاحظ ان اصدقاء والدي لا يحبون ان اذهب معهم، كانوا يقولون لوالدي لماذا تأتي بهذا الطفل معك فبمجرد اطلاق رصاصة واحدة سيكشف امرنا من الخوف، كانوا يخشون ان تقترب قوات الجيش والجحوش وانا معهم فأخاف واكشف امرهم. ولكنني كنت متعلقا بوالدي الذي كان بدوره متعلقا بي فكان لا يبالي بحديث اصدقائه وكنت اذهب معه باستمرار ويأخذني معه اينما ذهب حتى اذا كان عند منتصف الليل، كان يحبني كثيرا وكنا مولعين ببعض واصبحنا كصديقين لا نفارق بعضنا ابدا، وحين كان ينشغل بالزراعة ورعاية الاغنام كنت ألازمه، وفي زياراته للقرى الاخرى في المناسبات السعيدة والحزينة كانت يد (تيمور) هذه في يد والده دائما.

في الحقيقة كانت الحياة جميلة في نظري باستثناء تلك المصاعب والمخاطر، كنت اشعر بحب ابي وامي واخواتي، اعتقد اننا كنا عائلة سعيدة. وفي خضم القصف وغارات الطائرات والهروب المستمر كان الحب والحنان يربط بيننا وفي حال وقوعنا في خطر كنا نشعر بنوع من السعادة لاننا كنا معا او على الاقل كان الالم اقل لاننا كنا معا دائما. كان ابي لا يغادر المنزل الا في حال وجود خطر هجوم قوات الجيش والجحوش على القرية او احتمال شن غارات الطائرات فقط الا انني كنت اذهب معه في كل الاحوال، فحين اقول ان الانسان عندما يعاني من الم ما فان المه يخف لو كان مع احبائه، كانت تلك الحالة تنطبق علينا. كانت حياة القرية مليئة بالصعاب والمخاطر ولكنني كنت اشعر ان آلام الماضي تختلف عن آلامي الان وذلك اما لانني اصبحت جزءا من الماضي او لانني كنت مع ابي في الماضي اما الان فلست معه او ربما الآلام هي نفسها ولكن البيئة تخلق الاختلاف. فيما مضى كنا انا وابي وامي واخوتي معا اما الان فأنني اعاني وحدي من مصاعب الحياة والم فراقهم لذلك اعتقد ان آلامي الان هي اشد من آلام الماضي. كثيرا ما اقول ان المواقف الحزينة التي مررت بها مع اشخاص احبهم ستصبح سعيدة فيما بعد. اتذكر انه في احد الايام دخلت قوات البيشمركة القرية وتوزعت على المنازل، وقد استقر اثنان منهم في بيتنا، وحين كنا نتناول الطعام قالوا ان الطائرات تحوم فوق القرية. كان ابي قد بنى تحت سقف شرفة المنزل ملجأ للحالات الطارئة حين تداهم فيها قوات الجيش والجحوش القرية في حال لم يتكمن من المغادرة والاختباء، وفي تلك اللحظة اعد الشخصان نفسيهما وحين اطلق احدهما النار بالكلاشينكوف على الهيلكوبتر من الشرفة استدارت الهيلكوبتر نحو بيتنا فأختبأنا جميعا في الملجأ، واطلقت صاروخا اصاب سجادة كانت امي قد غسلتها ووضعتها على السور الخارجي للمنزل ليجف فقسمها الصاروخ الى نصفين، تأسفت لذلك كثيرا حيث كنا نفرشها في الغرفة التي يجلس فيها الضيوف، كنت اشعر وكأننا لا نملك ما نفرشه لجلوس الضيوف ولن يقصد احد منزلنا بعد ذلك، كنت اقول في نفسي لن يزورنا البيشمركة لانهم يعلمون انه ليس لدينا سجادة يجلسون عليها.

كما اتذكر فان الحكومة قد قصفت قريتنا بالهيلكوبتر والمدفعية عدة مرات حتى انها قد تعرضت للقصف قبل ولادتي. يروى ان القرية شهدت الحروب في زمن الشيخ محمود وثورة ايلول حيث نهبت واحرقت، لا اعرف ماذا دهت الحكومة بشأن القرية فقد كانت تريد لاهلها النزوح والتشرد دائما وان تهدم منازلهم. كنا ابرياء ومنشغلين بحياتنا الطبيعية، كان اهل القرية اما منشغلين بالزراعة او برعاية الاغنام، وكنت اعتقد ان الحكومة كانت تقصفنا لانها لا تحب ان نرعى الاغنام او نعمل في الزراعة، لم اكن افهم لماذا تقتل الهيلكوبترات راع يذهب لرعاية اغنامه او يقصف جرار بالمدفعية عندما يذهب لزراعة الارض، كانت حكومة غريبة تريدنا ان نموت جميعا رغما عنا، ونحن ايضا كنا نكره الحكومة ونخشاها كثيرا، حتى انني اتذكر ان الكبار عندما كانوا يزورون المدينة يرهبون الاطفال اذا ارادوا الذهاب معهم فكانوا يرهبونهم بقولهم ان نقاط التفتيش ستعتقلهم، كان ذلك اخطر شيء يرهب به اطفال القرى.

كان الخطر كبيرا لدرجة كان عدم ذهابنا الى المدينة واقترابنا من الحكومة يعني اننا بمنأى عن الخطر، وكان الشباب ايضا يرفضون الانضام الى الخدمة العسكرية حين يستدعون اليها وكانوا يبقون في القرية لذلك لم يكونوا يتخلصون من الخطر ويعيشون في قلق وخوف دائمين من ان تأتي قوات الجيش والجحوش وتعتقلهم او يقتلوا في قصف المدفعية والطائرات، وكأننا نخوض حربا ونحن في بيوتنا.

 

* هل كنتم تحتفظون بسلاح في البيت؟

– نعم.

 

* اي نوع من الاسلحة؟

– كلاشنيكوف.

 

* وسكان القرية الاخرين هل كان لديهم اسلحة ايضا؟

– ليس جميعهم بل كان المتنفذين منهم يملكون اسلحة.

 

* ماذا تقصد بالمتنفذين واين كان تنفذهم؟

– اقصد بالمتنفذ الميسور من الناحية المالية لان السلاح كان يباع بالمال، ولم يكن الناس يملكون المال في ذلك الوقت، لذلك فمن كان له امكانية مالية يشتري سلاحا.

 

* والبيشمركة الم يكونوا يهتمون بمن لديهم اسلحة؟

– لا، كانوا يرغبون في ان يمتلك كل بيت سلاحا ليدافع اهل القرية عن انفسهم اذا هاجمتهم قوات الجيش والجحوش في غيابهم.

 

* وهل حدث ان جاءت قوات الجيش والجحوش وتمكن اهل القرية من الدفاع عن انفسهم بدون البيشمركة؟

– لم يحدث ذلك في قريتنا حيث لم يكن فيها عدد كاف من المسلحين يستطيعوا القيام بذلك، كان هناك عدد قليل من الاسر يمتلكون الاسلحة. كان الشباب يغادرون القرية عند سماع اي خبر عن مجيء قوات الجيش والجحوش. وقد صادف مرات حين وقعت معارك او ما الى ذلك في القرى القريبة ان لجأنا الى الاختباء. اتذكر في احدي الامسيات عند الغروب انه كانت هناك معركة دائرة قرب سرقلا بين البيشمركة والحكومة فذهبنا انا وابي وخالي عثمان الى فوق تلة قريبة من القرية لتحديد مكان دوي الطلقات وعندما رأينا نيران المدفعية، قلت لوالدي ماذا لو وقعت قذيفة مدفعية امامنا، هيا لنعود الى المنزل، ويبدو ان ابي شعر بخوفي فقال لي في البداية ان لا اخاف وانها مجرد صواعق البرق ولكنها كانت في الحقيقة اصوات ونيران قذائف المدفعية وليست الغيوم. كانت الاصوات تقترب وكأن قلبي يخبرني بان شيئا ما سيحدث كنت اكرر طلب العودة فعدنا مع خالي ووابي الى البيت، كنت خائفا ولا استطيع النوم وكان ابي يعلم انني خائف فضمني وقال لي سننام معا حتى يبدد بذلك خوفي، فنام هو أما انا فلم اتمكن من النوم في احضانه، وفي تلك الاثناء جاء صوت قوي ايقضهم من النوم ففتح ابي الباب وقد رأينا نيران المدفعية على التلة التي كنا نراقب منها، كان والدي يعلم انني اخاف كثيرا فكان يواسيني ويقول من حسن الحظ اننا سمعنا كلام تيمور والا لكانت القذيفة ستصيبنا، كان يتحدث وكأنه يظهر شجاعتي، وكان يتحدث هكذا حتى اتوقف عن الخوف، ثم جاء صوت اخر فركضنا جميعا مسرعين الى داخل الملجأ الذي بناه ابي تحت سقف شرفتنا، وعندما دخلنا الملجأ كانت الارضية رطبة لانها كانت تمطر فدخل الماء الى الملجأ، اتذكر تلك اللحظة جيدا وكأنه يحدث الان امامي ، جاءت والدتي بكومة قش وفرشته في الملجأ فجلسنا عليها. كان الصوت ناتجا من قذيفة مدفع اصابت منزل رستم الحاج حه مه جان فقتلت زوجته وطفلين من اطفاله وجرح طفله الآخر، ان خوفي في ذلك اليوم يشعرني حتى الان بالقشعريرة. لم ينم احد تلك الليلة واستمر النحيب حتى الفجر، وفي الصباح وقبل طلوع الشمس اعدوا القبور وشيعوا الشهداء وقد تركنا القرية في ذلك اليوم من الخوف وهربنا نحو السهول والقرى المجاورة، كنا نخاف من ان تهاجمنا الحكومة ولكنها لم تهاجم تلك المرة، اتذكر كل ذلك وذكرياته لا تفارقني.

 

* هل صادف وان غادر سكان القرية جميعا خوفا من مهاجمتهم من قبل قوات الجيش والجحوش؟

– نعم كثيرا ما كنا نهرب جميعا ونترك القرية ونعود اليها بعد انتهاء الخطر.

 

* واين كان يذهب الناس في تلك الحالات؟

– لم يكن يحدث ذلك في قريتنا فقط وانما كان يحدث في القرى الاخرى ايضا، كان الاهالي يغادرون القرية اذا ترددت انباء عن هجوم وشيك وكانوا اما يتوجهون الى القرى المجاورة او يختبؤون في التلال وقرب الانهر الى ان تعود قوات الجيش والجحوش الى المدينة، عندها كانوا يعودون الى القرية. وفي كثير من المرات عندما كانت الحكومة تهاجم قرية ما وقد غادرها الاهالي قبل ذلك من الحوف كانت قوات الجيش والجحوش تنهب القرية وتسرق اي شيء تكون في طريقها وغالبا ما كانت تحرق المنازل، ولكن اهالي القرى لم يكن يهمهم البيوت والممتلكات، كان الخطر كبيرا بحيث كان انقاذ الناس هو الاهم وقد اعتادت قوات الجيش والجحوش على النهب والسرقة فكانت حين تدخل اية منطقة تنهب قبل كل شيء الاغنام واموال الناس لذلك فان كثيرا ما كان الناس لا يصيبون بمكروه لان قوات الجيش والجحوش كانت تنهب الممتلكات وتعود ادراجها وكان هدفها من ذلك ان لا يستطيع احد العيش في القرى وان يضطروا للعودة الى المناطق التي تقع تحت سيطرتها. وقد اعتاد الناس ايضا على ذلك فكانوا يعيدون بناء البيوت ويبدأون الحياة من جديد.    

 

* وماذا قرر الناس حين شعرتم تماما بان هجوم الجيش على المنطقة قد بدأ؟

– بالنسبة لنا لم نشعر بان ذلك الهجوم يختلف عن الهجمات السابقة حيث كنا نعيش في تلك الحالة باستمرار لذلك كان الناس قد اعتادوا على ضرورة مغادرة القرية والهروب الى السهول والتلال عندما كان الجيش يهاجمهم والعودة الى مناطقهم بعد عودة الجيش.

 

* اذا لم تكونوا على علم بما حدث في المناطق الاخرى؟

– لم اسمع احدا لا في البيت ولا من احد آخر يتحدث عن حدوث شيء في منطقة ما، لم تكن الكهرباء موجودة في القرية كما لم يكن هناك تلفزيون، لم تكن الدنيا كما نراه الان، في يومنا هذا يوجد جهاز التلفزيون في كل بيت وفي كل غرفة في البيوت، اما في ذلك الوقت فكان في القرية عدد قليل من اجهزة الراديو وكانت المحطة الوحيدة التي يمكن ان تتحدث عن الامر هي المحطة التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني التي كانت مشوشة باستمرار وتسمع بصعوبة وفضلا عن ذلك لم تكن تتحدث عن اي هجوم يقع بشكل يرهب الناس بل كانت تتحدث عن عمليات البيشمركة ان نفذت. لذلك كان اهالي القرى يعتقدون ان الحكومة اذا هاجمت منطقة ما فلن تبقى فيها كثيرا خوفا من البيشمركة وانها يجب ان تعود الى المدن. وعندما كانت قوات الجيش والجحوش تهاجم كنا نعلم انها لن تبقى الا لساعات وستعود لذلك اعتدنا على الاختباء من الجيش حتى يعود ادراجه، وكانت قوات الجيش تهاجم في النهار وتعود مسرعة قبل الغروب الى المدن، ولكن قبل فترة من الذي حصل كان الاهالى يتحدثون عن انه اذا اطلقت الطائرات الغازات الكيمياوية فيجب علينا ان نركض مسرعين نحو التلال المرتفعة ونضرم النار او نعد الملح في قطع القماش ونغطي به افواهنا.

 

* من قال لكم انه اذا اطلقت القذائف الكيمياوية ان تذهبوا الى التلال وتغطوا افواهكم بالقماش؟

– كان اهالي القرية يتحدثون عن ذلك.

 

* الم تعطيكم قوات البيشمركة التي كانت تأتي الى القرية تعليمات حول كيفية حماية انفسكم في حال وقوع الهجوم الكيميائي؟

– كلا كان الناس يتحدثون عن ذلك ولم يعطنا احد تعليمات حول ذلك، فلو تحدث البيشمركة عن ذلك لكان الناس يموتون من الخوف.

 

* وبعد ان علمتم بان الحكومة هاجمت حلبجة بالسلاح الكيمياوي؟

– لا اعلم لم اكن قد سمعت اسم حلبجة، كان يقال فقط ان الحكومة قصفت المدنيين وقتلت اعدادا هائلة منهم، وقد سمعت بعد سنوات من ذلك بان حلبجة قصفت بالسلاح الكيمياوي، اظن انني سمعت ذلك في السماوة او في قرية آل عيشم.

 

* كيف كان شعور الناس بعد تردد الانباء عن ان الحكومة ستضربكم بالسلاح الكيمياوي، فقد كنتم تغادرون القرية وتنجون بانفسكم حين تهاجمكم قوات الجيش والجحوش من قبل، هل كان لديكم امل بان تنجوا من السلاح الكيمياوي؟

– كنا قبل ذلك نخاف من الحكومة وبعد تردد تلك الانباء اصبحنا نخشى منها اكثر حيث لم يبق لنا امل في الاختباء في السهول والتلال. كان الطريق الوحيد امامنا هو ان ننتظر حتفنا او نذهب باتجاه المدن واذا حصل ولم نعتقل في الطريق سنقصد منازل اقاربنا في المدن للاختباء واذا اوقفنا في نقاط التفتيش التابعة لقوات الجيش والجحوش سنقول كنا في طريقنا لتسليم انفسنا وفي تلك الحالة لم يكن احد يعلم ماذا سيكون مصيرنا.

 

* هل كانت هناك عائلة اختارت ذلك الطريق؟

– نعم ولكن ذلك الطريق كان خطرا ايضا، وكان عليك ان تذهب متخفيا في كلتا الحالتين فالثورة ايضا لم تكن ترغب في ذهابنا نحو المدن، واذا كان هناك شخص يريد الذهاب كان عليه ان يقوم بذلك متخفيا وفي الليل.

 

* هل لديك معلومات عن ان شخصا وصل الي المدن بتلك الطريقة ونجى؟

– نعم يوجد، فعائلة عمي كانت في قرية دروزنه هربت ليلا الى مدينة كلار واستقرت في مجمع الصمود ونجوا جميعا وقد ارسلوا يطلبون من والدي ان يذهب هو الآخر الى كلار بتلك الطريق لكنه رفض ان يسلم نفسه وكان يقول اذا عدت اما ان اصبح فراسا او عسكريا والله اعلم ماذا ستفعل الحكومة بزوجتي واطفالي. وذات ليلة عادت عائلة من قريتنا الى كلار ولم تتعرض لحملة الانفال ولايزال افرادها على قيد الحياة.

 

* فلم لم يحاول الناس اذا ان ينجوا بانفسهم بتلك الطريقة؟

– قلت ان الثورة لم تكن ترغب في ان يذهب الناس الى المدن، فاذا اراد احد ذلك كان عليه ان يذهب خفية حيث كانت مفارز الجحوش موجودة في الطريق وتعد الكمائن ليلا. بالاضافة الى ذلك لم يكن المرء متأكدا من انه سيسلم في ذلك، ففي المرة التي اعتقل فيها الجميع وجرى لهم ما جرى ترددت الانباء عن ان الحكومة اعلنت عفوا وانها ستمنحنا منازل في المجمعات، فذهبنا جميعا واعتقلنا، كما لم تكن الحكومة تتمتع بمصداقية وكان الكثيرون يعتقدون ان تلك الحملة ايضا ستأخذ ما تأخذ وستنتهي، وعندما تأكدوا انه ليس هناك مخرج للنجاة كانت الحكومة قد احكمت السيطرة على كل المنطقة.

 

* وماذا قرر الناس آنذاك؟

– بعد ان ابلغنا بخبر سيطرة الجيش على المنطقة وهجومه من كل النواحي على القرى ايقننا اننا لن نستطيع اللجوء الى القرى الاخرى وان كل المنطقة واقعة في الحالة نفسها لذلك كانوا يفكرون في طريقة توصلنا الى المدن حيث لم يبق هناك احد يدافع عن المنطقة وكانت الحكومة تهاجم القرى بجيش كبير من كل المدن ارضا وفي السماء تهاجم بالطائرات والهليكوبترات ايضا. كان املنا الوحيد في النجاة هو الوصول الى المدن.

 

* وماذا فعلتم للوصول الى المدن التي كانت املكم الوحيد للنجاة؟

– كانوا قد تحدثوا عن طريق الاقارب والوسطاء مع مستشار لكي يساعدنا ويوصلنا بسلامة الى مجمع الصمود قرب كلار، فتوجهنا نحن الذين قررنا اختيار تلك الطريقة بثلاثة تركترات نحو (تيلكو).

 

* هل كنتم وحدكم؟

– نعم قلت من قرر من الاهالي تسليم انفسهم.

 

* اقصد هل اخذتم اية ممتلكات معكم في التركترات؟

– نعم نعم اخذ كل شخص ما يحتاجه من اغراض.

 

* وماذا فعلتم بالاسلحة؟

– لقد خبأ ابي السلاح تحت الارض، ويبدو ان من كان لديه سلاح خبأه ايضا، كنت احب ان يحتفظ والدي بسلاح حيث لم اكن اشعر انه من الخطر ان يكون معك سلاح وانت تذهب الى المدينة، قلت لابي لماذا لا تجلب معك سلاحك فقال يابني اذا اعتقلنا وبحوزتنا سلاح فسيحاسبوننا وكأننا من البيشمركة، ولكنني رأيت بعد ذلك انهم لم يكونوا يفرقون بين البيشمركة والاطفال الرضع.

 

* متى بدأتم بالرحيل؟

– لا اتذكر الوقت بالتحديد ولكن كان ليلا.

 

* كم كانت تيلكو تبعد عن قريتكم؟

– كانت المسافة تبعد عشرة او خمسة عشرة دقيقة سيرا بالسيارة.

 

* واين ذهب الاهالي الذين لم يقرروا اختيار طريق المدينة مثلكم؟

– عندما بدأنا السير كانوا لايزالون باقين في القرية.

 

* اذا كانت تلك آخر مرة ترون فيها بعضكم قبل الافتراق؟

– كلا فقد التقينا مرة اخرة اخرى تلك الليلة وذلك بعد ساعة واحدة.

 

* هل جاؤوا ايضا الى تيلكو؟

– لا فقد عدنا نحن اليهم.

 

* لماذا عدتم؟

– عندما اقتربنا من تيلكو اطلق الجيش طلقات اضاءت السماء لا اعرف سبب اطلاقها هل كان خوفا على انفسهم حين سمعوا اصوات التركترات او لسبب اخر، فاوقفنا التركترات واطفأنا محركاتها ووقفنا في صمت، كنا نخاف ان يأتي الجيش ويعتقلنا، ذهب عدد من اهالي القرية الى الموقع الذي كان من المفروض ان نلتقي فيه بـ(المستشار طاهر) لينقذنا وبعد فترة عادوا وقالوا لنا انه لم يأت. لا اعلم هل كان المستشار خائفا ايضا او لم يكن عند كلامه، لذلك عدنا الى قريتنا كوله جو وحمل كل واحد اغراضه وعدنا الى منازلنا.

 

* هل استغرق ذهابكم وعوتكم الكثير؟

– ربما استغرقنا ساعة من الزمن لان تيلكو لم تكن بعيدة كما اننا انطلقنا قبيل موعدنا مع المستشار لذلك لم تستغرق عودتنا كثيرا.

 

* هل نمتم تلك الليلة؟

– لا اعلم ماذا اقول، كان خوفنا كبيرا كما ادركنا التعب، نعم نمنا وفي الصباح لا اعرف الوقت بالتحديد ركبنا التركترات متوجهين هذه المرة الى مله سوره التي كانت قرية تضم حوالي 30 عائلة  وتوزعنا على المنازل، بقينا هناك ليومين وكان ذلك صعبا على اهالي تلك القرية لاننا كنا قد ذهبنا وحدنا ولم نأخذ اية اغراض معنا لذلك قرروا العودة مرة اخرى الى كوله جو وجلب الاغراض والطعام وعندما وصلنا الى قريتنا بدأنا نسمع  اصوات الهيلكوبترات والمدافع فانتابنا اليأس وظننا ان الجيش وصل الى القرية، فرفع كل واحد منا من اسطح المنازل قطعة قماش بيضاء مربوطة بعصا كأشارة الى اننا مدنيون ونريد الاستسلام وبعد ان انتظرنا فترة لم تأتي قوات الجيش والجحوش فودعنا القرية وعدنا مرة اخرى متوجهين الى مله سوره.

 

* كم كانت مله سوره تبعد عن قريتكم كوله جو؟

– كانت ربما تبعد نصف ساعة او اكثر بقليل.

 

* مشيا؟

– لا لا بالسيارة، لقد ذهبنا اليها مرتين خلال اليومين او الثلاثة الايام الاخيرة.

 

* اذا فلم يهاجم الجيش قريتكم؟

– كلا لم يأت الجيش بل ذهبنا اليه مجبرين.

 

* ان كنتم تريدون الاستسلام فلم لم تبقوا في قريتكم الى ان يأتي الجيش ولماذا كنتم مضطرين للذهاب نحوه؟

– ربما ليس في استطاعتي ان اصف لك الجو المرعب الذي كنا نعيشه، كان وكأنه يوم القيامة كنا نخاف من كل شيء، لم نكن نعلم ماذا سيحصل في الطريق الذي نسلكه، لم نكن نعلم هل من الافضل ان نبقى في مكاننا او نذهب الى القرى الاخرى، لم نكن نعلم هل سيعتقلنا الجيش او من الافضل ان نسلم انفسنا، كنا مرتبكين وكان خوفنا كبيرا الى درجة اننا كنا نبحث عن الاماكن المكتضة وكنا نحب ان نصل بسرعة الى القرى الاخرى، كنا نظن انه اذا كنا اكثر عددا فان الخوف سيتوزع علينا ويقل، وقد انتشرت دعاية بين الناس تتحدث عن اعلان الحكومة عفوا وان معاملة الشخص الذي سيسلم نفسه ستختلف مع من يعتقله الجيش، وقد انتشرت تلك الدعاية في جميع القرى وعند عودتنا الى مله سوره جاءت مجموعة من اهالي القرى الاخرى بسب ما سمعوه. وفي تلك المرة بقينا ثلاثة ايام وخلال تلك الفترة كان الناس يتوافدون على القرية وبدأت القرية تكتض بهم الى ان اصبحت مركزا لتجمع جزء كبير من اهالي كرميان.

 

* لماذا كان الناس يتوافدون على مله سوره، هل كانوا يعتقدون ان ذلك سينجيهم ام ماذا كان السبب؟

– في الحقيقة لا اعلم لماذا اختاروا مله سوره، هل السبب انها كانت تقع على طريق القرى الاخرى او لقربها من المدينة، او كان هناك من يقول للناس ان يذهبوا الى مله سوره، او كانت الحكومة تريد ان يجتمع الناس هناك ليسهل اعتقالهم، لا اعلم السبب ولكنني اعرف انهم كانوا يتجمعون هناك.

 

* قلت انكم بقيتم تلك المرة في مله سوره ثلاثة ايام، ماذا فعلتم بعد ان اجتمع معظم اهالي المنطقة هناك؟

– نعم في اليوم الثالث من بقائنا رأينا عددا كبيرا من قوات الجيش والجحوش من بعيد وهم يتوجهون الى مله سوره.

 

* متى حدث ذلك اقصد في اي وقت؟

– حدث عصرا.

 

* وماذا فعلتم، كنتم اكبر عددا الم تكن الخطورة هذه المرة اقل من بقائكم في قريتكم؟

– في الحقيقة كانت الخطورة نفسها اينما تعتقل ولكن هذه المرة كان الشعور مختلفا من الناحية النفسية لكوننا اكبر عددا.

 

* هل دخل الجيش مباشرة الى القرية او انتشر حولها؟

– لا، قبل ان يقترب الجيش والجحوش توجه بعض الاهالي نحوهم و تحدثوا مع رئيس للفرسان عما سيفعلوه بنا؟ وقد قال لهم رئيس الجحوش لا تخافوا فقد صدر عفو وسناخذكم ونضعكم في مجمعات وقد اعدت لكم منازل توجد فيها الماء والكهرباء وسنسكنكم فيها وعندما عادوا الى مله سوره توجه الجميع نحوهم حيث كانت حياتهم وموتهم يتوقف على ذلك، عادوا وقالوا للناس ان الحكومة اصدرت عفوا وبنت لنا منازل وستأخذنا وتسكننا في مجمعات.

 

* اذا فقد صدقوا كلام رئيس الجحوش؟

– نعم لقد صدقوا كلامه وعندما اعلنوا الخبر فرح الناس به كثيرا كأن باب الفرج قد فتح لهم حيث كنا خائفين ولم نكن نعلم ماذا سيحدث لنا، وقد اجتمعت تلك المجموعة الكبيرة من الناس هناك املا في منقذ ينقذنا من الفناء، كنا نخشى من ان تأتي الهيلكوبترات وتقصفنا بالكيمياوي او يقصفنا الجيش بالمدفعية من بعيد لذلك كان خبر كهذا مصدر سعادة خصوصا بعد ان سمعنا من قبل ان الحكومة بنت مجمعات في المدن واسكنت فيها عدد من اللذين استسلموا لذلك صدق الناس الخبر بسرعة. سبق وقلت لك ان عائلة عمي وعائلة اخرى في قريتنا قد عادت الى المدينة واسكنت في مجمع الصمود وكان هناك حالات اخرى في كثير من القرى، كان هذا هو السبب الرئيس وراء تصديق كلام رئيس الجحوش. صدقني عندما انتشر هذا الخبر بين الاهالي اللذين اجتمعوا في مله سوره بدا وكأنهم منحوا جائزة لم يكونوا يعرفون ماذا سيفعلون من الفرح فاسرع جميع من كانوا هناك يركبون تركتراتهم وسياراتهم حيث كان اهالي اغلب القرى يمتلكون تركترات في ذلك الوقت بسبب سوء الطرقات وكذلك لانجاز الاعمال في القرى وقد امتلأ السهل بالتركترات وعندما توجهنا من مله سوره الى كلار كنا نشكل قافلة طويلة جدا اتذكر انهم بدوا وكأنهم يتبعون موكبا للزفاف حيث كانوا يتسابقون من بسبب فرحتهم الكبيرة، لو كان الناس يعلمون ان الحكومة ستفعل بهم ما فعلت، لكان هناك في مله سوره مجال للهرب او الذهاب الى مكان آخر ولكن لم يكن احد يتصور ان الحكومة ستعتقل جميع اولئك النساء والاطفال ثم تدفنهم.

 

* هل رافقت سيارات تابعة للجيش او الجحوش الموكب في الطريق من مله سوره الى كلار؟

– نعم لم تكن قوات الجيش والجحوش ترافقنا فحسب بل كانت المنطقة باسرها تحت سيطرة الجيش وقد انتشرت الدبابات والمدرعات واعداد كبيرة من الجيش والجحوش في المنطقة وكانت الهيلكوبترات تجوب السماء.

 

* وماذا كان بحوزة الجنود والجحوش اللذين كانوا يرافقون موكبكم؟

– ماذا تقصد؟ هل تقصد ما كانت بحوزتهم من اسلحة؟

 

* لا، اقصد هل كان لديهم سياراتهم او كانوا يركبون في التركترات معكم؟

– نعم، كان اعداد الناس في مله سوره كثيرة وفيهم من لم يكن يملك تركتر او سيارة وحين توجهنا الى المجمع كما كان متوقعا اركبوا من كان يسير مشيا في مركبات ايفا عسكرية وكان الجنود والجحوش يسيرون بمركبات ايفا وسيارات لاندكروزر امام ووراء الموكب كما كان في كل سيارة او تركتر احد من الجنود او الجحوش يحرس الركاب.

 

* وانت اين ركبت في التركتر؟

– كنت في المقدمة وكان عمي (عمر) يقود التركتر وكنت انا وابي وعدد من الرجال نجلس في المقدمة اما امي واخواتي ومجموعة من النساء والاطفال فركبوا في العربة وكانت جدتي راكبة معنا في التركتر ايضا وقد وضعوها في طوبزاوا مع المسنين وارسلوها الى نقرة السلمان واطلق سراحهم بعد عدة اشهر، ولكنها بكت كثيرا بعد فقدانها جميع ابنائها وما شاهدته من مآسي مما ادى الى تدهور حالتها النفسية قبل وفاتها بفترة.

 

* هل كان هناك من الجنود او الجحوش من يحرسكم في التركتر؟

– كان معنا جندي عربي.

 

* اين كان يركب في التركتر؟

– كان يركب في العربة، يتكيء على حافتها واحد رجليه داخل العربة والآخر على الباب وكان يحمل سلاحه بيده وهو مربوط بحزام حول رقبته.

 

* الى اين وصلتم بتركتراتكم بعد مله سوره؟

– الى قوره تو.

 

* وكم كانت تبعد قوره تو من مله سوره؟

– في الحقيقة لا اعلم، ربما استغرقنا ساعتين.

 

* قلت فيما سبق ان الجيش والجحوش جاؤا الى مله سوره عصرا، فمتى وصلتم الى قوره تو؟

– نعم كان الوقت عصرا حين وصل الجيش، ولكن استغرق ذهاب عدد من الرجال اليهم وعودتهم ثم بدأ الناس بالسير فترة، لا اعلم في اية ساعة بدأنا السير بالتحديد ولكن عند وصولنا الى قوره تو كان الوقت غروبا.

 

* ماذا كانت قوره تو؟ حدثني عنها؟

– كانت قوره تو كأنها مجمع صغير او قرية كبيرة ولكن الحكومة بنت فيها قلعة عسكرية كبيرة كانت تستعملها آنذاك كمعتقل لجمع اهالي كرميان وقد ابقوني هناك الى ان تم نقلنا الى طوبزاوا قرب كركوك.   

 

* حين اخذوكم الى قوره تو للاعتقال الم تسألوا رئيس الجحوش عن الامر فهو الذي كان قد ابلغ الناس بصدور العفو وأخذكم الى الصمود؟

– قبل وصولنا الى قوره تو وخلال الطريق كان كل واحد منا يتخيل الحصول على منزل في المجمعات وبدء حياة جديدة، ولكن رأينا ان الطرق قد اغلقت وعند وصولنا الى قرب الصمود كانت النساء تنحبن وتلطمن في الطريق وكان الجنود والجحوش يطلقون الرصاص فوق رؤوس الناس الذين كانوا يتوجهون نحونا وهم يلطمون. كنا نعتقد حتى ذلك الحين ان العفو امر حقيقي وقد بنوا لنا مجمعات لانهم لم يسجلوا اسماءنا في مله سوره وحتى لم يفتشوا الناس وقد بدأنا السير جميعنا بتركتراتنا وسياراتنا لم تكن نيتهم تبدو سيئة ولكن عندما رأينا تلك المشاهد قرب مجمع الصمود بدأت الاقاويل تتردد بين الناس عما سيفعلونه بنا وعن المكان الذي سيأخذوننا اليه، وبدأ الخوف والقلق ينتاباننا من جديد خصوصا بعد ان اجتزنا الصمود وفقدنا الامل في ان يأخونا الى المجمع وتأكدنا تماما من ان نية الحكومة سيئة الا انني لا اصدق ان احدا كان قد فكر في الذي سيفعلونه بنا كما فعلوا لاحقا حيث كان عدد الناس كبيرا ومعظمهم من النساء والاطفال، كنا نتصور ان يعتقل الفارون من الخدمة العسكرية ويجندوا ولكن لم نكن نعتقد ان الحكومة ستعتقل النساء والاطفال، كنت حزينا واقول في نفسي انهم سيعلمون بامر فرار ابي من الخدمة العسكرية وسيعتقلونه وسيفرقوننا عن بعض. كنت كثير الاعجاب بوالدي لذلك كنت اعلم انه سيصعب عليه افتراقنا ايضا، كنت اعتقد انني ساكون معه اذا اعتقل فيشفقون عليه بسببي ويطلقون سراحه كما كنت اخشى الا يطلقوا سراحه ويعتقلوني معه ايضا فماذا سيحل بأمي واخواتي ومن سيرعاهن. كنت ادعو الله ان ينقذنا جميعا ونعود لنعيش في مجمع الصمود او كلار. كنا نخشى في مله سوره ان نقع في يد الجيش والجحوش ويقوموا بقتلنا، وهناك فقدت الامل من الحياة وكنت وكأنني انتظر الموت ولكن انتعشت آمالي عندما ذهبوا الى رئيس الجحوش وابلغهم بانهم سيأخذوننا الى المجمع وبدانا السير بالتركترات، كنت افكر في العودة الى المدرسة وكنت اقول في نفسي ترى هل سيقبلونني من جديد في الصف الثاني لان من كانوا في مثل عمري يدرسون في الصف الخامس والسادس ومع ذلك كنت اقول في نفسي هل يعقل ان لا تأخذ الحكومة في حسبانها ان قريتنا كانت محرومة من المدرسة لسنوات. كنت اواسي نفسي متخيلا وانا امسك يد اخواتي في الصباح وآخذهن معي الى المدرسة. كنت اقول في نفسي ان الهيلكوبترات لن تقصفنا في المجمع ولن نقصف بالمدفعية ولن يهاجمنا الجيش والجحوش ولن تغلق المدارس بسبب الحروب ولكن عندما اجتزنا الصمود وسمعت نحيب النساء في الطريق والائي كن يبكين علينا تلاشى املي بالعودة الى المدرسة وحياة المجمع، ومع اننا لم نكن نعرف شيئا عن الحياة في المجمع الا انني قد صورت من تلقاء نفسي بان الحياة هناك اجمل وانني ساعود الى المدرسة. حين اجتزنا الصمود باتجاه كلار ومن هناك نحو قوره تو كنت اعلم ان المجمع افضل من ان لاتعرف الى اين سيأخذوك وماذا سيحدث لك. وقد تكرر مشهد الصمود داخل كلار ايضا وكانت النساء والاطفال يقتربون من موكب التركترات وهم يبكون فكان ذلك مصدر خطر كبير بالنسبة الينا اذ كان يبدو ان الناس يعرفون الى اين سيأخذوننا وكان ما سيحدث لنا يدفعهم الى البكاء ولكننا لم نكن نعلم ماذا سيكون مصيرنا.

 

* هل كان هناك من وصل قبلكم عند وصولكم الى قوره تو؟

– نعم كان هناك الكثير من الجنود.

 

*وهل كان هناك اشخاص اخذوا مثلكم من القرى الى هناك؟

– كلا، عندما وصلنا لم يكن هناك احد وكنا نحن الوجبة الاولى وعندما اخذونا الى قرب القلعة كنت اشعر بخوف كبير في وجوه الناس حيث كانت تلك المرة الاولى التي نرى فيها بناية كبيرة ومرتفعة بذلك الحجم، كانت المنازل في قريتنا مصنوعة من الطين وكانت جميعها عبارة عن عدة غرف وذات طابق واحد ونادرا ما كان يبني احد غرفة صغيرة على سطح منزله حيث لم تكن المنازل تتحمل، ولكن تلك القلعة كانت كبيرة ومرتفعة جدا وتبدو انها تتسع لجميع اهالي قرى المنطقة بل ومنازلها ايضا, كان المشهد مرعبا من بعيد. عندما اخذونا الى امام القلعة لاحظت عدم وجود بوابة ودخلت جميع التراكترات الى داخل فناء القلعة وبعد وصولنا كان الجميع مصدومين وينظرون الى كل ما حولهم ويتأملون ضخامة القلعة وارتفاع طوابقها وفنائها الواسع. كانت التركترات مصطفة ونحن في الطريق وكأنها سبحة كنا كثير العدد ولكن عندما اخذونا الى داخل فناء القلعة في قوره تو كان عددنا يبدو قليلا نظرا لضخامة القلعة وقد احتلنا جزءا صغيرا من الفناء وكانوا خلال بقائنا هناك يأتون باشخاص آخرين الا ان القلعة كانت تتسع لعدد اكبر من اهالي القرى الاخرى.

 

* هل فتشوكم عندما نقلوكم الى القلعة؟

– لا اتذكر انه تم تفتيشنا هناك.

 * كم ابقوكم في قوره تو؟

– ابقونا لعشرة ايام كما اعتقد.

 

* وكيف كانوا يعطونكم الماء والطعام خلال تلك الفترة؟

– لم يعطونا اي طعام كانوا فقط يأتون بالماء للناس عن طريق التنكر.

 

* وكيف تحمل جميع الاطفال والنساء الجوع لعشرة ايام؟

– كان الناس معهم اغراضهم لان معظمهم غادروا قراهم مثلنا متوجهين الى المدينة وقد جلبوا معهم الطعام وبعض الاغراض المنزلية، ماتركناه في القرى كان عبارة عن الاشياء التي لايمكن نقلها بسهولة كالصناديق وخزان الاسرة والافرشة، حتى ان الكثيرين منهم ساقوا المواشي معهم ايضا وحين وصلوا الى الطرق الرئيسية القريبة من المدينة نهبها الجيش والجحوش. واذا وجدت عائلة ليس معها شيئ كنا نتعاون فيما بيننا، لم نشعر بالجوع خلال الايام العشرة التي قضيناها في قوره تو ولكن كان الماء قليلا رغم انه كان هناك تناكر تجلب لنا ماءا كثيرا الا ان ذلك لم يكن كافيا لان عدد الناس كان كبيرا وكانوا يزدادون يوميا كما كان الجو حارا ولم يكن لدينا ما نخزن فيه الماء حين يوزع، لذلك كنا نفتقر الى الماء.

 

* من كان يحرسكم خلال فترة تواجدكم في قوره تو؟

– كان المكان معسكرا في الاصل وكان يعج بالجنود.

 

* ما كان لون زي الجنود؟

– كان رماديا مائلا الى الاخضر.

 

* وماذا كانت الاسلحة التي بحوزتهم؟

– كان الكثير من الجنود يحملون اسلحة كلاشنيكوف، كما كان هناك من ياَتون لتسجيل الاسماء او يبحثون عن اشخاص محددين هؤلاء كانوا يحملون مسدسات. وكان بعض الجنود في الطريق الى قوره تو يحملون بنادق من نوع بي كي سي في سيارات الايفا واللاندكروزر كما كان هناك العديد من الدبابات والمدرعات والمدافع والطائرات.

 

* الم يأتي الجحوش مع الاهالي اللذين تم جمعهم في قوره تو؟

– كلا، كان الجحوش معنا في الطريق من مله سوره  حتى قوره تو، ولم نرهم بعد ذلك.

 

* كيف كانت حراستكم داخل القلعة؟

– كانت القلعة عبارة عن بناية دائرية كبيرة ذات طابقين من يدخلها لن يجد طريقا للخروج، اما الجنود فكانوا في الغالب يجتمعون عند بوابة الدخول الى القلعة كما كانوا يجلبون اشخاص آخرين باستمرار وكانوا يبتعدون عنا ولا يقتربون من الناس الا لتسجيل الاسماء وعند مجيء التناكر.

 

* هل كنتم على علم بأخبار خارج القلعة؟

– نعم فقد كانوا يجلبون الناس باستمرار وكان كل منهم من قرية ومنطقة معينة فكانت الاخبار تنتشر بسرعة، كنا على علم بما يجري يوميا وكم قرية اخرى هدمت، لم اكن على علم بتلك الامور ولكنني كنت اسمع ابي والرجال عندما كانوا يتحدثون عن الوجبة الفلانية التي جاءت من المنطقة الفلانية، كانوا يتحدثون عن الاماكن التي وصل اليها الجيش فقد هدمت الحكومة خلال تلك الايام العشرة منطقة كرميان باكملها حسب ما كانوا يقولون وجاءت بسكان جميع القرى الى قوره تو.

 

*هل حاول احد الفرار؟

– لا اعلم ولكن اذا اراد احد ذلك كان يستطيع القيام به.

 

* كيف كان يستطيع ذلك في ظل وجود كل اولئك الحراس وكما تقول كان للقلعة مدخل وحيد؟

– لم اكن في ذلك الوقت اشعر بالامور كما انا الان ولا استطيع ان اقول لك كيف كان يستطيع احد الهروب، ولكن كان ابي وخالي وبعض الرجال الاخرين يذهبون الى سطح القلعة خلال تلك الايام العشرة وكنت اذهب معهم احيانا وكانوا ينظرون الى المجاميع التي كانوا يأتون بها الى قوره تو فقد كانت واضحة من بعيد، وقد سمعت ابي وهو يقول لخالي في احد الايام كنت ساهرب لو لم يكن معي اطفالي.

 

*اي من اخوالك كان معتقلا معكم؟

– خالي عثمان.

 

* اذا لقد رأيتم من سطح القلعة مكانا يمكنكم الهروب من خلاله؟

– لا اعلم اين كان ذلك المكان الذي كان يتحدث عنه ابي، اعلم فقط انه كان يقصد بكلامه سطح القلعة ولا اعلم ان كان يقصد القفز من خلف القلعة او كان قد وجد مكانا اخر. كنت اشفق على ابي، ماذا كان يجري لو انه عمل بكلام عمي حين ارسل في طلبه في القرية يحثه على تسليم نفسه اما هو فكان يقول ان سلمت نفسي فأما ان اصبح جنديا واقلت ولن يعرف احد بامري او اصبح فرسانا. وكان يقول ايضا لن اقوم باي من الامرين بل سأبقى هنا والله كريم. كنت اقول في نفسي عندما كنا خائفين ولا نعلم ماذا سيجري لنا ليت ابي لم يكن فارا من الخدمة العسكرية فقد كنا سنعود الى المدينة وان كل ما يجري لنا هو بسبب كونه فارا اما حين كنت اسمعه قوله في قوره تو كنت ادرك انه لم يكن يفكر في النجاة بنفسه بسببنا انا وامي واخواتي وانه كان يريد ان نكون معا مهما يحصل. لقد كان على حق عندما يقول لوعدت فان الله وحده يعلم ماذا ستفعل الحكومة بزوجتي واطفالي. وبعد ان رأيت ما جرى لكل اولئك النساء والاطفال الرضع والمسنين فهمت ان الحكومة ستتعامل معنا بنفس الطريقة مهما كنا واننا اكراد ويجب ان نموت.

 

* هل نقلوا اية مجموعة من الناس من قوره تو الى مكان اخر خلال الايام العشرة التي قضيتوها هناك؟

– عندما اخذونا الى هناك كنا نحن الوجبة الاولى ولم يكن هناك احد قبلنا، وبعد ذلك وخلال الايام العشرة وحتى في الليل كانوا ياتون باشخاص آخرين. يبدو كأنهم اعتقلوا الجميع خلال تلك الايام العشرة، وفي اليوم الحادي عشر بدأوا بنقل الناس، جاؤا بعدد كبير من الشاحنات المدنية (قلاب من نوع مان) واعتقد ان الدور كان حسب قراءة الاسماء او ما الى ذلك او كأنهم طلبوا ان يظل من اعتقلوا معا كما كانوا، لا اعرف بالضبط كيف كان ذلك، لانهم لم يسجلوا اسماءنا في البداية عندما جاؤوا بنا وخلال الايام العشرة كان حملة الدفاتر والمسدسات يأتون وربما قد سجلوا اسماءنا، بدأوا بنقلنا الى الشاحنات وقد جمعنا نحن اللذين كنا معا في التركتر وقد اضافوا الينا اشخاص آخرين. كانت الشاحنات تتسع لعدد اكبر من الاشخاص لذلك اركبونا نحن ركاب عدد من التركترات في شاحنة واحدة.

 

* متى جاؤوا بالشاحنات؟

– كان الوقت قبل الظهر.

 

* وكيف اركبوا الناس؟

– كنا نقسم الى مجموعات ثم تأتي الشاحنات وعندما تنتهي تلك الوجبة يبدأون بنقل وجبة اخرى وهكذا كانوا ينقلون الناس الى الشاحنات.

 

* هل كان عدد الشاحنات التي جاؤا بها يكفي لنقل جميع من كانوا في قوره تو؟

– لا اعلم كم كان عدد الشاحنات كما لا اعلم عدد من كانوا هناك حتى اقول لك ان العدد كان كافيا ام لا، ولكن عدد الناس كان كبيرا جدا لا اعتقد انهم نقلوا جميعا خلال ذلك اليوم، يبدو انهم نقلوا ذلك اليوم بعضا من الموجودين، لاننا حين نقلنا الى طوبزاوا كنا نراهم يأتون بالناس يوميا لذلك اظن ان نقل من كانوا في قوره تو قد استغرق اياما، او ربما كان هناك اماكن اخرى يجمعون فيها الناس مثل قوره تو وكانوا ينقلونهم في نفس الوقت الى طوبزاوا.

 

* هل استغرقت عملية نقل الناس الكثير؟

– اذا كنت تقصد الشاحنة الواحدة فانها كانت تستغرق حوالي اربعة او خمسة دقائق، اما اذا كنت تقصد جميع الشاحنات فانها استغرقت الكثير.

 

* كيف كانوا يركبونكم، اكانوا يملؤن الشاحنات الواحدة تلو الاخرى ثم تبدأ بالسير؟

– لا، كانوا يدخلون عدد من الشاحنات الى الفناء ويركبون من تم جمعهم مسبقا في مجموعات وتخرج تلك الوجبة من الشاحنات وتنتظر في الخارج فيما تدخل وجبة اخرى، وهكذا فقد تجمع موكب طويل من الشاحنات المتوقفة.

 

* وماذا جرى لجميع التركترات التي جئتم بها من القرى ومن مله سوره الى قوره تو؟

–  تركناها جميعا في قوره تو.

 

* هل تركتوها بارادتكم؟

– كنا سجناء وقد اركبونا في الشاحنات الى طوبزاوا، وقد تركت التركترات هناك واصبحت غنيمة للجيش.

 

*هل كان معكم من يحرسكم من الجنود والجحوش في رتل الشاحنات كما كانوا معكم في رتل التركترات من مله سوره؟

– لا لم نر الجحوش بعد ذلك كان الجيش وحده يحرس الرتل، ولكن عدد الحراس هذه المرة كان اكبر.

 

* هل ركب اي حارس معكم في الشاحنة بالاضافة الى الحراس اللذين كانوا مع الرتل؟

– نعم كان هناك جندي في كل شاحنة يقف قرب الباب الخلفي ويحمل سلاحا.

 

* كيف كان يحمل سلاحه، تحت ابطه او كان يضعه على رجليه او يحمله بيديه؟

– لم يكن الجندي جالسا حتى يضع سلاحه فوق رجليه بل كان واقفا، كنت استغرب من ان جميع الجنود كانوا يحملون اسلحتهم بنفس الطريقة، كانت الاسلحة لها احزمة طويلة وقد وضعوها حول رقابهم وهم يمسكون الاسلحة في مستوى بطونهم حتى ان الجندي الذي كان يحرسنا كان يوجه سلاحه نحونا وليس نحو خارج الشاحنة.

 

* هل رأيت في السابق جنديا عن قرب كتلك المرة؟

– كلا عندما توجهنا من مله سوره الى قوره تو رأينا الكثير من الجنود ولكن لم يكونوا قريبين مني هكذا، وكان هناك جندي داخل التركتر ولكن كان في الخلف عند الباب فيما كنت في المقدمة ولم يكن كتلك المرة فالمسافة بيننا لم تكن تتعدى مترين او ثلاثة.

 

* هل كنت خائفا منه؟

– نعم كنت اخاف كثيرا فمنذ ولادتي كنت اعيش مع الخوف، وكنا نشعر بالخوف ليلا ونقول قد يهاجمنا الجيش والجحوش ونحن نائمين، وفي النهار كنا نشعر بالخوف ايضا ونقول ان الطائرات ستغير علينا وستقتلنا، كنا دائما نقول ان الجنود سيهاجموننا، كان الجندي العراقي في نظرنا مثل عزرائيل كنا نشعر انه سيأخذ ارواحنا اينما التقى بنا، كذلك كانت الحال بالنسبة للناس فقد كانوا اول مرة يرون فيها الجنود الذين اعتقلونا واخذونا ودفنونا في صحراء نائية.

 

* كيف كان شعورك هل كان لدى الآخرين نفس الخوف ام كنت انت وحدك خائفا الى ذلك الحد؟

– لا اعلم ماذا كان شعور الرجال، ولكن اجتمعنا نحن الاطفال والنساء حول بعضنا من الخوف وكنا نشعر وكأنه سيضغط على الزناد وسيقتلنا جميعا، كنت ارى في عيون الناس نفس الخوف الذي اشعر به.

 

* هل كان الجنود اللذين رافقوكم الى طوبزاوا نفس الجنود اللذين تولوا حراستكم من مله سوره الى قوره تو؟

– لست متأكدا ولكن كان زيهم مرقطا كما كانت بيرياتهم سوداء.

 

* هل سمحوا لكم بنقل الاغراض التي كانت بحوزتكم؟

– نعم حملنا مانحتاجه وتركنا الباقي في قوره تو، فحين جئنا من مله سوره كنا نعتقد انهم سيأخذوننا الى المجمعات لذلك اخذنا الاغراض التي حملناها معنا من كوله جو الى قوره تو. اخذنا معنا جميع الاغراض والمفروشات والطعام ولكن لم نكن نعلم ماذا سيكون مصيرنا لذلك تركنا الاغراض في قلعة قوره تو باستثناء الطعام وبعض الملابس الضرورية.

وخلال الطريق بين قوره تو وطوبزاوا شعرت اختي كيلاس بالعطش فاخذت قنينة من النفط تظنها ماءا وشربت منها فاصابها بالتقيؤ وكانت حالتها خطيرة جدا وكانت تسعل وتصرخ من الالم في بطنها، لا اعرف اين كنا ولكن كان هناك معسكر بالقرب من الطريق فضرب ابي سقف الشاحنة لتتوقف فتوقفت كما اوقفوا الرتل، انزل ابي كيلاس من الشاحنة واخذها الى المعسكر حيث قالوا انه فيه مستوصفا فاعطوها بعضا من الادوية انقذتها من الموت. عندما نزل ابي وخلال دخوله المعسكر وعودته نزل بعض الرجال من الشاحانات وقد بدى ان الجنود اللذين كانوا يحرسوننا شعروا بالخوف ولم يعلموا ماذا يجري لينزل الناس من الشاحنات فتوتروا كثيرا وبدأوا يصرخون ويركبون الناس الى الشاحنات بدفعهم وضربهم. كنا معتقلين جميعا وينقلوننا الى سجن آخر فكان خوفنا كبيرا وكنت اخشى ان يعتقلوا ابي ويقولوا له انه كان السبب وراء نزول الناس.

 

* كم استغرق الطريق حتى وصولكم الى طوبزاوا؟

– اظن ان الطريق استغرق ساعة.

 

* متى وصلتم الى ظوبزاوا؟

– كان عند العصر او بين العصر والمساء لان الشمس لم تكن قد غابت بعد.

 

* كيف كان المشهد في طوبزاوا اريد ان اعرف ذلك من عيونك؟

– كانت طوبزاوا جحيما، كانت عبارة عن معسكر كبير وحولها اسلاك شائكة وفيه ساحات كبيرة، وفي الداخل كانت هناك قاعات طويلة متجاورة. كانت الساحات ممتلئة بالناس، عندما اخذونا الى هناك كانوا يفرغون الشاحنات من الناس بمجرد عبورها البوابة ويرسلونها الى الخارج بسرعة، ربما كان عدد اللذين جمعوا في طوبزاوا عشرة اضعاف ما جمع في قوره تو وكأن جميع الاكراد كانوا هناك، لا اعرف من اين جاؤوا بالآخرين ولكن حين اخذونا اتوا بمجموعة اخرى من الناس كانوا داخل حافلات ذات (21) مقعدا. وكان هناك في الداخل اعداد كبيرة من النساء والاطفال، كانوا منشغلين من عدة جهات بتفتيش وتسجيل وتمييز الناس عن بعضهم. لم نكن نعرف ماذا يجري وكأنه يوم الحشر، وقد تم تفريق العائلات عن بعضها في نفس الساحة التي انزلونا فيها.

 

* وهل بدؤا بتفريق الرجال عشوائيا؟

– كلا لقد قسموا الناس الى مجموعات وقد وضع عدد من الطاولات والكراسي وسط كل مجموعة لتسجيل الاسماء واصطف كل مجموعة من العوائل امام احد الاشخاص اللذين يسجلون الاسماء وكانوا يفرقوننا اثناء تسجيل الاسماء حسب العمر، الشباب من الرجال في مجموعة والنساء والاطفال في مجموعة والشيوخ من النساء والرجال في مجموعة وتؤخذ كل مجموعة الى قاعة خاصة بها، كان هناك الكثير من الجنود وكانوا يهجمون علينا عند تسجيل اسمائنا ويدخلوننا في الصف الذي يقررونه، وعندما سجلوا اسماءنا ادخلوا ابي وخالي والاخرين في الصف الذي كان يؤدي الى قاعة الرجال فيما اخذوني انا وامي واخواتي في اتجاه آخر اما جدتي التي كانت طاعنة في السن فقد ادخلوها في صف آخر كان يضم المسنين من الرجال والنساء. ذهبت وراء ابي وامسكت بيده بقوة وكأنني احاول ان اقول له الا يتركنا ولكن الجنود دفعوني حتى يبعدونا عن بعض، ضغطت على يد ابي بقوة اما هو فقد ادخل يده في جيبه واخرج منه (15) دينارا كان كل مانملك واعطاني اياه وقال لي يابني خذ هذا معك. كان يبدو انه يعتقد اننا سوف لن نلتقي مجددا بعد افتراقنا وربما سيأخذون الرجال الى مكان لن يروا النور مجددا. كان يبدو ان ابي لايعتقد بان الحكومة ستقتل الاطفال والنساء لانه حين اعطاني الـ(15) دينارا قال لي يابني خذوا هذا معكم فأن ذهبتم الى المدينة اصرفوه في تأمين احتياجاتكم. كان ابي على حق حين ظن انهم سيقتلون الرجال لان الحكومة كانت ظالمة وما شاهدناها في طوبزاوا من معاملة الناس كحيوانات افقدنا الامل باطلاق سراحنا بعد عدة ايام خصوصا واننا كنا نراهم يستعجلون في تفريق الرجال واخذهم بالضرب والدفع نحو القاعات، لم يكن هناك احد لا يعتقد انهم سيقتلون الرجال، ولكن لم يتخيل احد ان ما سيفعلونه بالاطفال والنساء لن يكون اقل مما سيفعلونه بالرجال، لذلك كان ابي مقتنعا بانه سيتم اطلاق سراح النساء والاطفال وربما سيؤخذون للعيش في المجمعات والمدن، لذلك قال لي عندما اعطاني المال اذا ذهبتم الى المدينة اصرفوه على ما تحتاجونه، ولكنه لم يكن يعلم ان اطفاله لن يروا المدينة فحسب بل ولن يروا الارض والسماء مجددا، سحبني جندي بقوة وفرق بيني وبين ابي، نظرت في عيني ابي للمرة الاخيرة وشعرت بانهما ممتلئان بالدموع فيما يريد هو التغلب على عواطفه وتفادي البكاء ولكنني كنت ارى في وجهه صرخة الم كبير، اخذوه الى الطريق الذي يأخذون الشباب اليه في الجهة الاخرى فيما اعادوني عند النساء والاطفال فعدت الى جانب امي وامسكت بطرف قميصها بقوة، نظرت الى عيني امي اللذين اعترتهما الدموع مثل عيني ابي، والقيت نظرة على اختي اللتين كانتا خائفتين وتبكيان فيما طوقتا امي من الجانبين وهما متلاصقتان برجليها وترتعشان. كان لدينا في القرية الدجاج والديك الرومي وعندما يأتينا ضيوف من المدينة لم يسبق لاولادهم ان رأوا الكتاكيت كانوا يهجمون عليها للامساك بها فيما كانت الكتاكيت تحتمي تحت جناحي الدجاجة وتجمع نفسها وترمق الاولاد خشية اقترابهم منها اكثر، كنت اتخيل اختاي آنذاك في طوبزاوا وكأنهما في تلك الحالة فقد التفتا بامي وهما تلفان نفسيهما باطراف قميصها وجلبابها وترمقان الجنود، كانتا تتصوران ان اطراف قميص وجلباب امي ستحميهما من قسوة وظلم الجنود. كان مشهدا مؤلما جدا ولازلت الى الان اتخيل شكليهما. كنت من جهة اشعر بان امي واخواتي اصبحن امانة في عنقي ومن جهة اخرى كنت اخاف ان يأخذوا امي كما اخذوا جدتي ويفرقوا بيننا. كنا لانزال في الساحة ورأيناهم يأخذون ابي مع الرجال الآخرين وكل من يتجاوز عمره 15 عاما من الصبية نحو القاعات التي كات تبدوا وانها مخصصة للشباب، لم يكونوا قد وصلوا الى القاعات بعد فيما بدأوا يأخذوننا نحن ايضا الى الجهة الاخرى وقد التفت الى الوراء اكثر من مرة ورأيت ابي والآخرين من بعيد للمرة الاخيرة وهو بين الجموع فيما كانوا يلتفتون الى الوراء وينظرون الينا. كان ذلك اخر مشهد لابي وبعد ذلك افترقنا ولم نره من جديد.

 

* من هم الذين تم تفريقهم ايضا عدا والدك؟

– تم تفريق جميع من اتوا بهم من قوره تو بنفس الطريقة.

 

* اقصد هل كان هناك من تعرفهم من اللذين ذهبوا مع والدك؟

– نعم، كنا معا مع عمي عمر وخالي عثمان وبعض الرجال من قريتنا حتى طوبزاوا وهناك اخذوا جميع الرجال معا الى قاعات مختلفة والنساء والاطفال الى قاعات اخرى. كنا اربعة او خمسة عائلات من كوله جو وكان معنا زوجات الرجال الذين اخذوا مع ابي حتى المقابر الجماعية وقد توفين هناك مع امي. ولم تكن جدتي زبيدة والدة ابي مع اي طرف منا فقد اخذوها مع مجموعة من المسنين الى قاعة اخرى، وقد اخذوا المسنين من الرجال والنساء الى نقرة السلمان وبعد عدة اشهر من العذاب والمعاناة والتعطيش والتجويع اعادوا من بقوا على قيد الحياة الى كردستان واطلقوا سراحهم.

 

* ماذا كان يرتدي والدك؟

– كان مرتديا سروالا ومرادخاني (نوع من الثياب الكردية) ويضع حزاما من القماش ويعتمر طاقية وكوفية.

 

* وماذا عن والدتك؟

– هي ايضا كانت مرتدية زيا كرديا، قميصا نسائيا وجلبابا وتضع قماشا ابيضا على رأسها، اما اخواتي فكن ترتدين عزيات.

 

* وانت ماذا كنت مرتديا؟

– كنت مرتديا قميصا وسروالا.

 

* هل سمحوا لكم في طوبزاوا باخذ اغراضكم التي جئتم بها من قوره تو الى داخل القاعات؟

– كلا، عندما انزلونا من الشاحنات أخذوا في مكان تسجيل الاسماء والتفتيش كل شيء في جيوبنا او داخل ثيابنا. كان هناك من معه سكين او كماشة قطع الاظافر او سبحة او مشطا او مرآة، اخذوها كلها، وكان هناك من يضع حزاما عسكريا ففكوه وأخذوه منه، لم يبقوا شيئا باحد واخذوهم جميعا الى القاعات مجردين.

 

* هل فتشوكم انتم ايضا؟

– كلا لم يفتشوني، اعتقد انهم لم يفتشوا النساء ايضا كانوا يبحثون في اجسام الرجال فقط، كنت احمل كماشة وسكينا صغيرا ومصقل كرات حجرية صغيرة كان في جيبي عندما ادخلونا الى القاعات وبقيت معي حتى رمينا بالرصاص.

 

* كم شخصا كانوا محتجزين في القاعة الواحدة؟ او كانت القاعة الواحدة  تتسع لكم شخص؟

* لا اعلم العدد بالتحديد ولكن القاعات كانت ممتلئة بحيث لم يكن باستطاعتك مد رجليك وقد كنا نستلقي فوق بعض.

 

* هل كانت القاعات كثيرة؟

– نعم كانت كثيرة جدا، لم نكن قد رأينا شيئا مثل ذلك من قبل، كانت الغرف طويلة جدا تتسع كل واحدة منها لسكان عدة قرى. كان بناء ذلك العدد من القاعات بجانب بعض يدل على ان الحكومة قد اعدتها لهؤلاء الناس.

 

* هل كان في القاعة التي اخذتم اليها اشخاص آخرين قبلكم؟

– نعم كان فيها كثير من الناس وقد ادخلونا وهم يدفعوننا.

 

* هل كنت تعرف اي شخص آخر معكم في نفس القاعة؟

– ممن كانوا في القاعة قبلنا او من الذين ادخلوا معنا؟

 

* من كليهما؟

– وكيف لا، كنا مجموعة من الاقارب وكنا معا في كوله جو، وفي مله سوره الى قوره تو ومن هناك الى طوبزاوا ولم نفترق، وقد فرقوا الرجال والشيوخ فقط، اما نحن والآخرين فكنا معا، ولكنني لم اكن اعرف اللذين كانوا هناك قبلنا.

 

* هل سجلوا اسماءكم داخل القاعة؟

– لا، قبل ان يدخلونا الى القاعة سجلوا اسم امي واسماءنا مرة اخرى وكأنهم يريدون معرفة عدد من كانوا في القاعة، وبعد ذلك لم يسألوا عنا.

 

* هل كان هناك من يحرسكم في القاعات عدا حراسة محيط طوبزاوا؟

– لم يكن في القاعة من حراس، ولكن كانت الساحة مليئة بالجنود، وكان الجنود يقفون قرب القاعات وهم يحملون اسلحتهم، لا اعلم لماذا بنيت تلك القاعات في السابق ولكن كانت فيها كثير من الشبابيك الطويلة والضيقة وكان يقف جندي امام كل شباك من الخارج وهو يحمل سلاحا.

 

* وما كان لون زي الجنود هناك؟

– كان فيه جميع الالوان، كان هناك من يرتدي الاغبر، والاخضر والمرقط، وقد علمت فيما بعد ان بعض تلك الازياء كان لقوات المغاوير والقوات الخاصة والجنود، ولكن كان في طوبزاوا جنود يضعون بيريات حمراء، اما الجنود في مله سوره وقوره تو فكانوا يضعون بيريات سوداء، اما في طوبزاوا فكان هناك بيريات حمراء وسوداء.

 

* وكيف كان الاكل والشرب اليومي في طوبزاوا؟

– كان من الصعب الحصول على الطعام والماء بسبب الازدحام حتى وان كان يوجد الكثير منها. كانوا يعطوننا الطعام والماء ولكنه كان من فضلات الجنود من الطعام البارد او كان عبارة عن صمون وماء حار. وماكان صعبا جدا بالنسبة لنا هو التبول. كانوا يفتحون لنا الباب بعد وقت طويل ويسمحون لنا بالذهاب لقضاء الحاجة، وخلال ذهابنا وعودتنا كانوا يستهزئون بنا، حتى انهم كانوا يبدأون بالصياح والصراخ علينا قبل ان نصل الى مكان التبول ويطلبون منا العودة، كان كثير من الاطفال يقضون حاجتهم في القاعة، وكانت رائحة المكان كريهة وكأننا معتقلون في المجاري، وكان يبدو وكأنهم يعاملوننا على ذلك النحو عن قصد حتى نعاني اكثر.

 

* هل كنتم تنظرون الى الخارج القاعة عبر شبابيك؟

– نعم، في اغلب الاوقات.

 

* ماذا كنتم ترون؟

– كنا نرى الكثير. كان كل مايجري في طوبزاوا على مرأى منا، كنا نرى يوميا وهم يأتون بالناس ويفرقونهم عن بعض مثلما فعلوا معنا ويدخلونهم الى القاعات. كنا نرى يوميا وهم يركبون الشباب الى السيارات ويأخذونهم، رأيناهم مرارا وهم يربطون ايادي وعيون الرجال باحزمتهم من القماش وكوفياتهم ويركبونهم الى سياراتهم المغطاة ويذهبون في ارتال.

 

* الم تر والدك بعد تفريق عنكم، فمثلا الم تلمحه من الشباك؟

– ابي، كلا. لم نر بعضنا بعد افتراقنا. حين كنت انظر الى الخارج من الشباك كنت آمل رؤيته من جديد والا فكلما نظرت الى الخارج كنت تشعر بالحزن اكثر. كنا نرى ما يجري لكل اولئك الناس بيد الجنود وهو امر يفطر القلب، كنت ارى مرارا وتكرارا وهم يركلون الشيوخ، يسحبون العجائز من شعورهن، يدفعون النساء والاطفال. كان الشخص عندنا يحترم اكثر كلما دخل في العمر، كنت في صغري ارى ان ابي يستحي من المسنين والمسنات في القرية، ولكنهم كانوا يتعرضون للركل في طوبزاوا، كنت ارى الشيوخ وهم يجرون من لحاهم، رأيت شيخا وهو يعتمر كشيدة الحجاج وبيده عصا وقد تقوس ظهره من الكبر وقد اخذ منه جندي يرتدي زيا مرقطا العصا وبدأ يضرب ظهره بها حتى وقع الشيخ وقد اشفقت عليه كثيرا، لا اعلم من اين جاء اولئك الجنود وكيف تربوا حتى يتعاملوا بكل تلك القسوة والظلم كان يبدو وكأن ليس لديهم اخوات او امهات او آباء او اجداد.

 

* الم تر ايا من اقاربك او احد اهالي قريتك عندما كنت تنظر من الشباك؟

– لم ارهم من الشباك، ولكن في احد الايام كنا نذهب لقضاء حاجتنا فرأيت احدا من اهالي كوله جو كان اسمه السيد علي ويطلق عليه علي جيهان وكانت زوجته من كردستان ايران وقد اعتقل هو وزجته مثلنا، فرحت كثيرا حين رأيته ، وكأنني انتظر منه خبرا سارا اقتربت منه وقلت له: ياسيد علي الم تر والدي؟ فقال لي: لا، فعدت يائسا الى امي واخواتي ولم اذهب لقضاء حاجتي وقلت لهم انني رأيت السيد علي ولكنه قال انه لم ير ابي، فأجهشنا بالبكاء جميعا.

 

* كم يوما ابقيتم في طوبزاوا؟

– لا اعلم عدد الايام او الاسابيع بالتحديد، ولكنني اعلم اننا بقينا كثيرا، بعد بقائنا لفترة طويلة في القاعة جاؤوا في يوم من الايام وبدؤا يفرقون عددا منا ونقلونا الى قاعة اخرى، لا اعلم السبب وراء ذلك ولكنني اعلم اننا افترقنا عن بعض الاهل والمعارف حيث كنا ضمن اللذين نقلوا الى قاعة اخرى وادمجنا مع اشخاص آخرين وقد ابقونا في تلك القاعة لفترة ثم اخذونا الى الصحراء.

 

* هل نقل معكم احد من الاقارب او المعارف الى القاعة الاخرى؟

– نعم كان معنا اثنتين من عماتي كان اسم احداهما (حمدية) وكانت عزباء، والاخرى كان اسمها (عائشة) وكانت لديها 10 اطفال وجميعهم معتقلون معنا وكان معنا ايضا اولاد خالي عثمان و سيدة اخرى يبدو انها من اهالى القرى المجاورة ولا اعلم كيف كانت امي تعرفها فكانتا تتبادلان الحديث معا، وكان معنا ايضا اطفال الحاج حمه جان.

 

* وهل كانت تلك القاعة مثل القاعات الاخرى ايضا؟

– نعم كان جميع القاعات تشبه بعض حتى ان القاعات التي اخذوا ابي والآخرين اليها كانت تشبه قاعاتنا ايضا فقد ذهبت لاحقا لرؤيتها.

 

* وهل كان الطعام والماء وقضاء الحاجة فيها ايضا كما كان من قبل؟

– نعم كان الشيء نفسه، ولكنني رأيت شيئا مختلفا وهو ان سيدة حامل كانت على وشك الولادة فدخل جنديان الى القاعة اثناء ذلك وكانا يرفعان فستان المرأة بمأسورة سلاحيهما وينظران الى مابين ساقيها ويضحكان عليها ويهينانها وحين كانت المرأة تصرخ كانا يضحكان عليها، كان ذلك عيبا ومحرجا بالنسبة لي وكنت ارى امي والنساء الاخريات وقد خفضن رؤوسهنم وتبكي البعض منهن، كان يبدو ان اولئك الجنود لا يعرفون معنى الحياء وليس في قلوبهم رحمة.

 

* كيف كان شكل اولئك الجنود؟

– كانوا قبيحين، كانت بشرتهم سوداء ولم نكن رأينا من قبل رجالا سودا وذو شفاه عريضة وقبيحين مثلهم، كانوا اكثر قبحا من الجنود اللذين كانوا في مله سوره و قوره تو.

 

* وماذا اثار انتباهك الى ان تم نقلكم من طوبزاوا؟

– كان كل شيء مثيرا بالنسبة لنا، كان كل مانراه جديدا بالنسبة لنا، لم نكن قد رأينا مثل تلك الامور، ولم نكن نعلم ايضا ان الحكومة ظالمة الى ذلك الحد، كنت اتذكر عندما كنا في كوله جو وقد ارسل عمي يطلب من ابي ان يسلم نفسه، كنت استغرب من رد ابي حيث قال: لن اعود ابدا، ان عدت فان الله وحده يعلم ماذا ستفعل الحكومة بأطفالي، كان يبدو ان والدي والآخرين يعلمون مدى وحشية الحكومة، ولكنهم لم يكونوا قد حدثونا عنها، وربما كان السبب وراء ذلك هو لكي لا يخيفونا اكثر. كنا نرى امورا اكثر يوما بعد يوم طوال مدة بقائنا في طوبزاوا ويظهر لنا ظلم الحكومة اكثر، كنت استغرب لماذا يشفق الكرد عليهم وهم لا رحمة في قلوبهم تجاهنا. حين كان بيتنا في كوله جو جاءت قوات  البيشمركة بمجموعة من الجنود الى كوله جو لا اعرف اين اسروهم وقد اخذوهم الى مسؤوليهم، ووزعوا الجنود على المنازل واطعموهم وابدوا لهم احتراما كبيرا وكنا نحن اهالي القرية لا نزال نشفق عليهم ونقول هؤلاء اسرى وابرياء وربما  يشعرون بالخوف، اما هم فلم يكونوا يشفقون على احد. كنا نحن مجموعة من الاطفال الحروكين بعض الشيء فكانوا يأخوننا في النهار خلال الايام الاخيرة من بقائنا وينظفون بنا المرافق والمطعم. كنت افكر في ابي كثيرا واريد ان اراه وان كان ذلك لآخر مرة لذلك كنت اتملق واعمل واظهر نفسي مجتهدا في تنظيف المرافق والمطعم حتى اصل الى قرب القاعات التي اخذوا ابي والرجال الآخرين اليها، وفي يوم من الايام اقتربت ورأيت ملابس كثيرة متراكمة بينها الكوفيات والسراويل والمراد خاني واحزمة من القماش وما الى ذلك وقد جمعت مجموعة من ساعات اليد فوق بعض في طرف آخر. كان يبدو ان تلك الملابس والساعات تعود للرجال فحين كنا ننظر من الشبابيك الى الخارج كنا نراهم يركبون الرجال الى السيارات ويجردونهم من الملابس احيانا، كنت اقول في نفسي لو انهم سمحوا لي ان اذهب وابحث بين الملابس والساعات بتأني فانني سأتعرف على اغراض وساعة ابي، حتى انني اخذت من تلقاء نفسي ساعة من الساعات ووضعتها في يدي، وكانت ساعة كبيرة جدا واظن ان لونها كان ازرقا فاتحا وقد لاحظت انها لا تعمل وان زجاجها مكسور، ومع ذلك كنت سعيدا بانني البس ساعة في يدي.

عندما رأيت كل ذلك بنفسي ادركت ان تلك الاغراض تعود للرجال اللذين اخذوا ولكنني لم اكن اتصور انهم قد ساقوهم امام مرأى الجميع الى الموت، كنت اراهم مرارا وهم يربطون ايديهم واعينهم باحذمتهم وكوفياتهم ويصعدونهم الى السيارات ولكنني لم اكن اعلم ان ذلك دليل على انهم سيعدمونهم رميا بالرصاص.           

وفي يوم اخر عندما كانوا ينظفون بنا المطعم كان هناك صحن فيه بعض من المرق واللحم فأشار الينا جندي بان نذهب ونتسابق من بعيد ومن يصل منا اولا سيتناوله، فركضنا جميعا وكنت الاسرع بينهم ووصلت الى الصحن قبلهم ففرحت بانني ساتناول مافي الصحن وتمنيت ان يسمحوا لي بان اخذ الصحن لآكله مع امي واخواتي، وحين مددت يدي الى الصحن ركله الجندي وسكبه كله، لا اعلم لماذا كانوا يتعاملون معنا هكذا، لايعامل الناس عندنا حتى الكلاب على ذلك النحو، كان يبدو انهم لايعتبروننا جديرين حتى بمعاملتنا كحيوانات، كانت هذه حالنا الى ان نقلنا من طوبزاوا.

 

* هل سجلوا اسماءكم مرة اخرى قبل النقل ؟

– كلا سجلوا اسماءنا في البداية فقط.

 

* ومتى تم نقلكم؟

– كان الوقت صباحا بعد طلوع الشمس، جاءت مجموعة من السيارات المغطاة الى امام قاعتنا وكانت مثل السيارات التي كانوا ينقلون بها الرجال، كان لونها خضراء وبيضاء.

 

* هل تقصد انها كانت ملونة بالابيض والاخضر معا؟

– لا، كانت هناك سيارات بيضاء واخرى خضراء عسكرية، ولكنها كانت مثل سيارات الاسعاف طويلة واكثر عرضا، لم نكن قد رأينا مثلها من قبل، وربما لم يرها احد الى ذلك الحين حتى انني لم ار مثلها لا في التلفزيون ولا حتى في امريكا او اي مكان آخر. وبعد سقوط صدام لم ير احد تلك السيارات من جديد، لا اعلم ماذا فعلوا بها هل دمروها هي ايضا ام دفنوها تحت الرمال مع الناس. يبدو انهم دمروها مثلما صفوا الناس حتى لا يبقى هناك دليل على تلك الابادة الجماعية. كانت السيارات فيها باب جانبي وكذلك باب من الداخل يغلق على شكل سكة، وكانت مقاعدها بعكس اتجاه بعض.

 

* كم كان عدد تلك السيارات؟

– لا اعلم  لانني لم احصها ولكنها كانت كثيرة.

 

* وهل كان سواقها من المدنيين؟

– لم يكونوا ظاهرين من جهتنا، ولكن كان المكان يعج بالجنود، كانوا يرتدون زيا اخضرا مرقعا، ويبدون مرتبين، وبعد ذلك وقبل ان يتم رمينا بالرصاص نزل السواق في مكان ما وصعدوا من جديد وقد رأيتهم  حيث كانوا يرتدون زيا عسكريا.

 

* كيف اركبوكم في السيارات هل كان حسب قراءة الاسماء؟

– لا، لا اعتقد انهم قراؤا اسماءنا، فتحوا ابواب السيارات وكنا نؤخذ في مجموعات الى امام السيارات، عندما تملأ السيارة كانت تذهب وتقف من بعيد وتملأ سيارة اخرى. وهكذا ادخلنا الى السيارات. لم يكونوا يدخلوننا حسب سعة السيارات بل كانوا يركبوننا اليها كلما بقي فيها مكان وذلك لاننا كنا اطفالا ونساءا.

 

* هل تعرف في اية سيارة اركبت عائلتك، او كم سيارة ملئت قبلكم وهل كان هناك من بقى ليركب السيارات؟

– لا اعلم، ولكنني اعرف ان كثيرين اركبوا قبلنا وقد بقي الكثيرون في القاعات بعدنا.

 

* هل كان جميع افراد عائلتك معا في السيارة، انت وامك واخواتك؟

– نعم كنا معا.

 

* هل كنت تعرف اي شخص آخر ممن كانوا معكم في السيارة؟

– نعم، كان معنا عائلة عمتي (معصومة) هي واطفالها العشرة وعمتي (حمدية) واطفال خالي عثمان وكان في السيارة كذلك سيدة من اهالي قريتنا كان اسمها (بيروز حسن مراويس) كان زوجها راع عند بيت جدي اسمه السيد عثمان، لا اعرف كيف ومن اين وصلت الى سيارتنا لانني لم ارها معنا في القاعة، ربما كان السبب هو ازدحام القاعة فلم نتمكن من رؤيتها وقد وقعت بالصدفة في السيارة التي كنا فيها، اتذكر انها كانت السيدة الحامل التي كانت مستلقية في السيارة خلال الطريق وهي تعاني من الحر وقد سالت من فمها رغوة لا اعرف اكانت في حالة اغماء ام انها كانت مريضة وقد كان لدى عمتي قنينة صغيرة من الماء فاعطتيتها ملء غطاء القنينة من الماء فبدت وكأنها احست بانتعاش وفتحت احدى عينيها عنوة وادعت لي لا اعرف ماذا كان دعاؤها. وكان معنا ايضا عائلة الحاج حمه جان.

 

* هل كان في السيارة اي صبي في نفس عمرك؟

– نعم كان معنا ابناء عمتي (سردار وكمال وجمال وشمال) وكانوا في نفس عمري حيث كنا معا في المدرسة واصدقاءا في القرية ايضا، وكذلك كان معنا (كريم وسامان وسيروان) ابناء خالي عثمان وكان هناك ايضا اولاد وفتيات اخريات في نفس عمري.

 

* هل تعرف كم كان عدد الاشخاص في السيارة؟

– لا، لا اعرف عدد الاشخاص اللذين كانت السيارة تتسعع لهم، ولكن كانوا يملؤنها باكثر من ثلاثة اضعاف مما تتسع، وقد كدسونا فيها كما كنا في القاعة حيث كنا من الاطفالا والنساء.

كان عددنا نحن وعوائل خالي وعماتي والسيدة يبلغ حوالي عشرين شخصا، وكان معنا ايضا عائلة الحاج حمه جان حيث كان معهم سبعة اطفال كما كانت هناك عوائل لم نكن نعرفها، وكانت معنا السيدة التي تعرف امي وكانتا تتحدثان في القاعة بالاضافة الى اطفالها. كان عددنا كبيرا وربما كنا نبلغ حوالي ستين او سبعين شخصا.

 

* هل تتذكر كم كان يبلغ الاصغر سنا بينكم؟

– كان بيننا طفل في احضان امه ربما كان يبلغ ثلاثة اشهر من العمر.

 

* هل كانت معكم اية فتاة عزباء في السيارة ممن كانوا معكم في قاعات طوبزاوا من قبل؟

– نعم كانت معنا عمتي حمدية وهي فتاة عزباء وكذلك حفصة بنت عمتي وكانت شابة عزباء ايضا، وكذلك العوائل الاخرى التي كانت معنا كانت تضم فتيات.

 

* اقوالك حول مصير الفتيات المؤنفلين مهمة للتاريخ لانك كنت مع النساء والاطفال والشاهد الوحيد الناجي من القبور الجماعية للنساء والاطفال المؤنفلين، الم تلحظ في وقت ما انهم يفرقون الفتيات الشابات عنكم؟

– عندما كنا في القاعات في طوبزاوا انتشرت اقاويل بانهم يفرقون الفتيات الشابات على اساس انهم سيطلقون سراحهن، ولكن كان ذلك مجرد كلام ولم يفرقوا احدا عندنا.

 

* من قال انهم يطلقون سراح الفتيات؟

– لم يأت احد ليقول ذلك وانما اعتقد ان النساء قد سمعن ذلك من نساء القاعات الاخرى عندما كن تذهبن لقضاء حاجتهن، لا اعلم ان كانوا قد قاموا بذلك في القاعات الاخرى ام كان ذلك دعاية ايضا، وقد انتشر الحديث بيننا هكذا.

 

* هل قدموا لكم فطورا في الصباح الذي انطلقتم فيه؟

– كلا حين جاءت السيارات كان الوقت مبكرا، كانوا يعطوننا الخبز والماء بعد شروق الشمس بكثير.

 

* هل كان لديكم فكرة عن المكان الذي سيأخذونكم اليه؟

– في الحقيقة لم يكن لدينا فكرة، فحين توجهنا من مله سوره كانت نيتنا هي الوصول الى المجمعات لم يكن احد منا يعلم انهم سأخذوننا الى قوره تو، وحين نقلونا من قوره تو لم يكن احد يعلم انهم سيأخذوننا الى طوبزاوا، ومن هناك لم يعرف احد الى اين سياخذوننا غير الله وحده بالاضافة اليهم وكيف لنا ان نعرف.

 

* جئتم من مله سوره بتركتراتكم ونقلتم من قوره تو بشاحنات مدنية سواقها من الكرد، وقد اركبتم الان في سيارات مغطاة لا ترون منها شيئا، الم تشعروا انهم سيأخذونكم الى مكان خطير ليتقلوكم بتلك الطريقة؟

– بالتأكيد كنا نخاف كثيرا، كنا نقول ربما سيأخذوننا الى مكان اسوأ، ولكن لم نكن نتخيل اننا سنأخذ بتلك الطريقة الى حفر الموت، حتى ان العذاب داخل السيارة كان بمثابة الموت، لم نكن نرى اي شيء عدى فتحة مربعة صغيرة يدخل منها الهواء، كنا نعاني جميعا، وكنا قد قطعنا ونحن داخل السيارة حوالي ثلث الطريق عندما مات صبيان بسبب الحر، كنا نعاني كثيرا من الحر فترك والداهما الجثتين كما هما وبدا الامر وكأننا ننتظر ان نموت بتلك الطريقة، لم يبكيا عليهما، كان عمرهما بين ثمانية او تسعة اعوام، اما الناس فكانوا يتضرعون الى الله ولا يفعلون شيئا غير ذلك، كانوا عطشى وجياع حيث لم نأكل شيئا منذ المساء، وقنينة الماء الصغيرة التي كانت عند عمتي معصومة خلصت مبكرا، كنا نعيش معناة لا توصف، وكان الجو حارا جدا ويزداد حرارة، وكانت السيارة من الداخل كفرن ينبعث منه نفحات حارة، صدقني لقد اصبنا جميعا بالاعياء بسبب الحرارة وانعدام الهواء النقي، كنا نتمنى ان تتوقف السيارة في مكان ما لنستنشق هواءا نقيا حتى ان كانوا سيقتلوننا ولتفارقنا ارواحنا بعد ذلك. لا اعلم ماذا كان ذنب جميع اولئك الاطفال والنساء ليعاقبونا بذلك الشكل.

كانت السيارة تسير ولم نصل بعد وكان وضعنا محرجا للغاية وقعنا عشرات المرات على ركبنا ونهضنا من جديد، كنا نلتصق بحضن والدتنا ونتركه بعد فترة. توقفت السيارات في مكان ما وفتحوا الباب الاول ولكن بقي الباب الثاني الذي كان على شكل سكة مغلقا علينا، كنا نرى خارج السيارة من خلال النافذة الصغيرة في الباب، رأينا الجنود اللذين كانوا يحرسوننا والسواق وهم ينزلون من السيارات وكان المكان يبدو كأنه معسكر، ذهبوا وعادوا بعد قليل ثم بدأت السيارات بالسير من جديد.

 

*هل تعتقد انهم غيروا الحراس والسواق وبدلوهم باشخاص اخرين ام كانوا هم انفسهم عند عودتهم؟

– كان جميعهم يشبهون بعضا في نظرنا، لا اعلم هل غيروا الحراس والسواق ام كان لديهم عملا فدخلوا ذلك المعسكر ثم عادوا مرة اخرى، ولكن شعرنا بعد فترة قصيرة من سير السيارة انها اجتازت الطريق المبلط ووصلت الى طريق ترابي وعر وكانت تهتز خلال سيرها، كنت اقول في نفسي ربما ذلك هو الطريق المؤدي الى قريتنا وانهم سيعيدوننا الى كوله جو. كنت اشعر ان ما تخيلته كان حقيقة وسنعود الى البيت وان ابي ينتظرنا هناك ولكنني حين كنت انظر الى داخل السيارة وادرك ان معنا اشخاص ليسوا من قريتنا افقد الامل واقول في نفسي انهم لن يعيدونا فليس من المعقول ان يأتوا باولئك الاشخاص الى قريتنا ايضا. سرنا حوالي نصف ساعة على الطريق الوعر مع الخوف والخيال وخيبة الامل والتفاؤل احيانا ثم توقفنا فجأة. كنا ننظر جميعا الى بعضنا البعض وكأننا نتساءل بتلك النظرة عما سيفعلونه بنا. وبعد قليل فتحوا باب السيارة واشاروا الينا بالنزول، كانت الحرارة داخل السيارة مرتفعة وكان الهواء قليلا لذلك كنا شاكرين ان يخرجونا لنستنشق هواءا نقيا حتى وان كانوا سيقتلوننا، ولكن حين توقفت السيارة واشاروا الينا بالخروج كنا جميعا نخاف ونتساءل عما سيفعلوه بنا فلم يكن يجرؤ احد على الخروج، فسحب الجندي الذي فتح الباب ذراع احد او اثنين من اللذين كانوا يجلسون قرب الباب ثم خرجنا جميعا، كان احد الصبيين اللذين ماتا من العطش والحر داخل السيارة ابن تلك السيدة التي كانت تعرف امي وكانتا تتحدثان معا في القاعة، حملت الام والاب جثة طفليهما لتخرجا من السيارة ولكن حين رأى الجندي انهما ميتان اشار اليهما بترك الجثتين داخل السيارة، ثم خرجنا وجمعونا امام السيارة.

 

* ماهو المشهد الاول الذي رأيته؟

– متى؟

 

* ماهو المشهد اللذي رايته عندما انزلوكم من السيارة؟

– رايت من باب السيارة سماءا ملبدا و صحراء جرداء، في البداية احببت الهواء فقد كانت الحرارة داخل السيارة مرتفعة الى حد كان الهواء الذي لامس وجهي من باب السيارة طيبا ومهدئا، استنشقت نفسا عميقا جدا ولكنني عندما نزلت ونظرت من حولي خفت كثيرا، فقد كانت الصحراء تمتد على مرأى البصر، كانت الرمال تحت اقدامنا مختلفة ولم تكن تشبه التراب الذي عندنا، كانت ناعمة ودقيقة ولا تحتوى على شيء سوى الرمال، لم نكن قد رأينا مثلها من قبل، عندما انزلونا من السيارة ورأيت تلك الصحراء القاحلة تخيلت انهم سيطلقون سراحنا هناك، نظرت الى امي والاخرين فرأيت ان جمعهم يحدقون في الصحراء مثلي، لا اعرف كيف كانوا يفكرون ولكني اظن انهم ربما كانوا يعتقدون مثلي بان الحكومة جاءت بنا الى تلك الصحراء الجرداء حتى تطلق سراحنا، كنت اخاف واقول في نفسي اننا سنموت من العطش و الجوع او ربما ستأكلنا الحيوانات المفترسة، لم اكن افهم لماذا تفعل الحكومة بنا كل ذلك، ماذا فعلنا وماذا كانت جريمتنا لتجبرنا على مغادرة قريتنا والعيش في الصحراء؟ وكيف لي ان اعرف انها لم تأت بنا لنعيش هناك وانها ترى اننا لا نستحق العيش في تلك الصحراء وقد جاؤوا بنا الى هنا ليقتلونا.

 

* هل توقفت سيارتكم انتم فقط لينزلوكم منها؟

– لا، توقفت جميع السيارات.

 

* هل كان يوجد في المكان معسكر او بنياية ما؟

– كلا، كان الفناء يمتد على مدى البصر.

 

* متى كان ذلك ان كنت تتذكر؟

– لم تكن الشمس قد غابت وكان الوقت في بداية الغروب.

 

* هل جمعوا الناس معا اقصد هل جمعوا جميع من كانوا في السيارات معا في تلك الصحراء؟

– لا، كانوا يجمعون من كانوا في السيارة الواحدة امام بابها.

 

* هل كان هناك الكثير من الجنود حولكم؟

– لا لم يكونوا كثيرين، حيث لم يكن يوجد جنود في تلك الصحراء، كان هناك عدة سيارات لاندكروزر من الجنود كانوا معنا في طوبزاوا، لا اعلم ان كان قد تم تغييرهم في المكان السابق، ولكنهم نزلوا واحاطونا، جاؤوا بقنينة كبيرة من الماء واعطوا كل واحد منا شربة ماء من غطاء القنينة وان كان قليلا ولكننا كنا عطشى وكان تبليل افواهنا وحناجرنا بمثابة احسان كبير. كانوا قد اقترفوا كل ذلك الظلم بحقنا واوصلونا الى تلك الصحراء المرعبة الا ان قلوبنا كانت صافية حيث كنت اسمع امي والنساء الاخريات تدعين لهم بالخير. لا اعلم اكان من طبيعتنا ان ندعو بالخير لمن يحسن الينا ام كنا عطشى لدرجة ان تلك الشربة من الماء كانت بالنسبة الينا كبيرة بقدر احياء ميت، ولكن سرعان ما جاؤوا بمجموعة قطع من الاقمشة السوداء وربطوا بها اعيننا عدا من كان صغيرا جدا، وبعد قليل اركبونا في السيارات وبدأنا بالسير، لم نعلم لماذا توقفوا وماذا كانوا يقصدون عندما اعطونا الماء في حين كانوا قد وضعونا منذ الصباح الباكر في سيارات مغلقة دون طعام او شراب ولم تكن في قلوبهم رحمة ليضعوا في السيارة نافذة نتنفس منها فلماذا تغير قلبوهم الان واعطونا الماء، كان يبدو ان الجميع قد تصوروا ذلك واصبح عندهم امل بان قرارا قد صدر او امرا ما قد طرأ غيرهم هكذا ولكن انتابتنا الشكوك بعد ان ربطوا اعيننا، كان بامكاننا ان نفك القماش من عيوننا اذا اردنا فقد كان يبدو انهم يعلمون باننا سنعدم بعد قليل لذلك لم يكونوا يخشون من ان يفك احد عيونه.

 

* هل فك احد عيونه؟

– نعم انا ازلت القماش عن عيوني.

 

* هل رأيت احدا اخر فك عيونه مثلك؟

– لا اعلم، حيث توقفت السيارة بعد وقت قصير من ربط عيوننا، كانت السيارة مظلمة من الداخل لا اتذكر انني رايت احدا يفعل ذلك، او لماذا لم اقل لهم ان يفكوا عيونهم، او اساعدهم في ذلك، او على الاقل افك عيون امي واخواتي، لا اعلم لماذا لم اشعر بذلك حينها، انا متأكد من ان تخيلاتنا لم تنته وربما استغرق الوقت عشرة دقائق او اقل وتوقفت السيارات من جديد. وفي تلك المرة ايضا فتحوا الابواب وانزلونا. لم نكن مترددين في النزول هذه المرة فقمنا بسهولة وتوجهنا نحو الباب وكأن لدينا امل في النجاة او كنا متأكدين من انها نهايتنا، نزلنا واحدا تلو الآخر وبمجرد ان وطأت اقدامنا الارض ايقنت ان ذلك هو اخر مكان لنا.

 

* كيف شعرت او ثبت لديك ان ذلك هو اخر مكان لكم؟

– عند نزولنا رأيت ان كل سيارة متوقفة امام احدى الحفر وينزلون الناس فادركت ان تلك الحفر معدة لنا. كنا مصدومين جميعا دون ان ننطق ببنت شفة. حين افكر الان في تلك اللحظة اقول في نفسي ربما وضعوا في تلك الشربة من الماء التي اعطونا اياها شيئا جعل الناس يبدون كمخدرين ومصدومين او ربما كنا مصدومين جراء خوفنا ولم نستطع النطق بكلمة. وربما كان السبب انه لم يكن في اعتقاد احد ان يفعلوا بنا ذلك ويقتلونا بتلك الطريقة، لا اعلم حتى الان لماذا لم تصرخ سيدة او طفل، دفعونا نحو الحفر فدخلناها.

 

* هل كان الظلام قد حل عندما انزلوكم للمرة الثانية؟

– لم تكن الشمس ظاهرة ولكن لم يكن الظلام قد حل بعد.

 

* وهل رأيت انذاك احدا ازال القماش عن عيونه؟

– لا اعلم ربما كان هناك من ازال القماش عن عيونه او ربما لم يستطع احد القيام بذلك خوفا من الجنود، لم يكن تركيزي على من فك عيونه مثلي او من لم يفعل.

 

* كيف توجه الناس من السيارات الى الحفر وهم معصوبي العيون؟

– كانت المسافة بين السيارات والحفر قصيرة جدا، لم ينزلونا ليجمعونا جميعا ثم يدفعونا نحو الحفر، كانت السيارات متوقفة امام الحفر مباشرة وعندما انزلونا من باب السيارة دفعنا الجنود الى الحفرة.

 

* كم كان عمق الحفر؟

– كان عمقها يبلغ مترا او اكثر بقليل.

 

* وكم كان طول وعرض كل حفرة؟

– لم اكن قد رايت طوال عمري جرافة وهي تحفر لذلك كنت اتصور حينها ان حجم الحفرة هو بقدر مقدمة الجرافة، ولكنني حين اتذكر الان ان الحفرة اتسعت لجميع اولئك الاشخاص ايقن انها كانت كبيرة وربما يصل حجمها الى حجم غرفة ذات خمسة في ستة امتار. كان يبدو ان كل حفرة مخصصة لركاب سيارة واحدة. عندما دفعونا الى داخل الحفرة وقبل ان يطلقوا النار علينا رأيت شيئا غريبا وهو ان عمتي اغميت عليها او ربما ماتت، سقطت في مكانها وتوقفت عن الحركة. اظن انها ماتت من الخوف او توقف قلبها، في الحقيقة كان لابد ان تتوقف قلوبنا من الصدمة دون اطلاق النار علينا، لانه لم يكن عليهم قتلنا بتلك الطريقة، حيث لم نكن قد فعلنا شيئا لنقتل ونحن وحيدون ولا يعلم احد مكاننا الا الله ودون كفن او قبر، كما لم نكن قد سمعنا من قبل بان يوضع اكثر من ميت في قبر واحد فكيف يمكن ان تصبح تلك الحفرة قبرا لجميع اولئك النساء والاطفال. كنا مصدومين جميعا وانفاسنا تصبح اقصر وقد توقفنا دون النطق بشيء.

 

* اين وقعت في الحفرة؟

– وقعت قرب الجهة التي قطعتها الجرافة.

 

* وكنت بجانب من في الحفرة؟

– كنت بجانب امي واخواتي وقد امسكنا طرف فستان امي بقوة من الخوف، وكنا نكمش انفسنا ونرتعش.

 

* متى كان الوقت؟

– كانت الشمس قد غابت ولكن كانت السماء لاتزال مضيئة وكنا نرى بوضوح.

 

* وماذا فعلوا بجثة الطفلين اللذين لقيا حتفهما داخل السيارة بسبب الحرارة والعطش؟

– لقد تذكرت، من الجيد انك سألت عن ذلك، فعندما دفعونا الى داخل الحفرة، جاء  احد الجنود بجثة الطفلين ورماهما علينا.

 

* هل جاء بالجثتين معا؟

– كلا كانت السيارة قريبة من الحفرة فكان يأتي في كل مرة بجثة من السيارة ويرميها في الحفرة.

 

* كم كان عدد الجنود حول الحفر؟

–  كان هناك جنود قرب الحفر وعند السيارة اما حول الحفر فكان هناك جنديان.

 

* كيف كان زيهم؟

– كان لونه اخضرا مرقعا.

 

* وما كان نوع اسلحتهم؟

– كلاشنيكوف.

 

* وكيف كانوا يحملون اسلحتهم؟

– بكلتا يديهم، يد على الزناد واليد الاخرى تمسك مقدمة السلاح. فيما كانوا يوجهونه نحونا.

 

* هل كنت قد سمعت صوت اطلاق النار من اسلحة الكلاشنيكوف من قبل؟

– وكيف لا، كان والدي كثيرا ما يحدد هدفا ويعطيني السلاح  ويعلمني كيف اصيبه. 

 

* وهل كنت قد رأيت اطلاق النار على انسان ويصيب؟

– كلا، الا مرة واحدة وذلك عندما قصفت فيها كوله جو وقد اصابت قذيفة مدفعية منزل رستم حاج حمه جان قتلت زوجته واثنين من اطفاله وجرحت طفلا آخر، ولم ار قط احدا يموت بالرصاص.

 

* وهل كان وجه الجنديان اللذان كانا يقفان حول الحفرة مغطى؟

– كلا كانا يضعان بيريات فقط.

 

* وماكان لون البيريات؟

– كانت حمراء.

 

* واحذيتهما؟

– كانت سوداء.

 

* هل نظرت الى الجنود قبل ان يطلقوا النار عليكم؟

– نعم.

 

* وكيف بدوا؟

– كانوا مخيفين جدا، تصور انك جالس وان احدا يقف فوق رأسك وبيده حجر او عصا وتعلم انه سيضربك ستخاف منه طبعا، كانوا يوجهون اسلحتهم نحونا ونحن في الحفرة وهم يقفون فوق التراب الذي اخرجته الجرافة من الحفرة مما زاد من ارتفاعهم فوقنا، كانوا مخيفين جدا.

 

* هل كان عندك امل في نجاتكم انذاك؟

– في الحقيقة لا اعلم، كنت استغرب من انهم يريدون قتلنا لاننا لم نكن قد فعلنا شيئا لذلك كنت اعتقد ان الله لن يسمح بان يظلمونا وان احدا ما سيأتي لانقاذنا.

 

* ومن كان ذلك الشخص في تصورك؟

– لا اعلم لم اكن مسيطرا على تفكيري ولكنني كنت اتصور ان يكون ذلك الشخص هو ابي.

 

* وكم استغرقت المدة التي كنتم معدين فيها للاعدام في الحفرة والجنود فوقكم واسلحتهم بأيديهم معدة للاطلاق حتى اطلقوا النار؟

– عندما انزلونا من السيارات وحتى ادخلونا في الحفر وجلسنا فيها وحتى اطلاقهم النار ربما استغرق عشرة دقائق او ربع ساعة تقريبا.

 

* وهل كنتم اول من اطلق عليهم النار ام كانت الحفر الاخرى؟

– اعتقد انه تم اطلاق النار على جميع الحفر في وقت واحد لانني لم اسمع اطلاق النار قبل ان تطلق علينا، مع اطلاق اول مجموعة من الرصاصات ربما بدأ الاطلاق على الحفر الاخرى ايضا.

 

* الا تعتقد انكم كنتم اول مجموعة تطلق عليها النار لانكم لم تسمعوا اطلاق النار قبل ذلك؟

– لا ليس الامر كذلك، لانه لوكان كما تقول لكان يجب ان يأتي صوت اطلاق النار من الحفر الاخرى بعد ان اطلقوا النار علينا وقتلوا كل اولئك النساء والاطفال. كنت لا ازال في وعي بعد فترة ولم اسمع اي اطلاق للنار، لقد بدأت اصوات الرصاص في البداية من كل صوب.

 

* وقبل اطلاق النار هل سمعت اي صوت كصوت احد يأمرهم باطلاق النار ام سمعت اطلاق النار فجأة؟

– كان يبدو ان احدا أمرهم بذلك ولكنني لم اكن اعرف العربية لا اعلم ماذا قال لهم.

 

* الا تتذكر تلك الكلمة التي سمعتها؟

– كلا، سمعت صوتا من بعيد فقط كأنه ينادي عليهم فبدؤا باطلاق النار.

 

* وكم استغرق اطلاق النار؟

– لا اعلم، ولكنني اعلم ان الرصاص نفذ منهم وغيروا مخازن الاسلحة مرتين واطلقوا جميع الرصاصات علينا.

 

* وماذا فعلت اثناء اطلاق النار، هل اغمضت عينيك خوفا ام خفضت رأسك، هل تستطيع ان تتذكر مظهرك انذاك؟

– نعم اتذكر وكأنها هذه اللحظة اتذكرها باستمرار ولن انساها حتى الممات، لا اقول انني لم اكن خائفا، كنت خائفا كثيرا ولكن كنت وكأنني مصدوم او ان الله اراد ان اشاهد مايحدث كانت عيناي مفتوحتان اكثر وكنت احدق فيما يجري وكيف ان الجنود كانوا يغيرون وجهة اسلحتم اثناء اطلاق النار وكأنهم يرشون الماء.

 

* اذا فقد رايت كيف يصيب الرصاص الناس؟

– نعم رأيت ذلك، ولكن عملية القتل لم تكن بطيئة فتصيب رصاصة احدا في كل مرة بل كانوا يطلقون النار علينا كانهم يرشون الماء وفي لحظات قليلة اصيب الجميع ووقعوا فوق بعض.

 

* الم تنظر الى امك واخواتك، كيف كن؟

– نعم رأيت كيف اصابهن الرصاص وكيف استشهدن.

 

* اعذرني اعلم انني بهذه الرواية اسبب لك الما، ولكن تسجيلها مهم لتاريخ شعبنا وللحدث ايضا، لذلك ان كنت تستطيع حدثني اكثر عن المشاهد التي رأيتها؟

– في البداية اصابت رصاصة رأس امي التي كانت تضع وشاحا ابيض، تطاير وشاحها وسقطت، رأيت الدم يتدفق قرب وجنتها، كان الرصاصات تاتي بسرعة، اصابت رصاصة اخرى وجنة اختي لاولاو ورأيتها تسقط هي ايضا، وكانت اختي سنور قد فتحت كفها الايمن من الخوف وكأنها تريد ان تتجنب الرصاص فاصابت رصاصة يدها ورأيت الدم يتدفق من يدها ثم سقطت على جثة امي، لم ار اختي كيلاس اعتقد انها كانت خلف امي فلم اتمكن من رؤيتها. وقد اصابت رصاصة كتفي فاجمعت نفسي وفي لمح البصر سقط الجميع. كانت السيدة التي تعرفها امي ساقطة كأنها تصلي رأسها في الارض ومؤخرتها مرتفعة، كانت الرصاصات تصيب فخذها وتخرج منه وترمي معها الدم واللحم، سمعت خالتي آمنة علي نادت على امي مرتين وفارقت الحياة. كان الناس مجتمعين قبل ذلك ولكنهك سقطوا على بعضهم البعض بعد اطلاق النار وربما كان هناك اطفال لم يصيبوا ولكنهم وقعوا تحت الجثث وماتوا. توقف صوت اطلاق النار بعد ذلك وكنت اسمع صوت الدم فقط، لا اعرف ما حثني على ان لا ابالي بشيء فنهضت متوجها نحو الجندي الذي كان في ذلك الجانب من الحفرة والذي اطلق النار علينا وقتل امي واخواتي. هاجمت الجندي لا اعرف ما الذي كنت انوي فعله اكان غضبا ام كنت اريد التوسل اليه، كنت مصدوما ام لا اعلم ماذا افعل او اراد الله ان افعل ذلك، امسكت خصر الجندي بقوة، ورفعت رأسي فرأيت عيني الجندي وقد ملأتها الدموع، وهناك تذكرت اللحظة التي كنا في طوبزاوا حين فرقوا ابي والاخرين وقد كنت ممسكا يده بقوة وعندما نظرت اليه رأيت عيونه وقد امتلأت بالدموع فرأيت ان الجندي يشبه ابي، فخفض سلاحه نحو الارض، رأيت سلاحه وقد كان من نوع (كلاشنيكوف – مظلي) وقد دمج مخزنين للرصاص بشريط لاصق اسود، ولكن تحدث احد آخر بالعربية لا اعرف ماذا قال له كان يبدو انه يأمره بشيء ما فأمسك ذراعي بعد حديث الجندي الآخر ورماني مرة اخرى الى الحفرة. كان شيئا غريبا جدا فقد كاد يبكي حين كنت احضنه اما الان فرماني الى الحفرة مرة اخرى، سمعت ذلك الصوت الذي كان يتحدث بالعربية مرة اخرى، ادار الجندي وجهه نحوي واطلق مجموعة اخرى من الرصاص. فأصابت رصاصة ظهري وسقطت. بعد ذلك فقدت الوعي وكأنه اغمي علي او مت لفترة. افقت فشعرت اني استطيع ان اتحرك وان ارى، رفعت رأسي قليلا من الحفرة فلم يكن احد ظاهرا اول الامر، رفعت نفسي اكثر فرأيت الجنود من بعيد مجتمعين امام مصابيح السيارات وكأنهم ينوون الرحيل. ثم سقطت مرة اخرى وفقدت الوعي ولا اعلم اكان من الخوف او كان بسبب فقدان الدم والجروح. لا اعلم كم استغرقت هذه المرة وحين افقت كنت اسمع صوت جرافة، نهضت فرأيت من بعيد وهي تملأ الحفر بالتراب. كنت في وعي واعلم ان بقيت في الحفرة ورموا التراب علينا فسوف اموت، اردت ان اخرج من الحفرة فسمعت فتاة تقول الى اين تذهب؟، كانت الدنيا مظلمة تحدثت بهدوء وقلت هل انت بخير ام اصبت، قالت الفتاة انا بخير ولكن وقع رجلي تحت الجثث، فقلت لها هيا انهضي لنهرب ونختبيء. قالت بصوت منخفض لا اريد ان اترك امي كما انني اخاف من الجنود لذلك لن آتي. كانت فتاة ذات ثمانية او تسعة اعوام، لم عرف ماذا اقول لها او احاول معها لتخرج. الوم نفسي الان لانني لم اخرج تلك الفتاة، لا اعلم فأن ذلك هو شعوري وفهمي.

عندما حاولت الخروج من الحفرة انزلقت قدماي مرة او مرتين فوق التراب حيث حوله الدم الى وحل ولكنني خرجت ورأيت سيارة لاندكروزر امام ضوء مصابيح الجرافة من بعيد تبدو انها كانت تبحث بين الحفر للتأكد من ان احدا لم يهرب. رأيت داخل سيارة اللاندكروزر وكان فيها السائق وحده بزي الغاوير وبيرية حمراء. كنت قد خرجت من الحفرة ولم اكن استطيع العودة فاستلقيت على التراب الذي اخرجته الجرافة من احدى الحفر وكان من الرمل فحفرته قليلا ودخلت فيه مستلقيا، كانت الارض دافئة وكأني نائم في سرير، بعد ذلك وبارادة الله لا اعلم ماذا حل بي اكنت ادخل في غيبوبة او اموت واحيا من جديد ام انام فقدت الوعي تماما، لا اعلم كم استغرق الامر تردد صوت على مسمعي تصورت انه صوت ابي، لا اعلم اكانت حقيقة ام حلما، كان ينادي علي ويقول انهض يا تيمور انهض يا تيمور، تردد الصوت في رأسي مرارا، رأيت شيئا كظل رجل يلبس زيا ابيض كان يقف فوق رأسي ويقول لي: انهض يا تيمور واتبعني. الله عليم بما اقول حين ذهب من امامي خرج بعض الرمل من تحت قدميه وارتطم بوجهي، استفقت من جراء الصوت وعدت الى الوعي تماما، نهضت لاذهب وراء الرجل فرفعت رأسي ونظرت لكنني لم ار احدا، اظن ان الله ارسل الي ملكا لانهض من ذلك المكان وابتعد لانني حين نهضت وبدأت بالسير كانت الجرافة تكاد ان تقترب من الحفرة التي كنت قد خرجت منها.

 

* كم جرافة كانت هناك حسب ما تتذكر؟

– كانت هناك جرافة واحدة ظاهرة.

 

* هل حاولت فقط الابتعاد عن مكان رميكم بالرصاص؟

– بدأت اسير، في البداية كنت اريد ان ابتعد مسافة كافة ليزول خطر رؤيتي بواسطة مصابيح السيارة او الجرافة. بدأت اسير من تلقاء نفسي دون ان اعلم الاتجاه. كنت انزف واسقط واقوم من جديد. كان الظلام قد حل، ولكن السماء كانت مضيئة. لم تكن ارض تلك المنطقة تشبه ارض كردستان كانت المنطقة كلها سهول وتنبت فيها نبات ذات اشواك علمت لاحقا انه يسمى (عكول). كنت ارى النباتات وكأنها جنود بسبب الظلام فكنت اغير اتجاهي من الخوف واستمر بالسير لمسافة لأرى مجموعة من النباتات الاخرى فأركض في اتجاه آخر. كانت هناك نار مشتعلة ظاهرة من بعيد فتوجهت نحوها في البداية ولكنني فكرت فيما اذا كان هناك معسكر، فغيرت اتجاهي من تلقاء نفسي، سرت لمسافة فرأيت من بعيد مصابيح سيارة، كانت الارض مستوية             فتصورت انها كانت قريبة مني وتكاد تصل الي، فذهبت تلك  المرة ايضا في اتجاه آخر، في الحقيقة كنت اخاف من كل شيء وغيرت اتجاه سيري لمرات، كنت اسير مرة الى اليمين ومرة اخرى الى اليسار ثم اعود الى نفس الاتجاه السابق. كنت خائفا واقول في نفسي انهم يعلمون ببقائي حيا وهروبي من الحفرة ويبحثون عني، كنت اتخيل الآف التصورات واقول في نفسي من يعلم ربما قبضوا على الفتاة حية وقد ابلغتهم ان صبيا قد خرج حيا وهرب. كنت فاقدا التركيز، تخيل انك طفل في العاشرة او الثاني عشر من العمر تواجه كل تلك الصعوبات ويقتل جميع اهلك امامك وتهرب وانت مصاب مع الم وخوف كبيرين وفي ليل دامس وفي مكان نائ فماذا سيكون شعورك. حتى نفسي لم اكن اعلم كيف كان لدي القدرة لتحمل كل تلك المعاناة. اتخيل الفتاة التي تركتها في القبر الجماعي وهي حية واقول في نفسي لو شعرت بالخوف مثلها ولم اهرب في الظلام فمن كان يعلم الان ماذا جرى للنساء والاطفال المؤنفلين كان على الكرد ان يبحثوا عن مصيرهم الى الابد، ولكني اقول ان الله انقذني لكي لا تبقى تلك الجريمة مخفية.

 

* هل كان هناك مكان ظاهر او كان هناك سبب ما لان تسلك الاتجاه الذي كنت تسير فيه؟

– لا، ما كان يظهر في تلك اليلة هو الضوء فقط، نار او مصابيح سيارة، ولكنني كنت اخاف ان اتوجه الى اي ضوء حيث كان ظهور كل ضوء في تلك المنطقة دليلا على وجود معسكر او سيارة عسكرية، لذلك كنت اسير عشوائيا، كنت اسير في الظلام وقد وقعت في حفرة وكدت اسقط فتوقفت لارى ما هي تلك الحفرة وخفت من انني قد وقعت مرة اخرى في حفرة مليئة بالجثث، فرأيت انها آثار عجلات سيارة وقد خلفت حفرة عميقة في الرمال، توقفت بجانب الحفرة وفكرت في جودتها وقلت في نفسي اذا كانت جديدة سأسير بأتجاه اثار العجلات ستوصلني الى منطقة سكنية، فتلمست أثار العجلات وادركت انها جديدة فتبعت اتجاهها. دعوت الله ان ينجيني وقلت سأهب خمسة دنانير في سبيل الله والرسول من مبلغ الخمسة عشرة دنيارا الذي اعطاني اياه والدي في طوبزاوا وقال اصرفوه عندما تصلون الى المدينة. سرت مسافة طويلة في اتجاه آثار عجلات السيارة ولكن الآثار كانت تختفي احيانا لا اعلم اكنت انا الذي افقدها ام انها لم تكن ظاهرة بسبب نعومة الرمال. فقدتها مرة او مرتين وكنت اجدها من جديد واخيرا اضعت الطريق ولكنني كنت مضطرا ان اواصل السير دون ان اعلم ماذا سيكون مصيري، كنت افتقد امي واخواتي وابي، كنت اقول في نفسي ترى اين ابي الان، اذا نجوت ووصلت الى ابي كيف اروي له ان امي وكيلاس وسنور ولاولاو قد قتلن بتلك الطريقة، يجب ان يقتنع بانني لم اكن مهملا ولا ذنب لي فيما جرى، يجب ان لا يلومني ويقول لماذا تركتهم. كنت امني نفسي واقول بانه قد شاهد ماجرى في طوبزاوا وانه لم يكن لاحد سلطة في الامر، فان كان لاحد سلطة لما كان ابي يسمح بان يفرقوه عنا. كنت اتخيل انهم ربما جاءوا بأبي والاخرين الى المكان نفسه ورموهم في الحفرة واطلقوا عليهم النار، كنت اقول في نفسي ربما نجا ابي وهو على قيد الحياة سألتقي به في تلك الصراء. كان ذلك صوت ابي الذي يتررد في اذني عند الحفر ويبدو انه هو الآخر كان قرب المكان وشاهد ماجرى لنا. وقفت ولدي امل انظر حولي لعله سيظهر. نظرت الى بعيد فرأيت طيفا يختلف لونه عن لون السماء وكان اكثر سوادا، كنت اعلم انه ليس من السماء ولا من الارض لانه كان اكثر ارتفاعا من الارض. ذهبت باتجاه الطيف وعندما اقتربت تعالى نباح كلب، ولكوني طفلا قرويا كنت اعلم انه توجد الكلاب في القرى، فرحت كثيرا بنباح الكلاب وقلت ان الله نجاني وان هناك قرية بالقرب من هنا، كنت اعلم ان هناك منطقة سكنية ولكن كنت خائفا من ان تكون معسكرا، وبعد ذلك اسرعت خطاي متوجها نحو نباح الكلاب. كانت الكلاب تتوجه نحوي، كنت اخشى ان تأكلني بسبب جروحي والدم الذي ينزف مني، جلست في مكاني خوفا وبحثت في رمال واخذت حجرا حتى ارميه عليها اذا اقتربت مني. اقتربت الكلاب مني وهي تنبح، كانت ثلاثة او اربعة كلاب ضخمة وانا جاث على الارض ولا اعلم ماذا افعل، اصرخ او ابكي او ارمي الكلاب بالحجر ام ابقى على حالي، فيما كانت الكلاب تدور حولي في شكل دائري وهي تنبح. بدا انه من الغريب بالنسبة للكلاب ما رأته في تلك الليلة الحالكة وفي ذلك الوقت المتأخر وفي تلك المنطقة النائية. كانت الكلاب تدور حولي على بعد امتار قليلة وهي تنبح، رميت الحجر عليها كوسيلة وحيدة للدفاع عن نفسي ومنعها من التقدم، فاصبت احداها، ظهر شخص من جهة الطيف وهو يحمل مصباحا متوجها نحو نباح الكلاب فرآني جاثا على ركبتي فاثار ضجة وابعد الكلاب ووقف بالقرب مني، فرحت كثيرا لان الله نجاني وبعث الي هذا الرجل، كما كنت اخشى ان يكون رجلا سيئا ويسلمي الى الحكومة لتقتلني. كنت خائفا جدا لم اكن اعرف شيئا عن العربية وهو كان من العرب فكيف افهمه ماذا كنت افعل هناك ولماذا جرحت وكيف وصلت الى تلك الصحراء. كيف كان ينبغي ان يتصورني، هل سيشفق علي او هو عربي مثل الجنود اللذين كانوا في طوبزاوا ولا رحمة في قلبه وسيسلمني ام سيتبناني، كنت انتظر ان يلهمه الله برحمته، ويعطيني على الاقل بعض الطعام والماء وارتاح قليلا. تحدث قليلا بالعربية لم اكن افهم كلامه فيما كنت متوترا من الخوف والفرح ولم اكن اعرف ماذا اقول (بعد فترة طويلة كانوا يروون انني كنت قد طلبت منه ان يأخذني الى مستشفى كلار). التقيت ذلك الرجل عام 2009مجددا وكان يقول لم يكن في تلك الصحراء احد حتى انها كانت خالية من الذئاب ايضا وقد استغربنا كثيرا من وجود صبي كردي في تلك الساعة المتأخرة من الليل وهو ينزف ويطلب ان نأخذه الى مستشفى كلار.

 

* وكيف علم انك طلبت ان يأخذك الى مستشفى كلار؟

– اعتقد ان الرجل كان جنديا في كردستان قرب الموصل لفترة وكان يفهم قليلا من اللغة الكردية. مسكني الرجل من ذراعي وانهضني وذهبنا باتجاه الطيف فرأيت انه دوار وادخلني اليها، كان هناك سيدة عجوزة وفتاة استيقضتا وكانتا مستغربتان كثيرا من رؤية صبي كردي وهو يرتدي قميصا وسروالا كرديا وجسده مغطى بالدم في تلك المنطقة النائية، ماذا اوصله الى دوارهم، احضروا لي خبزا ولبنا، وقد طلبت بصلا لا اعرف لماذا لكنهم لم يفهموني ولم يحضروه لي. وقد علمت لاحقا ان (الرجل كان اسمه غانم وكان جنديا في الموصل وقد تعلم قليلا من الكردية). جردوني من ملابسي واحرقوها ومسحوا الدم من على جسدي والبسوني دشداشة، استغربت كيف انهم كانوا رجلا وسيدة عجوزة وفتاة ولكن البسوني دشداشة كانت تناسبني تماما. بعد ذلك وضعوني في فراش فنمت مباشرة لانني كنت متعبا. ولما استيقظت في الصباح وقد اشرقت الشمس وجدت انهم اصحاب اغنام وقد جاؤوا الى ذلك المكان لرعاية الاغنام. رأيت في تلك الليلة الدوار فقط ولكنني رأيت في الصباح ان هناك سيارة اصغر من الشاحنة بقليل مع مجموعة من الاغنام ورجل اخر وصبي في نفس عمري، فأدركت ان الدشداشة كانت تعود لذلك الصبي وكان اسمه (خالد) اما الرجل الاخر فكان والده وكان اسمه (عبد). لم اعلم ان كانوا هناك في الليل ولم لتمكن من رؤيتهم ام جاؤوا في الصباح الباكر.

نقلوني في اليوم نفسه بالسيارة التي كانت واقفة هناك وقد ركبت السيدة والصبي معنا، كانت المنطقة مقفرة على مدى البصر، اعتقد اننا سرنا ساعات على طريق غير مبلط فبدأنا نرى المناطق السكنية تدريجيا، كنت استغرب من انه حين اخذونا في المساء الى تلك الصحراء كان الطريق مبلطا وقد سرنا مسافة قليلة في طريق غير بلط حتى وصلنا الى الحفر، اما الان فكان الطريق غير المبلط طويل جدا ولا ينتهي، لم استطع ان اسألهم عن شيء لانني لم اكن اعرف العربية ولكنني كنت اقول في نفسي ربما هؤلاء ايضا يخافون من الحكومة لذلك لا يسيرون على الطريق المبلط. وبعد مسافة طويلة صادفنا موكبا من السيارات العسكرية، خفت كثيرا وكنت اظن ان ذلك الجيش يبحث عني، شعرت بانهم ايضا كانوا خائفين من الجنود فعند ظهور سيارة عسكرية كانت السيدة العجوزة تغطيني بعباءتها وبذلك ادركت ان تلك العائلة تنوي ان تأخذني الى مكان ما وتخفيني عن الحكومة. وقد اوقفونا مرتين في الطريق لا اعلم اكانت نقطة تفتيش او مفرزة وضعت على الطريق، تحدثوا بالعربية مع السائق وفي احدى المرات فتحوا الباب الخلفي للسيارة حتى يتأكدوا مما فيها.

 

* هل كان الذين اوقفوكم جنودا؟

– نعم كانوا يرتدون الزي العسكري.

 

* الم تكن خائفا من ان يعتقلوك؟

– كيف لم اخف، كنت اظن ان ذلك الموكب العسكري الذي صادفناه في الطريق كان يبحث عني وحين اقفونا طننت انهم اكتشفوا انني داخل تلك السيارة. كنت اعرف ان السائق والسيدة العجوزة والصبي كانوا يخافون اكثر مني فحين كنا نقترب من الجنود كانت السيدة العجوزة تدخلني تحت عباءتها وتغطيني بها مع نفسها حتى لا يراني الجنود. في تلك المرة التي تحدثوا فيها مع السائق لم يروا داخل الشاحنة حيث كانت مرتفعة كما ان السيدة قد اخفتني تحت عباءتها، وقد رووا لي في عام 2009 انه حين اوقفنا الجنود سألوا السائق عن سبب سيره بسرعة فأجابهم بأن معه مريضا في حالة خطيرة.

 

* هل كانوا يقصدونك انت بذلك؟

– لا، على اساس ان المريضة هي السيدة العجوزة التي كانت تغطيني بعباءتها، سرنا لساعتين او ربما ثلاث ساعات الى ان وصلنا الى منطقة سكنية كانت عبارة عن مدينة. (قالوا لي فيما بعد انني حين رأيت تلك المدينة اثرت ضجة وكنت اقول انها كلار اعيدوني اليها). مررنا بالقرب من المدينة وسرنا مسافة اخرى وصلنا الى قرية تضم سبعة او ثمانية منازل، رأيت اهل القرية وقد كانوا مختلفين في نظري حيث كانوا يرتدون نفس الزي، بعض الرجال كانوا يضعون فوق روؤسهم كوفيات سوداء والبعض الاخر منهم يضعون كوفيات حمراء ويربطونها بحبل اسود. كنت اقول في نفسي اين انا ومن هؤلاء ولماذا يرتدون ذلك الزي؟ ولم كان الرجل العربي والسائق يلفون رأسيهما بالكوفيات ولماذا لا يشبه زيهم زي اهل القرية. دخلنا احد البيوت كان يبدو كأنه منزلهم ولكن كانت هناك عوائل اخرى. وضعوني على سرير وقد اجتمع الاطفال من حولي وكان افراد الاسرة يأتون ويذهبون فشعرت انهم متوترون. كنت خائفا مماسيجري لي، وبعد قليل بدأوا بمداواة جراحي ومسحها ودهنها. كنت اتألم كثيرا ولكنني كنت فرحا واقول في نفسي لولم يكونوا عائلة طيبة لما كانوا يداونني وانهم لن يسلموني الى الحكومة انشاء الله.

 

* الم تسال عن اسم القرية؟

– كيف اسأل، لم اكن اعرف لغتهم. ولكنن تعلمت لغتهم بعد بقائي بينهم لفترة حينها علمت ان اسمها (آل عيشم).

 

* هل بقي معك الرجل والسيدة اللذان جاءا بك من الدوار الى القرية ؟

– بقيا حتى بعد الظهر ثم غادرا وتركاني وحدي في ذلك المنزل. تأثرت بذهابهما وكأن لدي احساس تجاههما حيث كانا اول شخصين اراهما وساعداني واخذاني من تلك الصحراء الى القرية كما كنت احب ان يبقيا معي ولكن كان عدد افراد تلك الاسرة كبيرا وكان لديهم اطفال في عمري، لم يكن حولي خاليا. بقيت في ذلك المنزل حوالي عشرة ايام وكانت حالتي النفسية سيئة خلال الايام الاولى، عندما كنت اراهم يجلسون نساءا واطفالا ورجالا حول السفرة كنت اتخيلهم وكأنهم عائلتي وانني ارى ابي وامي واخواتي، فكنت ابدأ بالبكاء ولا استطيع ان آكل شيئا، كانوا يعتقدون ان بسبب بكائي هو آلام جروحي فكانوا يحمون قماشا ويضعونه على الجروح. كنت اتألم كثيرا فكلما اختلط معهم يعود بي تفكيري الى عائلتي ومنزلنا في كوله جو، لا اعلم هل كان السبب ان منزلهم في كان في القرية فكا يذكرني بحياتنا القروية  ام كان السبب هو انني رايت امي واخواتي تمتن بتلك الطريقة. كنت غارقا في الهموم والآلام. خلال الايام العشرة اصبحنا مع الاطفال الاخرين ننجذب نحو بعضنا ونفهم بعضنا بالاشارة. وذات مساء كانت الشمس قد غابت شعرت بان اهل القرية جميعا كانوا متوترين وليس من كانوا في المنزل فقط وكأن شيئا قد حدث او يعلمون ان شيئا سيحدث كانوا يتحدثون معا ويتحركون ذهابا وأيابا، لم اكن افهم كلامهم ولكنني كنت اعرف ان شيئا سيئا قد حدث. كنت اتخيل انه ربما ستهاجمهم الحكومة مثلما هاجمت قرانا وترسل اليهم الجيش والجحوش ولكن كونهم عرب والحكومة ايضا من العرب لم اكن اعتقد ان تكرههم حيث لم يكونوا اكرادا. لم اعلم ماذا يجري وقد كان امرا محزنا وكان لدي احساس بانهم ربما يواجهون امرا سيئا بسببي او ان الحكومة علمت بوجودي في القرية الا انني لم استطع ان اعبر عن شعوري هذا فكنت مثلهم اشعر ان هناك مشلكة ما ولكنني لم اكن اعرف ماهي. كنت اقول في نفسي اذا كان هناك امرا محزنا فانهم يعرفون ماهو، اما بالنسبة لي فكان الامر اكثر حزنا حيث كنت اشعر ان هناك امرا ما ولكنني لا اعرف ماهو.

اركبوني في تركتر وتركنا القرية، كنا انا وشخص عربي يقود التركتر. اخذوني الى قرية اخرى ووضعوني في منزل كان فيه رجل مسن يبدو انه من اقاربهم. هؤلاء ايضا كانوا عائلة كبيرة ولديهم مجموعة من النساء والاطفال، كان المكان عبارة عن قرية ايضا ولكن منازلها لم تكن من الطين بل كانت مثل منازل المدن. كانوا يخدمونني كثيرا ويرعونني، لا اعلم كيف قدموني اليهم، هل رووا لهم الحقيقة فقد كانوا يشفقون علي، ايا كان السبب فانني كنت اعلم انهم يراعونني ويعاملونني وكأنني امانة عندهم.

اكتشفت بعد فترة طويلة ان القرية الاولى كانت لعائلة واحدة وكانت تضم عوائل سبعة اخوة معا. كان السيد غانم اخوهم، وكان احد المنازل يعود اليه. وبعد الايام العشرة نقلوني بنفس  السرعة وفي الليل عن طريق تركتر، لان احد اخوتهم مات في حادث سير فكانوا يخافون من ان يكتشف امري خلال ايام العزاء والزحمة لذلك ارسلوني الى قرية لاقاربهم قريبة منهم حتى ابقى هناك الى ان يجدوا لي حلا.

 

* الم تعرف ما اسم تلك القرية فيما بعد؟

– في الحقيقة لا اعرف اسمها ولم اسال عنه، فقد ذهبت اليها تلك المرة فقط ولم اعد اليها ابدا، ولكن اعرف انها كانت لاقاربهم، وقد استقبلوني تلك المدة بسببهم، ولكن من حقهم علي ان ازورهم  اذا عدت مرة اخرى الى تلك المنطقة وسأسأل عنهم وسازورهم اذا كانوا باقين في مكانهم.

 

* كم بقيت هناك، او كم ابقوك عندهم؟

– بقيت حوالي اسبوعين في ذلك المنزل، وفي احدى الليالي جاءت سيارة خصوصية زرقاء، كان فيها رجلان وذهبنا الى مكان اخر كانت مدينة وانها كما تبدو لم تكن بعيدة حيث وصلنا بسرعة. توقفت السيارة في السوق، كان السائق ينظر الي كثيرا وكأنه يشفق علي او كأنه يريد ان يشتري لي ملابس، نزل من السيارة ودخل الى دكان و حين عاد كان قد اشترى لي ساعة واعطاني اياها، كنت اضع ساعة مكسور الزجاج في يدي ولم تكن تعمل ويبدو انه رأى ان الساعة مكسورة في يدي ولا تعمل فأشترى لي واحدة، فرحت كثيرا بالساعة ولانني كنت اعرف انهم كانوا يشفقون علي ويحبونني، فوضعت الساعة المكسورة في السيارة ولبست الساعة الجديدة.

 

* الم تعرف ما اسم المدينة مثلا الم تقرأ لافتة او شيء آخر يشير الى اسم المدينة؟

– لم يكن تعليمي آنذك كافيا لاقرأ تلك الاشياء، كما لم اكن اعرف اللغة لاسال ولم يكونوا يعرفون الكردية حتى نفهم بعضنا، وقد عرفت بعد عدة اشهر ان المدينة كانت السماوة. سار قليلا داخل المدينة وتوقف امام احد المنازل واشار الي بان انزل، دخلنا المنزل الذي كان مزدحما واخذوني الى وسط افراد العائلة اللذين كانوا ينظرون الي ويتحدثون وكأنني مختلف بالنسبة لهم. لم يكونوا يفهمون مني كما لم اكن افهم منهم شيئا، كان شيئا محزنا جدا ولكنني كنت اعلم انهم عائلة طيبة وقد زال خوفي من ان تعتقلني الحكومة. في بداية وصولنا الى المدينة خفت وكنت اقول في نفسي ان الحكومة موجودة هنا وسيتعرفون علي، وكان يبدو ان السائق ايضا شعر بخوفي لذلك نزل واشترى لي تلك الساعة، وقد كانت الساعة سببا في زوال خوفي واشارة الى انهم يحبونني. لم تمر فترة طويلة على وصولنا حين طرق شخص الباب وعندما فتحوا الباب دخل جندي كان يرتدي نفس الزي الذي يرتديه الجنود اللذين اطلقوا علينا النار، كان الزي اخضرا مرقعا. لم يكن بأرادتي ولكنني اختبأت تحت طاولة كانت في الغرفة من الخوف فرأيت معظم افراد الاسرة قد بداؤا بالبكاء وكان يبدو انهم يتفهمون خوفي ويشفقون علي. غير الجندي ملابسه وارتدى دشداشة وجاء قربي وكان يبدو انه يريد ازالة خوفي وكأنه شعر بخوفي الكبير منه فجلب لي عصيرا وكعكا كما كان يواسيني، وبعد عدة شهور علمت ان اسمه هو (جاهل كتيل عيشم) وهو ابن عمهم وصهر لهم.

كانت ذلك اول ليلة اعود فيها الى مكان توجد فيها الحكومة واعيش في المدينة، نومونا انا وصبي في مثل عمري في غرفة وفي وقت متأخر من الليل كنت بحاجة الى قضاء حاجتي ولم اكن اعرف ماذا افعل، كيف اخرج واجد المرافق، ايقضت الصبي ولكن لم يكن يفهم ماذا اريد وكذلك لم اكن استطيع ان افهمه لماذا ايقضته، كنت احاول افهامه بالاشارة ويسوء وضعي اكثر، واخيرا وبعد محاولات كثيرة فهم انني ابحث عن المرافق.

بعد فترة طويلة من بقائي كان كل شيء صعبا بالنسبة لي بسبب اللغة، كنت اعيش في معاناة كبيرة، وكنت اعاني من الم اكثر بسبب جراحي حيث لم يتجرأوا ان يأخذوني الى المستشفى للمعالجة وقد بقيت في تلك القريتين حوالي عشرين يوما، كانوا يمسحون الجروح بقطع قماش ويدهنونها، كان يبدو وكأن الاوساخ اجتمعت في الجروح واساءت حالها، وفي صباح الليلة التي وصلنا فيها اجتمعت العائلة من حولي ودخل رجل جلب معه بعض الحقن واللفاف والمعقمات، وحين رأيت الحقنة اثرت ضجة وكنت اصرخ وابكي لاننا كنا نخاف من الحقن بقدر خوفنا من الحكومة حيث كانوا يخوفوننا بالحقن ونحن اطفال، حين كنا نقوم بشيء لايحبذه اهلنا في المنزل كانوا يتوعدونا بضربنا حقنة، لم نكن نحن فقط بل تم اخافة اطفال القرية جميعهم بتلك الطريقة، وفي المدرسة ايضا كان المعلم حين يكلفنا بواجب ما يقول لنا ان لم تدرسوا فسوف استدعي الطبيب ليضربكم حقنة، لذلك كنا نخاف من الحقنة كثيرا، صدقني لقد رأيت كل تلك المعاناة وقد قتل كل اولائك النساء والاطفال جماعيا امامي لم اصرخ ابدا ولكن حين دخل الرجل ومعه الحقن والادوية كدت اموت من الخوف، كنت ابكي بينما كان علاجي يتطلب ان يستعملوا الحقن والادوية، اعطوني حقنة كدت اموت من الخوف بسببها وتقيأت كل ما اكلته من فطور ذلك الصباح، وقد رأيت شيئا غريبا منهم فقد وضعت احدى فتيات العائلة ما تقيأته في يديها وخرجت الى الفناء وتوجهت الى السماء ورددت بعض الكلمات بصوت عالي ورمت القيء الى السماء، كان شيئا غريبا بالنسبة لي واصبح ذلك عقدة عندي كنت اريد ان اعرف مامعنى ذلك، ولاحقا بعد ان تعلمت العربية سالتهم عن السبب وراء ما فعلوه فقالوا لقد دعونا الله ان لا يقبل الظلم الذي ارتكب بحقك. 

بدأوا بمداواة جروحي التي كادت تجف من كثر ما دخلت فيها من اتربة وبقائها كل تلك المدة دون علاج، لقد فسد الجرح من الداخل ففتحه واخرج منه الاوساخ وسكب عليه دواءا ابيض كالطحين وربطه باللفاف، ابقوني عدة ايام في تلك الغرفة وكان ذلك الرجل يأتي يوميا ويداوي جروحي، كان من اقاربهم واسمه (منشد) كما كان خطيب احدى بناتهم اسمها (كريمة) وقد اعدمته الحكومة عام 1989 اعتقد لانه كان من جماعة حزب الدعوة، كانوا يقولون ان مستشفى عسكريا قد انفجر وقد اعتقل مجموعة من الاشخاص كان (منشد) ضمنهم. كانوا يعاملونني وكأنني ابنهم وكان اولادهم يجتمعون من حولي يوميا، كنت اشعر انني اختلط بتلك الحياة الجديدة وكنا نفهم بعضنا عن طريق الاشارات. كانت جروحي تمتثل للشفاء ويخف المي فنقلوني الى غرفة اخرى ووضعوني معهم. وفي المساء فتحتوا التلفزيون الذي كان يظهر صور الجيش وصدام فشعرت ان الجيش وصدام قريبون مني في الحقيقة فاجهشت بالبكاء من خوفي. كان يبدو انهم فهموا من تصرفي ذلك ان جيش صدام هو الذي جاء بي الى تلك المنطقة وقام باصابتي، شعرت انهم تأكدوا تماما من سبب خوفي في الليلة الاولى من ذلك الرجل الذي دخل الغرفة وهو مرتد زيا عسكريا. رأيت احدى النساء وهي تمسح عيونها وتبكي كانت ربما قد تذكرت امورا مثلي عند رؤية صورة صدام وجيشه او كانت تبكي شفقة منها علي. وفي الصباح كان يبدو ان الاطفال لم يعرفوا انني خفت من صور صدام في التلفزيون عند المساء فاحضروا لي بعضا من الكتب المدرسية وحين طويت الصفحة الاولى من الكتب كانت تضم صورا لصدام كنت اشوه وجهه بالقلم وبذلك كانوا يشعرون انني اكره صدام ولكنهم لم يكونوا يعرفون السبب بعد. وفي احد الايام جلب لي رب العائلة جرافة صغيرة من السوق لالعب بها وبمجرد ان اخرجها من الكيس ومدها الي تخيلت كل مشاهد المقبرة الجماعية، اصبحت تلك الجرافة الصغيرة في نظري نفس الجرافة التي كانت ترمي التراب فوق الجثث، لم اعرف اللغة لافهمهم فاظطررت الى عض الجرافة وكنت اريد تحطيمها وتحويلها الى اجزاء. لم يكونوا يعرفون مافي داخلي ولماذا اكره الجرافات فكنت اشعر انهم يرونني كمجنون وقد اصبهم الصدمة، كنت اصرخ واركل الجرافة واضرب صدري وامد يدي الى جروحي لكي يفهموا. كسرت الجرافة وقد رموها خارجا وكان يبدو انهم فهموا شيئا من ان حالتي متعلقة بالجرافات ولكنهم لم يكونوا يعرفون ماهي. في يوم من الايام جاء صهرهم الذي كان يداويني ومعه كتاب اعطاه لخطيبته، في البداية لم اكن اعلم ما ذلك الكتاب وقد اكتشفت لاحقا ان الكتاب هو قاموس كردي عربي وكانت الفتاة تأتي وتجلس قربي وتطلب مني ان اتحدث، وكلما قلت كلمة كانت تبحث في الكتاب وتريد ان تعرف ماذا اقول وقد استمرت معي هكذا حتى اتعلم العربية. كان المي يخف تدريجيا. بعد عدة ايام جاؤوا برجل كردي يرتدي دشداشة، بدأ الحديث بالكردية سألني عما جرى لي ومن اية منطقة انا واي جزء في جسمي يؤلمني، في البداية كنت سعيدا وكأنني رأيت ملاكا فبعد كل تلك الاحداث التي كنت اعتقد انهم قتلوا فيها جميع الاكراد هاهو كردي آخر باق على قيد الحياة ويتحدث بالكردية، ولكنه مهما سألني وحاول الحديث معي لم اتكلم معه كلمة واحدة.

 

* لماذا لم تحدثه فربما كان منقذا ويعيدك الى اهلك؟

– حتى نفسي لا اعرف كنت مصدوما لا ادري اكانت مشيئة الله فعقد لساني ام انني لم ارغب بالحديث. كان يبدو انه فهم انني اصم وابكم فلم يبالي بالامر وذهب، لقد جاؤوا بذلك الشخص الكردي حتى يفهموا من انا ولماذا جرى لي تلك الامور وما اوصلني الى تلك الصحراء، ولكنهم لم يفهموا شيئا. بعد ذلك كنت افكر في الامر واقول في نفسي لماذا لم اتكلم من يدري فربما كان سياخذني الى بيته ويؤويني الى ان يعيدني الى كلار، ولكنني سرعان ما كنت اقول ان الله كريم فربما لو علم الرجل واصحاب المنزل بما جرى فمن المحتمل انهم كانوا سيطردونني خوفا، كان يبدو ان الله كتب لي ان ابقى هكذا ولا يعرفوا الحقيقة، على الرغم من انني وبعد ان رويت لهم كل الاحداث وتأكدوا من مدى الخطورة التي كنت اشكله عليهم اذا اكتشفت الحكومة ربما كانت العائلة باسرها ستذهب في خبر كان الا انهم كانوا يحترمونني اكثر من اولادهم، كما كنت صبيا نظيفا وذو بشرة بيضاء وشعر اسود وعيون وحواجب كبيرة، ومع انني لم اكن وسيما الا انني كنت ابدو كذلك مقارنة بالصبية العرب اللذين كانوا جميعا سودا وكان ذلك سببا في ان يحبني الجميع.

كان الشيء الوحيد الذي استغربه هو عدم سماحهم لي بالخروج من الباب الخارجي، في البداية كنت اعتقد ان الامر له علاقة بالجروح ولايريدون ان يؤلمني الاطفال في الاخارج، ولكن حتى بعد ان يبست جروحي وزال المي لم يكونوا يسمحون لي بالخروج وكان يبدو انهم اوصوا اطفالهم بمراقبتي حتى لا اخرج، لذلك فبالاضافة الى ان الكبار لم يكونوا يسمحون لي بالخروج فكلما غابوا واردت ان اخرج مع احد الاطفال كان الاطفال كذلك يغلقون الباب علي. حتى اذا جاء احد اطفال الجيران الى فناء المنزل كانوا يدخلونني لكي لا يروني، وحين كان يأتيهم الزوار يأخذونني الى غرفة اخرى.

اصبح همي ترى ماذا يوجد في الخارج بحيث لا يسمحون لي برؤيته، وقد رووا لي لاحقا بعد ان تعلمت العربية انهم لم يكونوا يسمحون لي بالخروج لان اثنين من جيرانهم كانا رفيقان حزبيان وذلك خوفا من ان يشعر اطفالهم بانني غريب بينهم فيذهبوا ويتحدثوا عن ذلك عند اهلهم ويكتشف امري وكانوا قد قاموا بذلك خوفا على انفسهم ولسلامتي. بعد ان تعلمت العربية تماما كنت اخرج مثل اولاد العائلة، وقد تعرفت الى ابن احد الرفيقن الحزبيين وكان اسمه (يعرب) وذلك عن طريق احد ابناء العائلة كان اسمه حسين، واعتقد ان لدينا صورة معا انا وهو وحسين وشخص آخر كان يسكن في نفس الحي.

كنت قد بقيت حوالي ثلاثة شهور في ذلك المنزل الى ان سمحوا لي بالخروج، وذلك بعد ان تعلمت بعضا من العربية، وفي بداية خروجي ابلغوني ان لا اتحدث وان لا ارد على احد وان اظهر نفسي وكأني اصم وابكم، ويبدو انهم قالوا ذلك لان امكانيتي في اللغة العربية لم تكن جيدة جدا لكي لا يشعر احد باني لست من افراد العائلة، من جهة اخرى كانوا يخشون ان افشي امرا اذا تحدثت مع اطفال الحي.

 

* بعد بقائك كل تلك المدة في ذلك المنزل في السماوة، لاشك انك كنت تعرف لمن يعود المنزل؟

– نعم كان منزل (فالح سفاح) رحمه الله حيث فارق الحياة. وقد اخذ مكانه احد ابنائه على رأس العائلة واسمه السيد (حسين). والعائلة هي عائلة كبيرة في السماوة. وكان اسم زوجته (زعينة) وكانت تكنى بأم حسين. كانت سيدة حنونة جدا وتحبني وكانت قد قالت لجميع اولادها انني اخ لهم. كنت كأبن للعائلة ولم اكن اشعر ان البنات يفرقن بيني وبين اخوانهن والابناء كانوا يعاملونني بنفس الطريقة. حتى ان ام حسين كانت تأتي خلال الاعياد وتقول لي اي لون احب حتى تشتري لي دشداشة من ذلك اللون. كانت غالبا ما توقضني في الصباح بنفسها وتقبلني وحين استيقض تعطيني مصروفا، كنت اشعر انها تريد ان تشعرني بعطفها حتى لا احس بالحرمان من عطف الوالدين، وانا بدوري كنت احبها واحترمها كثيرا.

 

* ومتى استطعت ان تكشف عن امرك وتروي لهم ماجرى لك؟

– الم اقل انهم كانوا يحاولون يوميا ان يفهموني، الفتاة التي كانت تحاول معي عن طريق القاموس وكان اسمها (كريمة) كانت معلمة وقد ساعدتني كثيرا لاتعلم العربية، كانت تعلمني الكلمات فتعلمت اللغة تدريجيا وكنت اروي لهم ماحصل، استطيع ان اقول انهم عرفوا كل شيء عني خلال عدة اشهر وقد كانوا ينادونني في البيت بـ(علي) وطلبوا مني ان يكون اسمي عندهم (علي) وليس (تيمور)، فوافقت واسموني (علي عبد عيشم) واعتنقت المذهب الشيعي وكنت اصلي مثلهم.

 

* هل كنت تصلي قبل ان تعتقلوا في قريتكم؟

– كلا لم اكن اصلي.

 

* وهل كان والداك يصليان؟

– نعم كانا متدينين جدا، اعتقد انه حين جرى لنا ما جرى كنا في شهر رمضان وكانا صائمين حتى وصولنا الى مله سوره وكان معظم الناس كذلك.

 

* بعد معرفة تلك العائلة بقصتك كيف اصبح تعاملهم معك؟

– كان تعاملهم معي افضل من السابق، كانوا يحترمونني في البيت كالسابق  ويأخذونني معهم احيانا الى السوق، ولكنهم قليلا ماكانوا يسمحون لي بالخروج الى الحي، كان يجب ان اظهر نفسي كأصم وابكم، وقد وصل الحال الى ان لغتي اصبحت جيدة وكنت قد نسيت اللغة الكردية لانني لم اكن اجد من اتحدث معه بالكردية، تمكني من اللغة العربية وصل الى مستوى لم يكن يختلف عن مستوى لغتهم ولهجتهم في شيء وبعد ذلك لم يكن احد يصدق انني لست من العرب ولست ابنا لتلك العائلة ولم يكن احد ليصدقني اذا قلت انني كردي حيث كنت قد نسيت اللغة الكردية ، ولم يبق عند العائلة ايضا خوف من ان يكتشف امري وان يشعر ابناء الحي وبيوت الجيران بأنني لست ابن تلك العائلة، وضعوا لي خطة لاتحدث مع الاطفال والضيوف واذا سال احد عن سبب تمكني من الكلام في حين لم اكن كذلك سابقا ان اقول لهم اني اجريت عملية في بغداد وشفيت. بعد ذلك اختلطت تماما مع عائلات اقاربهم كنت ازور معهم عائلات الاقارب والمعارف كأبن للعائلة وكنا نذهب كثيرا الى قرية (آل عيشم) ونعود الى السماوة.

 

* كان يجب ان اسأل هذا السؤال من قبل، ماذا حصل للـ(15) دينارا التي اعطاك والدك اياها والسكين ومصقل الكرات الحجرية؟

– نعم، عندما نجوت من القبر الجماعي كانت لاتزال في جيبي، وعندما وصلت الى دوار العائلة العربية ونزعوا ملابسي الكردية واحرقوها والبسوني دشداشة، اعادوا المال الى جيبي ولكنني لم اعلم ماذا فعلوا بالكماشة مصقل الكرات الحجرية والسكين ربما حسبوا انها اشياء عادية لذلك لم يعيدوها الى جيبي، في الحقيقة انا نفسي لم اتذكر ما حصل لها كما لا اعلم ماذا جرى لكماشة الاظافر.

 

* الى متى بقيت معك الـ(15) دينارا التي اعطاك اياها والدك لتصرفها عند وصولكم الى المدينة؟

– كانت باقية معي حتى السماوة.

 

* وماذا فعلت بها هناك؟

– كنت هناك لعدة اشهر وكانت لاتزال باقية عندي، كانت تلك العائلة تشتري لي كل شيء ولم يكونوا يسمحون لي بصرفها، حتى ان كل من كان يذهب منهم الى السوق يجلب لي البسكويت والحلويات وما الى ذلك، وفي الفترة التي كنت اخرج بنفسي واذهب معهم الى السوق، في يوم من الايام كنا ننوي الذهاب الى آل عيشم اشتريت بخمسة دنانير منها حلويات وبسكويت وحب الشمس للاطفال في القرية، كنت حين خرجت من الحفرة قد وعدت بدفع خمسة دنانير كصدقة حتى انجو وقد اشتريت بها تلك الاشياء بدلا من الصدقة وقد وزعتها على الاطفال. ومنذ ذلك الحين لم اسأل رجل دين عن جواز صدقتي او عدمه، اما العشرة دنانير الباقية معي والتي كان مبلغا كبيرا في ذلك الوقت فقد صرفتها خلال بقائي هناك مع اطفال العائلة.

 

* متى شعرت بان حب العودة الى كردستان بدأ يظهر عندك؟

– كانوا يفعلون كل شيء ليخففوا عني آلامي حتى لا اشعر بالغربة، كنت اشعر ان جميع عوائل الاخوة ينظرون الى بنظرة واحدة وكانت كل عائلة تعتبرني كأبن لها. ولكنني كنت دائما افكر في ان اتمكن من العودة الى كردستان الى اهلي خصوصا بعد ان علمت منهم ان الكرد باقون وان هناك تنقل الى كردستان، فعندما اخذونا الى طوبزاوا ورأيت هناك كل اولائك الاشخاص معتقلين كنت اعتقد جميع الاكراد قد اعتقلوا، وحين كنت ارى يوميا وهم يركبون الناس من طوبزاوا ويأخذونهم وحين اركبونا نحن في تلك السيارات ورأيت ما فعلوه بأهلي وكيف دفنوا الاشخاص اللذين كانوا معنا كنت بعد ذلك اعتقد انهم قتلوا جميع الاكراد، لذلك لم اكن في البداية افكر في العودة الى كردستان وكنت اعتقد ان كردستان كلها اصبحت مقفرة مثل الصحراء التي اعدوا فيها الحفر لقتلنا، ولكن اثناء وجودي مع تلك العائلة وبسبب زيارات عوائل الاخوة لهم كنت اسمع اخبارا حيث كانوا يتحدثون عن الكرد وكردستان، فظهر عندي ميل للعودة. هناك علمت ان ايران والعراق خاضا حربا لمدة ثماني سنوات وكانوا يتحدثون عن ان ضرب (هلبجة) وكانوا يسمونها (حلبجة) بالاسلحة الكيمياوية قتل فيه خمسة آلاف شخص. كما كانوا يتحدثون عن ان العراق قد احتل الكويت وربما ستندلع حرب اخرى وتضرب امريكا العراق. عندما كنت اسمع تلك الامور كنت اخاف واقول في نفسي قد يضطرب البلاد بشكل لن اتمكن ابدا من الوصول الى اهلي. وكنت اخاف ايضا ان اعود الى كردستان فان لم يكتشف امري قد تعتقل الحكومة مرة اخرى من تبقى ويعيدوننا الى تلك الصحراء ويقتلوننا ولكن توقي الى رؤية بلدي واهلي من جديد كان اكبر من ان احسب لتلك المخاطر حساب و وكان يحثني على ان اطلب منهم كل يوم ان يعيدوني الى اهلي.

كان السيد فاضل والسيد صالح جنديين، وكان السيد صالح يخدم في كردستان، وقد كان همي ليل نهار ان اتمكن من العودة وان اخبر الناس مافعلوه باهلنا. كما كان لدي امل بأن ابي ربما عاد وهو الان ينتظر خبرا عنا. كنت اقول في نفسي ان عوائل اعمامي في كلار كما لدي اقارب كثيرون في سرقلا و الصمود،  كنت اريد ان اصل اليهم واعيش وسط اهلي. لم اكن اعرف شيئا اخر عن كردستان، لم اكن اظن ان عودتي ستكون موضع حديث واسئلة الناس فيسألون: اين كان تيمور طوال تلك السنوات وكيف نجا وعاد وربما سيؤدي ذلك الى ان يكتشف امري. لم اكن اشعر بتلك المخاطر وكان املي الوحيد ان اعود الى قومي.

كنت اقول لهم بين الحين والآخر انني ارغب في العودة الى اهلي. كانوا في البداية يقولون ان الوضع سيء واذا اكتشف امر كيفية نجاتك سنذهب فيها نحن جميعا وانت ومن تبقى من اهلك في كردستان لذلك اصبر هنا فنحن نعاملك كابننا ونرعاك فابق هنا الى ان يفرجها الله، ولكنني لم اكن اتحمل، لذلك قرروا ان يحاولوا ايجاد احد من اقاربي، وقالوا اذا عاد صالح سنبلغه بان يبحث عن اهلك. كان السيد صالح يعود مرة كل ثلاثة او اربعة اسابيع ويبقى اسبوعا واحدا في البيت ثم يعود من جديد الى الخدمة العسكرية، فتعلق املي بعودة السيد صالح وكنت اعد الايام وانتظر عودة السيد صالح من كردستان الى السماوة.

 

* وابنهم هذا اين كان جنديا في كردستان؟

– في زاخو.

 

* وهل كان لديك امل بان يتمكن من الاتيان بخبر عن اهلك في كرميان وهو في زاخو؟

– لم اكن اعلم اين تقع زاخو، اهي بعيدة ام قريبة من كلار، ماكان يهمني هو انه في كردستان ويستطيع ان يجد كرديا يسأله عن اهلي.

 

* وهل كان لدى السيد صالح اية معلومات عن اهلك؟

– كلا، لذلك كنت انتظر عودته الى السماوة لازوده بالمعلومات ليسأل عنها عندما يعود الى كردستان. عاد السيد صالح الى البيت فقالوا له ان علي يريد ان يعرف اخبارا عن اهله حتى يتكمن من العودة اليهم فكلفوه بان يجد كرديا يثق به ليتحدث معه حول ذلك، فقال السيد صالح ان معهم كرديا سيتحدث معه حول الموضوع حين يعود. اعطيته بعض المعلومات حول اسم قريتنا والمدينة القريبة منها واسماء اقربائي واهلي ثم عاد الى الخدمة. ومنذ لحظة عودته الى كردستان كنت ادعو الله ان يجد شخصا مهتما بموضوع الكرد ويبحث عن اهلي. كنت استغرب كثيرا مشيئة الله فقد اعتقلني الجنود العرب واخذوني الى الصحراء ودفنوا اهلي وان تمكنوا من اعتقالي لكانوا سيقطعونني اربا اربا، والان آمل في ان يعديني جندي عربي الى كردستان.

وبعد فترة من طلبنا من السيد صالح محاولة ايجاد شخص يمكننا من ايجاد اهلي كان السيد صالح يقول ان معنا شخصا كرديا وقد تحدثنا قليلا عن الامر ولكنني لا اثق به بعد لاحدثه عن موضوعك، كنت خلال تلك المدة اعيش في قلق وانتظار بقدر كل مدة بقائي في السماوة، وفي احدى المرات عاد وقال لي حدثته عن موضوعك واعطيته اسماء اقاربك انشاء الله سنجد اهلك عند عودتي هذه المرة. كنت قد اعطيته عنوان بيت عمتي في سرقلا                  واسماء اعمامي في كلار وهو بدوره اعطى تلك المعلومات الى الشخص الكردي ليذهب ويجدهم.

 

* هل كنت تعرف اسم ذلك الجندي الكردي؟

– كلا لم اكن اعرف اسمه في ذلك الوقت، ولكنني علمت لاحقا ان اسمه اسعد الحاج حسين وهم في الاصل من اهالي قري (دسكه ره) في منطقة شهرزور وكانت قريتهم قد دمرت وقد اخذوا الى مجمع (النصر) قرب عربت وقد ارسل والده الى سرقلا ووجد بيت عمتي وحدثهم عني ولكن عائلة عمتي كانوا قد خافوا ولم يصدقوه لذلك اعطوه عنوان اعمامي في كلار وقد روا لعمي قصتي والمعلومات التي حصل عليها من السيد صالح عني. وكان الحاج حسين والد الجندي الكردي قد عاد واخبر ابنه السيد اسعد الذي عاد الى زاخو وابلغ السيد صالح بخبر ايجاده اعمامي اللذين يقيمون في كلار. وقد عاد السيد صالح الى السماوة بالخبر، كان خبرا مفرحا بالنسبة لي فبعد اكثر من عامين من الانقطاع وبعد ان تم تفريق ابي وعمي عمر وخالي عثمان عنا بالقوة في طوبزاوا وبعد ان قتلت امي واخواتي وعائلة عماتي معصومة وحمدية و عائلة خالي عثمان وعائلة الحاج حمه جان وعائلة السيدة بيروز جميعا كنت اظن ان الاكراد قتلوا جميعا وبقيت انا وحدي، اما في ذلك الوقت كنت اظن وكأن جميعهم بعثوا من جديد لذلك كنت متلهفا واريد ان يوصلوني باسرع وقت الى بيت اعمامي. كان السيد صالح واخوانه يقولون انهم يفكرون كيف يأخذوني وكيف يسلموني اليهم دون ان يتأكدوا من انهم اعمامي، فكنت اقول لهم اعيدوني الى كلار وهناك ساتعرف على اعمامي واقاربي بنفسي. يبدو انهم لم يوافقوا على ذلك فدبروا ان يأتي اعمامي الى السماوة وهناك يسمحون لهم لرؤيتي، وقد عاد السيد صالح مرة اخرى الى كردستان وكان يبدو ان اهله كانوا على علم بموعد عودته وقد اتفقوا على ان يأتي اعمامي الى السماوة عن طريق الجندي الكردي السيد اسعد الحاج حسين. وفي اليوم الذي كان مقررا ان يصل اعمامي اخذوني الى قريتهم آل عيشم ووضعوني مع اطفالهم اللذين كانوا من سبعة اسر وفيهم الكثيرين في مثل عمري، كانوا قد دبروا بينهم ان يكون جميع الاطفال معي حين ياتي الضيوف حتى يتاكدوا من ان اعمامي سيتعرفون علي ولم يكونوا قد ابلغوني بذلك ولكنهم قالوا لي ان اهلي سيأتون ذلك اليوم وقالوا لي ان لا اذهب اليهم مباشرة حال وصولهم. جاءت سيارة الى القرية وتوقفت عند مكان تجمعنا وبمجرد نزولهم من السيارة تعرف عمي علي وعمي عزيز علي من بعيد.

 

* هل كان اعمامك هم من في السيارة فقط او كان معهم السيد اسعد الجندي الكردي والسيد صالح؟

– كانوا اعمامي عمر وعزيز والحاج حسين والد الجندي الكردي وقد جاء بهم السيد صالح.

 

* وماذا فعلت حين نزلوا من السيارة؟

– كنت اتذكر ماقلوه لي بان لا اذهب لاستقبالهم ولكنني لم اتمالك نفسي وركضت مسرعا الى احضانهم، كنت اكاد ابدأ بالبكاء وقد تسارعت انفاسي فيما كانوا يضمونني بقوة ويستغربون عما اوصل ابن اخيهم الى تلك القرية في السماوة. اذا كان لديهم شك حين سمعوا الخبر عن ان (تيمور) وصل الى بيت عائلة عربية وكانوا مترددين في انه ابنهم ام لا، فان الان اصبحت المعلومات حقيقة وتيمور باق على قيد الحياة. ظللنا لفترة لا نترك بعضنا ونضم بعضنا ونبكي، ورأيت اللذين كانوا حولنا جميعا وحتى الاطفال يمسحون دموعهم، لا اعرف اكانوا يشفقون علي ام كانوا يبكون من فرح عودتي الى اهلي. كان اعمامي يتحدثون ويسألونني ولكنني لم اكن افهم لانني كنت قد نسيت اللغة الكردية كما كنت اسألهم عن ابي وعن جدتي التي كانت معنا حتى طوبزاوا، وكانوا ايضا لا يفهمون العربية الا عمي علي الذي كان يعرف قليلا ولكنه لم يكن يستطيع التحدث بها وقد فهمت منه ان (الجدة في كلار) ولكنه لم يتحدث عن ابي، كنت اذكر اسم ابي وعمي عمر واشير باصبعي واضعهما بجانب بعض كنت اريد ان يفهموا انني اقصد ابي واخيهم عبدالله وعمر ولكنهم كانوا يرددون (الجدة كلار) ففهمت انهم لايعرفون شيئا عن ابي وعمي عمر وربما عادت جدتي الى كلار ولكنني كنت استغرب ذلك حيث كنا معا حتى طوبزاوا وهناك تم تفريقه عنا، قلت في نفسي يبدو انهم اعادوه في نفس اليوم الى المجمع، وكنت اتذكر فيما بعد انهم  لا يعنون جدتي تلك وربما يقصدون جدتي حلاوة ام والدتي. فرحت برؤية اعمامي كثيرا وقد تأكدت ان هناك شخص يمكن ان يتبناني واستطيع ان اعود واعيش معهم، ولكنني ومنذ ان رأيتهم لم يفارق منظر ابي وامي واخواتي مخيلتي، كنت اتذكر الايام التي كنا نعيش فيها معا، فكنت ابدأ بالبكاء بين الحين والاخر، كان جزء من بكائي بسبب ابي وامي واخواتي لانني كنت اراهم في خيالي، ولكنهم كانوا يظنون انني ابكي من اجل اعمامي، كان افراد العائلة العربية يواسونني ويقولون حمدا لله فاهلك باقون وقد كنت تتمنى ان تتمكن يوم ما العودة الى كردستان وهاهم قد جاؤا اليك بانفسهم. كان اعمامي يقبلونني ويشدون على يدي، كنت امعن النظر في الرجل الذي جاء معهم، كنت اخشى ان يكون هو ايضا احد اقاربي ولا استطيع التعرف عليه، كنت اريد ان اسأل عن ذلك الرجل الذي جاء معهم ولكنني لم اكن استطيع ان افهمهم، فكان يبدو ان السيد صالح قد شعر بانني اريد ان اسأل ذلك السؤال فقال ان هذا الشخص هو والد السيد اسعد الجندي الذي يخدم معي، وقدم عمي والرجل الى اقاربه، تناولنا الغداء معا في قرية آل عيشم، وبعد الغداء قاموا ليعودوا وكنت اعلم انهم يقولون سوف نعيد تيمور معنا، لم تكن العائلة العربية تقبل بذلك فكانوا يحبونني كثيرا وقد وافقوا شرط ان ابقى شهرا في كردستان واعود الى السماوة لشهر، قبلوني جميعا وودعنا بعضنا وصعدنا الى السيارة لنعود فرايتهم وهم يبكون من جديد ويتضرعون ويدعون الله ان نصل الى كردستان سالمين.

 

* هل جاء اعمامك بسيارتهم الخاصة؟

– كلا لقد استأجروا سيارة اجرة.

 

* الم يخشوا ان يكشف السائق امرهم؟

– لا اعلم من اين جاؤا بتلك السيارة ولكن حين وصلوا الى قرية آل عيشم نزلوا وذهبت السيارة ولم تبق حتى يعلم السائق بمايجري.

 

* وبأية سيارة عدتم؟

– اوصلونا بسيارتهم الى السماوة وهناك ركبنا سيارة اجرة الى بغداد ومن هناك عدنا الى كلار.

 

* هل كنت تحمل اية هوية؟

– كلا.

 

* الم تكن تخشى من ان يعتقلوك في نقاط التفتيش؟

– كان عمري آنذاك 14 عاما، وكنت ابدو صغيرا، لم اكن اخاف من انني لا احمل هوية، بل كان خوفي نابعا من كوني لا اعرف الكردية وكنت مرتديا دشداشة مع ثلاثة رجال مرتدين الزي الكردي السروال والمراد خاني ولا يعرفون العربية. كان شيئا غريبا ويثير التساؤل لماذا اجتمع صبي عربي مع ثلاثة رجال اكراد، كنت اخاف ان يعتقلونا في نقاط التفتيش بسبب ذلك. حتى اننا لم نكن نفهم بعضنا فعندما كنا نمشي في بغداد كان عمي عزيز يبدو خائفا ويقول: (بيوه رى، بيوه رى) لم اعرف ماذا يقصد فقلت لعمي علي: (ماذا يقول هذا) فقال عمي علي انه يقول: (امشي، امشي). وعندما تعلمت الكردية من جديد ادركت حينها مستوى العربية التي كان يتحدث بها عمي علي فقد افهمني ان معنى (بيوه رى) هو امشي. ولكن الحمد لله لاننا لم نواجه اية مشكلة ووصلنا بالسلامة الى كلار.

 

* متى غادرتم آل عيشم؟

– لا اعرف في اية ساعة غادرنا ولكننا تناولنا الغذاء هناك ثم توجهنا الى السماوة. وحين وصلنا بغداد كان الوقت عصرا ثم ركبنا السيارة متوجهين الى كلار فاحسب كم استغرق الطريق والوصول الى الكراج وصعود جميع الركاب لا اعرف.

 

* كنت قبل عامين من ذلك الوقت داخل سيارات مغطاة ويأخذونك من كردستان الى عربستان للاعدام، كيف كان شعورك وانت تعود بحرية الى كردستان؟

–  والله لست حرا حتى الان، كنا نخاف في الطريق ان نعتقل وكنت متأكدا من انني ساظل اعيش في السر فان علمت الحكومة بما حدث لي فستقتلني وتقتل من اعيش عندهم، لذلك لم اكن اشعر انني اذا عدت الى كردستان فان الخطر سيزول وربما كانت تلك القرية العربية اأمن، ولكن قلبي لم يكن يتحمل وكنت ارغب في العودة الى كردستان. وفي الطريق كلما ابتعدنا عن آل عيشم كنت اشتاق الى امي واخواتي اكثر لانني كنت خلال العامين قريبا من المكان الذي اعدموا فيه فكنت اشعر بانني احرسهم وفي الطريق كنت اشعر بانني ابتعد عنهم، كأن شيئا ما يربط قلبي بقبرهم كلما ابتعدنا كانوا يشدونني اليهم. كنت اعلم انني لن ارتاح حتى يوم مماتي لان جزءا من قلبي سيكون في كردستان والجزء الآخر سيكون متعلقا بصحاري السماوة.

 

* متى وصلتم الى كلار؟

– لا اعلم في اي وقت وصلنا ولكن كان ليلا، كنت اعلم ان الوقت متأخر جدا بحيث لم تكن هناك سيارة تقلنا الى الصمود، فتوجهنا من كلار مشيا الى بيوت اعمامي في مجمع الصمود. كنا نسير في نفس الطريق الذي كنا انا وابي وامي واخواته نسير فيه قبل عامين اما الان فقد كنت اعود وحدي. كان نفس الطريق الذي اجتزناه قبل عامين بالتركترات متوجهين الى كلار اما الان فأني اعود فيه مشيا من كلار الى مجمع الصمود الذي توجهنا اليه من مله سوره بوعد من رئيس للفرسان حتى نقيم فيه، الا ان المصير جاء بي الى هنا وان عائلتنا مدفونة تحت التراب.

 

*واين بتم في الليلة الاولى لكم في مجمع الصمود؟

– بتنا في منزل عمي رؤوف.

 

* وهل كانوا يعرفون انكم ستصلون تلك الليلة؟

– لا اعتقد انهم كانوا يعرفون، لانه حين جاء عمي عزيز وعمي علي كانوا قد ابلغوا عمي رؤوف ان هناك اخبارا عني وانهم يذهبون للبحث، لم يكونوا متأكدين من انهم سيجدونني بتلك السهولة وسنعود بتلك السرعة.

 

* وهل كانوا نائمين حين وصلتم الى المنزل؟

– لا، حين طرقنا الباب فتحوه وعندما دخلنا كان الاطفال مستيقظين فبدأ البكاء في منزل عمي رؤوف وبدؤا يتحدثون الى ولكنني لم اكن استطيع الاجابة، كانوا يتحدثون بالكردية وانا اتحدث بالعربية فلم نكن نفهم بعضنا. كان لدى عمي ابن اسمه سوران وهو في نفس عمري فأعطوني زيه الكردي ونزعت الدشداشة وارتديت الزي الكردي. كنت انظر الى نفسي فاتذكر الايام التي كنا فيها في قريتنا حين كنت ارتدي الزي كردي والازم ابي دائما، وفي البيت مع امي واخواتي، كنت اتذكر الاطفال في كوله جو اللذين كانوا في مثل عمري. كنت اريد ان اتحدث واسأل عن ابي وعمي عمر وخالي عثمان والاقرباء واهل القرية واصدقائي ولكنني لم اكن استطيع وكأن في لساني عقدة، كان شيئا محزنا وكنت اعرف ان لديهم اسئلة كثيرة ايضا ولكنهم لا يعرفون لغتي، وقد اصبحت كالمجنون. على كل حال فقد بتنا تلك الليلة هناك وفي الصباح ذهبوا لياتوا بجدتي (الجدة حلاوة) والدة امي، لا اعلم اكانوا قد ابلغوه بعودتي ام لا، ولكن حين دخلت المنزل ضمتني كالمجنونة وكانت تصرخ، لم اكن اعلم ماذا تقول ولم يكن مني سوى ان اضمها الى وابكي فقط واقبل يديها مرارا. حين ضمتني كانت تفوح منها رائحة امي وكان حضنها يشبه حضن امي فكاد ان يجن جنوني من ذلك. كنت قبل اعتقالنا قد ارتميت في احضان جدتي كثيرا ولكنها لم تكن اطيب من تلك المرة، كنت اعلم انها حين كانت تحضنني تشعر وكانها تحض ابنتها، وانها تريد ان تعرف اخبارا عن ابنتها وبناتها، ولكن لم يكن احد منا يعرف لغة الآخر. بعد فترة جاءت جدتي زبيدة (ام والدي) ايضا التي كانت معنا حتى طوبزاوا وهناك تم تفريقها عنا مع المسنين، هي ايضا آلمتني اكثر، كان يبدو انهم قد بكوا على فقداننا كثيرا خلال العامين الماضيين وقد تعودوا عليه وان الدموع كانت تاخذ طريقا في عيونهم، كانوا جالسين حولي ويرثون، دون ان نفهم لغة بعضنا كنت اعرف ما تذكروه عند رؤيتي. فقد كانت عودتي اليهم بعد اكثر من عامين بالنسبة لهم كأنهم ابلغوا بخبر وفات ابنائهم وبناتهم. لم اكن اعرف ان لا احد يعلم خبرا عن جميع من اعتقلوا وانهم يأملون في عودتهم. بعد ان تعلمت الكردية من جديد قالوا اننا ننتظر يوميا سماع خبر عنهم. كنا اذا طرقت الريح بابنا في وقت متأخرمن الليل نفزع ونقول ان شاء الله سيكون هناك خبر عن بناتنا وابنائنا. وكنا اذا جاء ابن سبيل الى هنا يوما نجتمع حوله ونقول انشاء الله يكون آتيا من عند اعزائنا. وفي كل مرة ينتشر فيها دعاية عن ان صدام سيعلن عفوا وان السجناء سيطلق سراحهم كنا نفرح كأننا ولدنا من جديد.

 

* هل قلت لهم ان جميعهم قد اعدموا؟

– نعم عندما تذكرت اللغة الكردية رويت لهم كل شيء. عودتي الى اهلي كان بالنسبة لي بداية حياة صعبة كأنها جحيم، حين كنت اتوق الى العودة الى كردستان في آل عيشم والسماوة لم اكن اتخيل ان حياتي ستكون مليئة بالاحزان وساكون مصدر خيبة امل لآلاف الناس. كان امرا محزنا جدا ان اعرف انهم سييأسون من عودة اعزائهم بسببي. لم اكن اعلم ذلك من قبل كنت اظن ان عودتي مهمة بالنسبة لاهالي جميع المفقودين حتى يعلموا ماذا جرى لاهلهم المعتقلين، ولكنهم كانوا يعيشون على امل عودة ابنائهم وبناتهم واخوانهم، لذلك كانت عودتي بالنسبة للذين يعلمون بها بمثابة خيبة امل لهم في لقاء احب الناس اليهم، لذا كنت طوال ساعات اليوم حزينا فمن جهة كنت اعلم ان جراحهم ستتفاقم برؤيتهم لي ومن جهة اخرى كنت احزن وانا بينهم على فقدان عائلتي، كنت اشعر ان الجدران من حولي تعذبني، كنت اريد ان اخرج الى الحي والمجمع ولكن عائلات اعمامي لم تكن تسمح لي بالخروج، يا الهي لماذا يجب ان يكون مصيري ان اسجن في البيت، في البداية كنت اتفهم الامر على ان سبب هو عدم معرفتي الاماكن وكوني لم اتعلم الكردية من جديد بعد وربما كانوا لايريدون ان اتوه، ولكنني ادركت لاحقا ان الوضع هناك ايضا سيكون خطرا بالنسبة لي ولهم اذا خرجت من البيت ورآني الناس وعلموا بانني عدت من الانفال. رغم ان اهلي لم يكونوا يخافون من احد في المجمع من ان يبلغ الحكومة، الا ان الجمع كانوا من اقارب المؤنفلين وفقد الكثير من اعضاء اسرهم وكانوا يأملون عودتهم لذلك فان علموا بأنني احد اللذين انفلوا وقد عدت الان حيا الى المجمع كانت ساعة واحدة تكفي ليخرج جميع سكان المجمع وينهالوا على منزل عمي لمعرفة خبر واحد وبالتالي ستعلم الحكومة بالامر، لذلك كان من حق اعمامي ان يبقوني مخفيا ويضطروا الى ابقائي في المنزل.

 

* وكم شخصا من اقاربك كانوا يعلمون بعودتك؟

– في البداية كان يعلم اعمامي وجدتي وعمتي وابناء اعمامي بالامر، كان الخطر كبيرا لدرجة كانوا يخافون ان يخبروا حتى اقاربي، لم يكونوا قد اخبروا اخوالي حتى بعد فترة من عودتي وهم اخوان والدتي. وفي احد الايام اخذوني الى كلار للسوق لآخذ صورة، كانوا ينوون ان يصدروا لي الجنسية العراقية، وفي سوق كلار رأينا خالي علي وابنه حيدر وقد كنا اصدقاء في قريتنا ولم يكونوا قد علموا انني نجوت وعدت، فعندما رأوني جن جنونهم من الدهشة لانهم كانوا يعتقدون اننا كنا مفقودين لاكثر من عامين لذلك كان ظهوري وبتلك الطريقة في سوق كلار كالحلم في نظرهم. وحين تحدثوا معي كنت قد بدأت منذ فترة بتعلم بعض الكلمات الكردية من جديد مما زاد من صدمتهم، كان ذلك سببا في ان يعلم عدد آخر من الاقارب بعودتي فكانوا يأتون ويسألون عما جرى للناس وكيف نجوت انا. كاد ان يعرف الكثيرون بان تيمور موجود الان في مجمع الصمود. مر اقل من شهر على عودتي وقد تذكرت اللغة الكردية تماما ورويت لاعمامي كل ماجرى لي وما رأيته خلال ذلك العامين، فشعروا اكثر بخطورة ان يكتشف امري. كانوا يعلمون انه لو تفشى ذلك الحديث سيصبح كارثة في كرميان. لم يكن هناك احد بين الاهل يستطيع ان يرشدنا ماذا نفعل لم نكن نعلم كيف نعالج الوضع. وفي احدى الليالي قال عمي رؤوف: يبدو ان اشخاص السوء قد علموا بعودتك وسمعت انهم بدؤا يراقبوننا، كان هناك ابن عمي يعمل راعيا حيث كان لديهم اغنام في مجمع الصمود فاستحسنوا ان اذهب مع سردار وقطيعه واصبح راعيا، وخلال فترة اسبوعين او ثلاث كنت اذهب يوميا منذ طلوع الشمس مع سردار لرعاية الاغنام ونعود عند الغروب. كان بيت اعمامي قد علموا بان رجلا من الجحوش سمع ان صبيا قد عاد الى الصمود ولكنه لم يكن يعرف من اية عائلة ومن اية منطقة هو وقد بدأ في التعقب في المجمع، وقد اوعزوا الى المختار ان يبحث ويحصل على معلومات حول الامر، كان ذلك بمثابة تهديد وخطر كبيرين فاذا كانوا قد علموا باي حال من الاحوال بالامر ووجدوني فبالتأكيد كان يعدم جميع اهلي بمن فيهم من نجى من الانفال كما كانت العوائل العربية في السماوة ستكتشف. كنا متوترين ولانعرف الي اين نلجأ، في ذلك الوقت كنت اعلم وقاربي ايضا كانوا يشعرون ان عودتي اصبحت مصيبة بالنسبة لهم، كان الامر محزنا بالنسبة لي وكنت اتمنى لولم انجو ومت مع امي واخواتي هناك، كنت اقول في نفسي ياريني كنت مثل تلك الفتاة التي لم تخرج من الحفرة وهي حية وياريتني بقيت هناك خوفا من الجنود الى ان ترمي الجرافة التراب علي واموت، فعلى الاقل لم اكن اشكل خطرا على احد آخر، وعلى الاقل لم اكن سببا في يأس احد فينا يتعلق بعودة بناته وابنائه. وكان اعمامي (لا اعلم اكان تفكيرا منهم ام ارشدهم احد) قد ذهبوا الى (لاله سرحد خليفة يونس) الذي كان رئيسا لعشيرة روغزائي حيث كنا من الجاف الروغزائيين، وقد لجؤا اليه ورووا له ماحصل ويبدو انهم اعطوه اسمي الجحوش والمختار وقد ارسل لاله سرحد يبلغ ذلك الجحوش والمختار بان يتركوا ذلك الامر ولا يخربوا بيت احد وانه من اقربائه وذلك كتهديد لهما، وكان يبدو انهما خشيا من ذلك لان لاله سرحد كان له اقارب كثيرون وبعد ذلك لم نسمع شيئا لفترة. كما ابلغ اعمامي انهم اذا سئلوا عن كيفية عودتي يقولوا انني قفزت من السيارة وقد كنت خلال تلك الاعوام اعمل في احدى المطاعم في بغداد. وبعدة مدة وفي احد الايام طرق الباب وعندما فتحوه وجدوا انه جندي وقد قال انه جاء لزيارة تيمور، وحين دخل خفنا في البداية كثيرا وقلنا ربما ابلغ عنا ولكنني سرعان ما تذكرته فقد كان السيد فاضل ابن العائلة العربية في السماوة التي تبنتني، فرحت بزيارته كثيرا. قال ان وحدته العسكرية نقلت الى كلار وانه سأل عن المجمع وقد وجد منزل عمي عن طريق السؤال عنهم، كان قد جلب معه بعض الهدايا صنعتها بناتهم كانت عبارة عن ميداليات مطرزة، قال السيد فاضل: الاهل مشتاقون لرؤيتك وقد انشغلنا عليك خلال الاشهر الماضية وكنا نخشى ان يكون قد اصابك مكروه. وطلب ان اذهب معه لزيارتهم عندما يعود الى السماوة ثم يعيدني معه. افرحني ذلك كثيرا وان كنت منذ يوم عودتي قد دخلت في خوف وقلق انسياني اهله ولكن بمجرد رؤيتي للسيد فاضل اخ السيد صالح تذكرت ذكريات آل عيشم والسماوة وكنت احب ان اقوم بزيارتهم. طلبت من عمي ان يسمحوا لي بان اذهب مع السيد فاضل فوافقوا وارتديت الدشداشة من جديد وذهبنا مع السيد فاضل الى كلار ومنها الى بغداد ثم الى السماوة. وقد فرحوا كثيرا بعودتي اليهم.

 

* هل عدت الى السماوة فقط ام عدت الى قرية آل عيشم وزرت جميع العوائل التي كنت تقول انها كانت تعتبرك كأبنها؟

– نعم عدت الى القرية وقد زرتهم جميعا، ولكنني لم ار السيد غانم الرجل الذي انقذني الليلة الاولى واخذني الى الدوار، اعتقد انهم قالوا لي انه هرب خوفا الى حدود السعودية لانه كان فارا من الخدمة العسكرية، وقد رأيته من جديد بعد 21 عاما في السماوة. وحين كنت في امريكا رأيت السيد فاضل مرة اخرى قبل اعوام من سقوط صدام وكان ذلك سببا في ان ارعى اقاربه هناك وان يتوسع اختلاطنا وقد اوصلت اثنتان من بناتهما الى امريكا، وفي عام 2009 عدت مرة اخرى الى السماوة وزرنا المقابر الجماعية ولانزال نتبادل الزيارات حتى الان.

 

* وكم يوميا بقيت في السماوة؟

– اعتقد ان المدة استغرقت ثلاثة اسابيع او اربعة اسابيع بقيت فيها في السماوة وعندما عدت الى كلار ومجمع الصمود لم يستغرق الامر كثيرا وقد بدأت الانتفاضة وحين تم تحرير الصمود وكلار ثم قالوا ان طوزخورماتو وكركوك قد تحررتا، كانوا يتحدثون عن ان مدن جنوب العراق ايضا انتفضت فرحت كثيرا وكنت اقول في نفسي سآخذ الناس الى المقابر الجماعية ونستخرج الجثث وسنعيدها، ولكن سرعان ما بدأ التوتر ونزحنا وعادت الحكومة واحتلت المدن من جديد. كنت اخاف كثيرا حيث كنت خلال المدة القصيرة التي تحررت فيها المدن اروي للناس ماجرى للمؤنفلين وكان الناس يعرفون انني عدت من الانفال وكنت اعلم مدى وحشية الحكومة لذلك ربما كنت اخاف اكثر من اي شخص اخر. هربنا الى منطقة شهرزور ومنها نزحنا الى ايران ودخلنا مجمعا كان اسمه (جاله ره ش). بقينا هناك لمدة وكانت اوضاعنا المعيشية سيئة فبدأت اعمل وكنا نبيع السكر والشاي وكنا منشغلين بالعمل. فدعاني عمي وقال: لقد ابلغوني ان وضع تيمور في المجمع سيء ولا يجب ان يكون هنا، فارسلني الى (سرتك بمو) حيث كان هناك ابن عمي واسمه جلال احد البيشمركة عند عثمان الحاج محمود فذهبت وانضممت الى  البيشمركة وبقيت معهم لمدة. كان هناك رجل يدعى السيد صالح كوره سبي وكان مسؤولا وكان يحترمني كثيرا وكنت اشعر انه يعاملني كأنه أبن اخيه.

 

* ومتى رويت قصتك على الملأ عن طريق القنوات الاعلامية؟

– هل تقصد متى اجريت المقابلات.

 

* نعم متى اجريت اول لقاء واين كان ذلك؟

– لا اعلم بالتحديد ولكنني اجريت لقاءات كثيرة، خصوصا بعد ان بقيت هناك لمدة سبعة او ثمانية اشهر وكان يبدو انهم ابلغوا مام جلال بقصتي فطلبوا ان اذهب الى قلاجوالان واعيش في بيت مام جلال. فذهبت ولكن مام جلال كان في شقلاوة خلال تلك الفترة فابقوني في قلاجوالان وكانوا يرعونني، وكان هناك رجل اسمه (هيمنه ره ش) وقد اخذني السيد هيمن عنده حيث كان مقره قريبا من بيت مام جلال، كان يساعدني كثيرا ويواسيني فبقيت عنده الى ان عاد مام جلال من شقلاوة فاعادوني الى بيته وقد التقاني مام جلال بنفسه وقال في البداية لقد سمعت انك كنت مؤنفلا مع اهلك وقد نجوت فيما بعد وتبنتك عائلة عربية وقد عدت منذ مدة، حدثني بنفسك لأعرف ماذا حدث، ومع انني كنت اخجل كثيرا من مام جلال الا انني رويت له الامر فقال لي يجب ان تبقى في بيتنا، انني اعتبرك كأبني، انت شاهد مهم يجب ان نحافظ عليك وسياتي يوم يحاكم فيه صدام وستكون شاهدا عليه لذلك يجب ان تبقى في بيتي، فبقيت في بيتهم حوالي خمسة اعوام وكنت كأبنهم وكان مام جلال بنفسه والسيدة هيرو يحترماني كثيرا. وفي كثير من الاحيان عندما كانت الوفود الاوربية والامريكية والعربية تاتي لزيارة مام جلال كان يستدعيني واجلس معهم فيقول للضيوف لقد اعدم جميع اهل هذا الصبي من قبل صدام في قبور جماعية خلال عمليات الانفال. كان يروي لهم قصتي واذا سألوا عن شيء كان مام جلال بنفسه يترجمه لي الى الكردية ويترجم اجوبتي لهم. واحيانا عندما كانت القنوات الاعلامية تأتي لمقابلته، كانوا يستدعونني ويروي لهم قصتي ويطلب ان يجروا معي مقابلات. كنت اشعر ان مام جلال يريد ان يعرف العالم كله بما فعل صدام بالاكراد، كان يريد ان ينتشر خبر الانفال في العالم. لم يمر كثيرا على دخولي بيت مام جلال وقد جاء فريق من امريكا من (ميدل ايست وتش) منظمة مراقبة حقوق الانسان وقد اجروا معي مقابلة اجراها (يوست هيلترمان) اعتقد انك تعرفه. وخلال تلك المدة جاء كنعان مكية ايضا واجرى معي مقابلة، وكثير من القنوات والصحف الاوروبية كانت تأتي لزيارة مام جلال وتجرى معي مقابلات ايضا.

 

* في اي عام قال لك مام جلال ان صدام سيحاكم؟

– كان في اليوم الذي رأيت فيه مام جلال في بيته في قلاجوالان، لا اعرف التاريخ بدقة ولكن اعتقد انه كان في نهاية عام 1991 او بداية 1992.

 

* كيف كان شعورك عندما قال لك مام جلال انه سياتي يوم يحاكم فيه صدام وانت ستكون شاهدا عليه؟

– في الحقيقة لم اعتقد ابدا ان يأتي ذلك اليوم، حتى انه في احد المرات في عام 1997 في ويلاية فيرجينيا في امريكا كرر الدكتور برهم نفس الكلام، اعتقد انهم كانوا يريدون اجراء مقابلة معي وانا لم اكن اقبل، فقال الدكتور برهم: تيمور ان معلوماتك مهمة ويجب ان تسجل وسيأتي يوم يقدم فيه صدام الى المحاكمة وستكون انت شاهدا عليه، ولكن في الحقيقة كنت في كلا الحالتين لا اصدق، لا اعرف كيف كان لدى مام جلال والدكتور برهم ذلك التصور، اقالوا ذلك من تلقاء نفسيهما ام توقعاه. واخيرا ماقالاه تحقق وحوكم صدام واصبحت انا شاهدا عليه في قاعة المحكمة.

 

* كيف ذهبت الى امريكا؟

– في عام 1997 كان فريق (ميدل ايست وتش) الذي اجرى معي المقابلة عاد الى امريكا ونشر تقرير المنظمة ومنذ ذلك الحين علم الجميع انني نجوت من الانفال ونشرت معلوماتي عن النساء والاطفال المؤنفلين. وبعد ان وصلت احداث الحرب الاهلية الى احتلال اربيل من قبل الحكومة كان يبدو ان تلك المنظمة شعرت بالخطر على حياتي وانه ليس من المناسب ان اعيش في كردستان وكان ذلك حين نقل جميع من كانوا يعملون في المنظمات التابعة للامم المتحدة والمنظمات الخيرية، لا اعلم كيف فعلوا ذلك لياخذوني معهم ولكن ابلغت من قبل مكتب علاقات الاتحاد الوطني حيث كنت الى ذلك الحين في بيت مام جلال بانهم سيأخذوننا الى امريكا. اخذوا منا صور وهويات، وبعد فترة قليلة اعتقد انه كان يوم 12/12/1996 اخذونا بالسيارات من السليمانية نحو تركيا. في البداية كنت خائفا كثيرا ولم اكن اريد اذهب بتلك الطريقة لانني كنت في بيت مام جلال طوال خمسة سنوات وكنت كأبنهم، وكانت الحرب الاهلية بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي قد وصلت الى حد خطير لذلك في الحقيقة كنت اخاف ان يعتقلوني في منطقة نفوذ الحزب الديمقراطي ولكن كان يبدو ان المنظمة قد تحدثت بشأني مع الحزب الديمقراطي وقد اكدوا لي بانني لن اواجه اية خطورة وانه يجب ان ادخل تركيا عبر ذلك الطريق فقط، حيث لم تكن هناك مطارات او شيء من ذلك القبيل ولم يكن هناك من طريق آخر فذهبت مضطرا واعتمادي على الله، وقد تم ارسالنا مع عدد من الاشخاص الآخرين نحو تركيا، لم اكن اعرفهم ولكنهم كانوا قد سمعوا بأسمي وعلموا بقصتي، وقد علمت هناك انهم ايضا قد قد نجوا مثلي من المقابر الجماعية وقد اجرت منظمة (ميدل ايست وتش) مقابلات معهم عام 1992 وقامت بارسالهم الى امريكا مثلي.

 

* ومن كان اللذين نجوا مثلك من عمليات الانفال؟

– الم اقل انني لم اكن اعرفهم الى ذلك الحين، وقد تعرفنا على بعض فيما بعد، وهم السيد عزيز والسيد واحد والسيد رمضان وقد جاؤا مع عوائلهم واطفالهم فيما كنت انا وحدي. وعندما وصلنا الى الاراضي التركية راينا في (سلوبي) نفس الفريق الذي اجرى معي المقابلة عام 1992 في كردستان حيث كانوا ينتظروننا هناك. وكان يبدو انهم يعرفوننا انا والثلاثة الآخرين لذلك استقبلونا. وكان يوست هيلترمان قد جاء بنفسه لاستقبالنا. وهكذا اخذونا عبر تركيا بالطائرة الى امريكا. في البداية ذهبنا الى (غوام) وقد بقيت هناك حتى عام 1997 بعد ذلك نقلوني الى (واشنطن ديسي) في فيرجينيا. لقد نسيت ان اذكر شيئا وهو انه بعد وصولنا الى امريكا بعامين جاؤا بشخص آخر كان من كرميان ايضا واسمه السيد فرج كان قد عاد من القبور الجماعية للشباب مثل السيد عزيز والسيد واحد والسيد رمضان. وبعد اعوام من ذلك كنت اسألهم باستمرار ان يرووا لي ما حدث لهم.

 

* هل كانوا يروون لك ماحصل لهم؟

– نعم كثيرا ما كانوا يفعلون ذلك.

 

* حسب ما بدا لك هل تمت الاعدامات بنفس الطريقة؟

– كلا كانت تتم بطرق مختلفة، كان السيد فرج يقول انهم ربطوا كل شخصين معا من ايايدهم واعدموهم رميا بالرصاص وبعد ذلك رموهم في الحفر، اما السيد عزيز واللآخرين فكانوا معا وقد اطلقوا النار عليهم وهم داخل السيارة اما نحن فقد انزلونا جميعا في الحفر واجلسونا ثم اطلقوا النار علينا، ولكنني كنت اريد ان احصل عن طريق رواياتهم على خبر عن ابي.

 

* وهل حصلت على اية معلومات؟

– حول مصيرهم نعم، اما عن ابي بالتحديد فلم احصل على شيء. ماكانوا يتحدثون عنه كان واضحا تماما وهو انهم اطلقوا النار على الشباب بسرعة، ولكن كونهم لم يتعرف احد منهم على ابي من قبل مااذا كان معهم فانهم لم يكونوا يعرفونه. كانوا يقولون انهم كانوا من اهالي جميع المناطق، وحسب ما ذكروا فان ما جرى لهم كان عندما تم تفريق ابي و عمي عمر وخالي عثمان عنا في طوبزاوا.

 

* وهل اجروا معك اية مقابلة اخرى في امريكا؟

– بالنسبة لهم لا اعرف ولكنني اجريت الكثير من المقابلات سواء مع القنوات التلفزيونية او الراديو او الصحف والمجلات،  كما كنت استدعى لكثير من المؤتمرات والاجتماعات واذهب واروي لهم قصة الانفال، كانت امريكا بحاجة الى حديثنا حتى تظهر صدام كمجرم وخطر كما كنا بحاجة الى ان يعرف العالم ماجرى للكرد على يد صدام ونظامه، لذلك كنت اجري الكثير من المقابلات، ذهبت الى الكونغرس ورويت لاعضائه ما رايته وما جرى لي، ذهبت مرات عديدة الى المنظمات المهتمة بحقوق الانسان والجالية العربية والارمنية حتى انني كنت اذهب الى الكنيسة واشارك في اجتماعاتهم لاعرفهم على الانفال. وخلال عام 2004 عندما كانت هناك حملة ضد دخول امريكا الى العراق نظمت لي الحكومة الامريكية عشرات البرامج والاجتماعات حيث كانوا يريدون جذب انتباه الشارع الامريكي لدعم الحكومة في اسقاط العراق عن طريق روايتي لاحداث الانفال وقصة نجاتي. حتى ان كولن باول قد دعاني وقدمني الى الحضور في احدى المناظرات وما قاله باول في تقديمي وعن الانفال كان مهما للكرد ثم طلب مني ان اروي قصتي. استطيع ان اقول ان ذلك كان فرصة جيدة لكي نعرف الانفال بالمجتمع الامريكي.

 

* كلامك اثار عندي سؤالين لم اسألهما حتى لا اقاطعك، اما الان فأريد ان اسألك، قلت انك رأيت السيد فاضل من جديد في امريكا واوصلت اثنتان من بناتهما الى امريكا، اريد ان تحدثني عن ذلك؟

– حين كنا في (غوام) في امريكا لم يمر الكثير على وجودنا وكان الحديث يدور حول ابقائنا هناك لاعوام. كنا في احدى الليالي مع عدد من الاصدقاء في طريقنا الى السينما وقد هاجمني عدد من الاشخاص، في الحقيقة لم نعرف ماذا كانوا ولماذا فعلوا ذلك، وبسبب كوني الناجي الوحيد بين النساء والاطفال المؤنفلين ومن جهة اخرى بسبب كوني قد عشت لاعوام في بيت مام جلال وكانوا يعتبرونني كأبنهم، في الحقيقة لم نعرف ايهما كان السبب وراء مافعلوا بنا، ومن حسن الحظ فقد جاء رجال الامن في المنطقة واخذوني ووضعوني في غرفة وقد علم عدد من الاصدقاء بالامر فاجتمعوا هناك ونظموا مايشبه مظاهرة لدعمي وكاد الامر ان يتحول الى مشكلة كبيرة، الاشخاص الذين جاؤا حققوا معي لمعرفة اسباب الحادث، وحين تحدثت اليهم قدمت نفسي اليهم، كانت الاجهزة في امريكا مربوطة ببعضها فكانوا يعرفون كل شيء عنك عن طريق الحاسبة التي كانت امامهم فعلموا من اكون وقصتي كانت واضحة عندهم، قالوا لي انه توجد عائلة عربية في امريكا هي التي انقذتك في السماوة. سألت كثيرا عنهم ومن هم واين يعيشون وعن عنوانهم او رقم هاتفهم لاحصل عليه ولكنهم لم يعطوني شيئا ولم يقولوا اكثر حول الموضوع، كان شيئا جميلا ان ارى وبعد كل تلك السنوات العائلة التي عرضت حياتها للخطر من اجلي كما كان من المؤسف ان لا اجدهم حيث تحولت كل ذكريات حياتي الى جزء من السماوة وآل عيشم وقد كانت احداث وذكرياتها تذهب وتأتي امام عيوني كفيلم تلفزيوني وسيكون من المؤسف ان لم اجدهم وسيؤلمني ذلك. قرر الفريق الذي اعتقد انه كان تابعا للـ(FBI) نقلي من غوام الى فيرجينيا، قلت لهم انني لست وحدى وان هناك آخرين مثلي فقالوا اننا نعرف ذلك وسيتم نقلهم الى فيرجينيا ايضا. كنت من جهة ارغب في الانتقال الى مكان آخر لاكون بعيدا عن الخطر ومن جهة اخرى كنت ارغب في البقاء وذلك لانني سمعت خبرا عن ان احدى العوائل العربية التي انقذتني في السماوة موجودة في امريكا.

كنت اعتقد انهم ربما كانوا في غوام، كنت اقول في نفسي ماداموا يعرفون انهم العائلة التي انقذتني فربما جاءت بهم امريكا بنفسها الى هنا مثلنا وكنت ارغب في ايجادهم، ولكن مساحة امريكا توازي نصف العالم فاذا لم يكن معك عنوانا دقيقا حول مكان تواجدهم فكيف يمكن ان تجدهم.

ارسلوني الى فيرجينيا دون ان يكون لدي علم عن المكان الذي اذهب اليه، ولكن كان يبدو انهم وجدوا لي حلا، في يوم 27/2/1997 غادرت غوام ونزلت في مطار (رونالد ريغان)، جاء شخص ليستقبلني وقال لي حضرتك السيد تيمور؟ فقلت له نعم انا هو. فسلم علي وسأل عن احوالي وقال انا الدكتور برهم تعال معي. لم اكن اعرف الدكتور برهم الى ذلك الحين ولكن كنت قد سمعت عن اسمه وكنت اعرف انه ممثل للحكومة والاتحاد الوطني في امريكا. اخذني الى بيته واظن انني بقيت هناك لمدة سبعة اشهر.

لا اعرف كم استغرق الامر بعد ذلك حتى نقلوا السيد عزيز والآخرين الى فيرجينيا، وبعد ان بقيت فترة طويلة في بيت الكتور برهم كان هو وزوجته السيدة سرباخ متعاونين معي جدا حتي تعودت على المكان تماما وبعد ذلك استأجرنا انا والسيد عزيز واخوه السيد نوري ووالدتهما بيتا وكنا نعيش فيه معا، وفي يوم من الايام اتصل بي الدكتور برهم وقال يا تيمور لقد اتصل بي شخص عربي يقول انا ابن تلك العائلة التي انقذت تيمور وقد طلب رقم هاتفك فأردت ان اسالك قبل ان اعطيه الرقم؟ فرحت كثيرا وكنت طوال المدة التي سمعت فيها ذلك الخبر افكر باستمرار كيف اجد مكانه، وكان السيد برهم قد اعطاه رقمي فجاءني اتصال كان من السيد (فاضل كتيل عيشم) الجندي الذي  قلت انه جاء الى كلار واخذني الى السماوة الى اهله وهو اخ السيد صالح الذي وجد اهلي عن طريق الجندي الكردي وهو ايضا اخ السيد جاهل الجندي الذي رأيته في الليلة الاولى في السماوة فدخلت تحت الطاولة من الخوف، وكانا ابناء اخ فالح سفاح الذي كنت ابيت في منزله في السماوة كثيرا وكانا ايضا صهريه. تحدثنا عبر الهاتف قليلا وكان يبدو انه سعيد ايضا باننا وجدنا بعضنا. اخذت منه عنوانه وكان في ميشغان فقطعت تذكرة الطيارة وذهبت الى منزلهم. كان السيد فاضل واربعة من اطفاله وزوجته واحد اخوانه هناك وقد كنت اعرفهم جميعا في السماوة. وهكذا رأيتنا بعضنا من جديد وقد بقيت عندهم لفترة.

 

* الم تسألهم كيف وصلوا الى امريكا؟

 – نعم سألتهم عن ذلك وشكروني قبل كل شيء لانني لم اذكر اسمهم في اية مقابلة وكانوا يقولون لو ذكرت مرة واحدة اسم احد منا لكانت الحكومة ستقتلنا جميعا. وعندما هاجمهم صدام في عام 1991 حين فشلت المظاهرات في مدن جنوب العراق كانوا قد ذهبوا الى الحدود مع السعودية ويبدو انه كان لدى الامم المتحدة والامريكين مخيمات مثل التي كانت موجودة عندنا، وقد سمعوا احدى محطات الراديو تتحدث عن ان طفلا كرديا نجا من الانفال وان عائلة عربية في السماوة قد تبنته وحافظت عليه الى ان اوصلته الى اهله فذهبوا عند الامريكيين وابلغوهم بانهم تلك العائلة العربية فاخذوا منهم المعلومات وكانت نفس القصة التي رويتها وبعد ذلك اخذوهم الى امريكا.

 

* وكيف كان ما تحدثت عنه من انك اوصلت اثنتين من بناتهم الى امريكا؟

– علمت عن طريق عائلة السيد فاضل ان هناك اثنتان من بناتهم (حكيمة وكريمة) قد هربتا من العراق الى سوريا وقد سجنتا هناك لفترة، وقد ذهب السيد فاضل بنفسه عدة مرات الى سوريا وكما كان يذكر فقد صرف مبلغا كبيرا من المال حتى انقذهما في سوريا واخذهما الى الاردن ولم يستطع ان ياتي بهما الى امريكا وكانوا يخشون من ان تتم اعادتهما وتسليمهما الى العراق. كان ذلك مؤسفا جدا بالنسبة لي، لقد عرضوا حياتهم وعوائلهم واطفالهم وجميع اهلهم للخطر من اجل حمايتي، والان كيف استطيع ان اساعدهم حتى تتخلص ابنتاهما من الخطر. لم اكن اعرف كيف اجعل الكرد يتدخلون من اجلهما ويتم انقاذهما عن طريق علاقاتهم ولكنني كنت اقول في نفسي انا الآن حزين عليهما من يقول ان الكرد يهتمون بامرهما  واذا اخبرت اي شخص فمن يقول انهم سيصدقون ان تلك الفتاتين لهما علاقة بقصة نجاتي، كان الموقف مؤسفا ومحرجا بالنسبة لي وبعد فترة قلت في نفسي لماذا لا اتحدث مع المنظمة التي جاءت بي الى امريكا فقد كانت على اتصال مستمر معنا، اتصلت بالمنظمة وتحدثت مع (يوست هيلترمان). قال في البداية لا نستطيع مساعدتهم باية طريقة، فقلت له ولماذا استطعتم ان تأتوا بي الى هنا، فقال يوست هيلترمان ان حالتك مختلفة فانت شاهد على القتل الجماعي لآلاف الاشخاص خلال الانفال. قلت له ولكنني كنت صغيرا ولا اعرف الاماكن التي قتل فيها الناس اما هؤلاء فهم اهل المنطقة وشهود على انقاذي ومكان المقابر الجماعية، احب كلامي وقال سارد عليك بعد ايام.

من حسن الحظ رد علي يوست بعد مرور اقل من اسبوع لاعطيه اسميهما وعنوانهما. فاتصلت بالسيد فاضل واخذت منه ما طلبه يوست هيلترمان. وبعد اسبوع آخر اتصل بي يوست مرة اخرى وقال لي حصلت على الموافقة بان اذهب بنفسي اليهم الى الاردن فقل لهما بان لا تحملا هما وان لا تخشيا من اعادتهم الى العراق لاننا طلبنا من الحكومة الاردنية رسميا عدم اعادة كلتا المواطنتين الى العراق. ذهب (يوست) بنفسه الى الاردن وقد قابلهما وبعد ستة شهور تمت الموافقة على نقلهما الى امريكا وفي اليوم الذي وصلتا فيه ذهبت انا ايضا الى المطار لاستقبالهما كما بقيت معهما مدة خمسة اشهر في بيت السيد فاضل.                               

 

* ومتى تمكنت من العودة الى كردستان لاول مرة ؟

– قبل سقوط صدام كانت (ميدل ايست وتش) المسؤولة عن قضيتنا قد نصحتنا بعدم العودة الى العراق في اي حال من الاحوال ولكن بعد ان دخلت امريكا الى العراق وسقط صدام كنا نستطيع العودة، في البداية زار السيد فرج والسيد عزيز والآخرين كردستان ولكن كان يجب عليهم الحذر اما انا فلم اعد حتى عام 2005.

 

* وكيف لم تعد؟

– في الحقيقة كنت ارغب في ان اعود منذ اليوم الاول لسقوط صدام وان اذهب بحرية الى صحاري السماوة وان ازور المقابر الجماعية. واقف فوق تراب قبر امي واخواتي وعمتي واهلي واعود لزيارة عوائل السماوة وآل عيشم واشكرهم على انقاذي، كنت اريد ان يعرف العالم بعد الان ان تلك العائلة كانت من انقذتني، كنت اريد ان اعود لنفتح المقابر الجماعية ويرى كل العالم ماجرى. كنت اريد ان اعود وان تتعرف حكومة كردستان على تلك العائلة وان يكافئها الكرد حيث كانوا قد عرضوا حياة عائلة بأكملها للخطر من اجل صبي كردي. كنت اريد ان اعود واقول للحكومة الكردية لنذهب ونعيد رفات المؤنفلين. ولكن في الحقيقة لم يكن لدي امكانية شراء بطاقة الطائرة و العودة الى كردستان. ربما يستغرب الكثيرون من قولي هذا، فحين كان احد افراد عائلة كردية في اوروبا يستطيع ان يكسب رزق اكثر من عائلة هنا في كردستان، لماذا لم يكن لدي امكانية فقط لاعود في زيارة الى بلدي، فالنظام واسلوب الادارة في امريكا كانت تختلف عن اوروبا، لايوجد في امريكا نظام السوشيال فكان مكانا افضل للشخص اذا كان لديه عائلة اما بالنسبة للشباب فأنهم لم يكونوا يمنحوك منزلا ولم يكونوا يصرفون عليك، كانت الحياة هناك صعبة جدا، حتى انني لم اكن احصل على عمل، كان لدينا مشكلة في الحصول على عمل، كان لدينا مشكلة في اللغة والشهادة، والنتقل. وهذا لم يكن يشملني انا فقط بل كان الامر كذلك بالنسبة للسيد فرج الذي كان اكبرنا سنا وبالنسبة للسيد واحد والسيد عزيز والسيد رمضان ايضا. اتذكر انني حين وصلت الى فيرجينيا حديثا وكنت لا ازال في بيت الدكتور برهم وكنا انا وهو نبحث عن عمل لي، وقد وجدوا لي عن طريق صديق عملا فذهبت وعملت لايام قليلة وبعد ذلك تركت العمل ولم استطع ان استمر فيه حيث كان صعبا جدا بالنسبة لي بسبب آثار الرصاص على ظهري وكتفي وكان العمل عبارة عن جمع وتنظيم الاطارات القديمة حيث كانت فيها اطارات اثقل من وزن شخصين وكان علي تنظيمها يوميا لذلك تركت العمل.

وبعد فترة من ذلك حصلت على عمل في محل لغسل السيارات وكان علي غسل السيارات يوميا ولكن التنقل كان اكبر مشكلة بالنسبة لي حيث لم اكن املك سيارة وكان العمل يبعد كثيرا عن مكان اقامتي، فاضطررت الى الذهاب الى موقع رمي الدراجات الهوائية المعطلة لاجد دراجة مرمية واتمكن من استخدامها، فاصلحت دراجة معطلة وكنت اتنقل بها الى العمل واعود بها. كنت اعمل وسط المياه وينزل المطر علي طوال ذهابي وعودتي، كان وضعي سيئا جدا، فاضطررت الى تغيير عملي وقد زاولت اعمالا اخرى فقد عملت فترة في المكدونالد وفي مطبخ مطعم وفي بيتزاهات وصباغا ومغير زجاج السيارات، وهل بقي عمل لم اضطر لمزاولته. كان على شخص مثلي ان يعمل ليل نهار ليستطيع ان يعيش فقط، صدقني لقد نمت ليالي كثيرة داخل سيارة بسبب عدم وجود مأوى، لذلك لم اكن استطيع ان اوفر مايكفي لاسافر به واعود. هل تتذكر المرة التي اتصلت فيها وطلبت ان نعود للمشاركة في مؤتمر الانفال في اربيل، صدقني هذه هي المرة الاولى التي افصح فيها عن هذا حيث لم يعد احد منا للمشاركة في المؤتمر لاننا لم نكن نملك الامكانية لشراء بطاقة السفر.

 

* وكيف عدت في عام 2005، هل دعيت من قبل حكومة اقليم كردستان؟

– كلا، اية دعوة، لقد عملت باستمرار لفترة طويلة وكنت اوفر المال لاتكمن من العودة ولو لمرة واحدة وقد تمكنت في عام 2005 من العودة لمدة ثلاثة اشهر، وقد عدت الى كردستان على امل ان اجد فرصة لازور السماوة والمقابر الجماعية.

 

* وهل تمكنت من القيام بزيارتك تلك؟

– لم اتكمن من القيام بالزيارة تلك المرة، فحين عدت كانت المحكمة الجنائية العليا قد تشكلت وقد ابلغنا رسميا ان نكون حذرين وان نبقى حيا حيث سجل اسماؤنا كشهود في المحاكمة، لذلك لم اتمكن من الذهاب وكنت اخشى ان اواجه مشكلة خصوصا وان الوضع الامني في العراق كان قد تدهور. باختصار فان امنيتي كانت ان اذهب الى صحاري السماوة، كنت اشعر اننا سنحظى بكل تسهيل في اقليم كردستان وسيوفرون لنا الجانب الامني وان هدف الحكومة نفسها هو ايجاد المقابر الجماعية، ولكنني لم اتلمس اي موقف يشعرني بانهم على استعداد للتعاون معي ولم ار اية مبادرة وعندما عدت لم تكن كردستان كما هي الان ولم يكن يوجد فيها مطار، ذهبت الى سوريا ومن هناك عدت الى السليمانية بالسيارة ومن هناك ذهبت الى سيدصادق الى بيت خالي علي الذي اقام فيها منذ الهجرة الجماعية عام 1991 ولم يعد الى كرميان، بقيت عندهم عدة ايام ثم عدت الى كرميان الى اعمامي واقاربي. وقد كنت اتجول في تلك الانحاء طوال الاشهر الثلاثة حتى عودتي الى امريكا.

 

*وهل اعادوكم الى العراق مع بدء محاكمة صدام حسين للمشاركة فيها؟

– كلا، لقد اعادونا خلال بدء المحاكمة في قضية الانفال، وقد دخلت قاعة المحكمة وادليت بشهادتي يوم 27/11/2006.

 

* وهل زاركم اي فريق تابع للمحكمة الجنائية العليا العراقية قبل عودتكم الى بغداد وحين كنتم لاتزالون في امريكا، كأن يأخذوا افاداتكم او يجروا معكم مقابلات؟

– لم يزوروني انا ولكن اعتقد انهم جاؤوا واجروا مقابلات مع الآخرين لان الحدث الذي وقع لي وشهادتي كانت الى حد ما اكثر شهرة منهم، فقد كان الـ(FBI) والمحققين الامريكيين قد اجروا معي عدة مقابلات.

 

* وهل رافقكم اي فريق امريكي وعاد معكم الى امريكا بعد انتهاء مهمتكم؟

– نعم كنت تحت مراقبة امنية شديدة ومع اننا لم نعد معا الا انني اعتقد ان اصدقائي ايضا كانوا كذلك، لاننا كنا الشهود الوحيدون على قتل المؤنفلين. كان هناك الكثيرون كمدعين وكشهود ولكنهم كانوا شهودا على فقدان عدد كبير من المواطنين الكرد فقط اما المعلومات عن رميهم بالرصاص وقتلهم الجماعي فكانت عندنا لذلك اخذنا قبل اعوام الى امريكا كما كانوا مهتمين جدا بالمحافظة على سلامتنا بعد سقوط صدام وحتى بدء المحاكمة وعندما وصلنا الى بغداد كانت تحرسنا فرق امريكية خاصة وخلال ايام حضورنا الجلسات في المحكمة كنا تحت حماية مشددة.

 

* وماذا كان شعورك بعد ان قال مام جلال في عام 1992 والدكتور برهم في عام 1997 لك انه سيأتي يوم يحاكم فيه صدام وستشهد انت على جرائمه؟

– اعتقد انك سألتني هذا السؤال من قبل، عندما قالوا لي ذلك كنت استخف به لم اكن اعتقد انه سيأتي يوم يسقط فيه العراق ويدخل صدام في قفص الاتهام ولكن حين حدث ذلك كان امرا مفرحا بالنسبة لنا، وحالة لن تتكرر، لايمكن التعبير عن الفرح والسعادة بتحقيق امنية كبيرة كتلك.

 

* وماذا كنت تحب ان تقرر المحكمة حول جريمة الانفال؟

– لو كان الامر بيدي كنت اريد اقطع صدام بيدي اربا اربا، كنت احب ان تحكم المحكمة على جميع اؤلئك اللذين اخذونا من مله سوره الى قوره تو، واللذين اخذونا من قوره تو الى طوبزاوا وجميع اللذين اخذونا الى الصحراء واطلقوا النار علينا ولكن اللذين كانوا يحاكمون لم يكن عددهم يتجاوز عدد حراس احدى قاعات طوبزاوا فأين جميع امراء الالوية والقوات الخاصة اللذين فعلوا بنا كل ما فعلوه، اين جميع رؤوساء الجحوش اللذين خدعوا الناس وكانوا يقولون ان الحكومة اعلنت عفوا وسيتم اخذكم الى المجمع. اين الظلمة اللذين رأيتهم في طوبزاوا ولم تكن في قلوبهم رحمة وكانوا يركلون العجائز والشيوخ. كنت احب ان يقدم جميع اؤلئك الى المحكمة ويصدر حكم عادل بحقهم، ما رأيناه في قاعة المحكمة كان عبارة عن سبعة او ستة اشخاص فاعدامهم جميعا لا يوازي دم الفتاة الصغيرة التي دفنت حية في المقابر الجماعية في صحراء السماوة.

 

* وبماذا شعرت حين دخلت قاعة المحكمة لاول مرة وصدام وعدد من مسؤولي البعث في قفص الاتهام وانت واقف امامهم وتشهد على جرائمهم؟

– اقول ان احساس استرجاع الحق عند صبي يختلف عن شخص كبير، كنت صبيا في الثانية عشرة من العمر حين أنفلنا وقد ارتكب كل تلك الجرائم والظلم والقتل امام عيني ما خلق لدي حالة نفسية كانت ستختلف لو كنت شخصا اكبر في العمر وارى تلك الجرائم، تخيل ان صبيا في المدرسة عندما يأخذ من طفل اصغر منه قلما او مشذب اقلام ولا يعيده اليه وعندما يسترجعه صبي اكبر منهما او المعلم ويعيده الى الطفل الصغير كيف سيفرح بذلك. تخيل انك كنت صبيا سيء الحظ من كرميان اعتقلت في حياتك القروية البسيطة وتم تفريق والدك وعمك وخالك وجدتك عنك امام عينيك وأخذهم الجنود ولم يعرف احد الى اين يذهبون بهم فيما تعرضت انت للعطش والجوع في السجن ثم اقتدت الى مكان نائي لايوجد فيه احد الا الله واطلق رصاص الكلاشنيكوف على امك واخواتك والعشرات من النساء والاطفال، فيما تسلك انت الصحراء ليلا ووحيدا وتصل الي عائلة لاتعرف لغتها ولا تفهم منك شيئا وبعد عامين من من تلك الكارثة وبعيدا عن اهلك وشعبك تكون كل ساعة تمضيها مليئة بالخوف، والان ارى اللذين كانوا يحكمون في بغداد ويصدرون منها قرارات الابادة الجماعية لاهلنا واللذين كانوا يقصفوننا من الهيليكوبترات وكنا نخشى ان يضربونا بالكيمياوي هم الان في بغداد وقد ادخلوا في قفص الاتهام وجئت انا الصبي الكردي السيء الحظ الذي لم اجد مكانا في هذا البلد لا اخاف فيه، واقف امامهم واكشف جرائمهم وهناك مجموعة من الحكام جالسون ويستمعون الى شهادتي فيما يرتجف صدام والاخرون من ان يعدموا بناءا على اقوالي. كان شعورا ربما الله وحده يستطيع ان يعبر عنه فكيف لا يستطيع المرء ان يعبر عن الجنة و الجحيم بمجرد الحديث، كان الشعور مماثلا بالنسبة لي لا استطيع التعبير عن مدى حلاوة ذلك الشعور.

 

* هل ترى ان تلك المحاكمة قد غيرت شيئا في حياتك؟

– استطيع ان اقول انها غيرت معتقداتي، عندما رأيت ذلك المشاهد وصلت الى قناعة انه ليست هناك جريمة تدوم حتى النهاية، يقولون ان الله اعد يوم القيامة للحساب مع الظالم والمظلوم الا انني اعتقد ان الله ينتقم من الظالمين على الارض.

 

* الم يكن عندك اي خوف عند اللحظة الاولى لمواجهتك صدام، على الاقل فقد رأيت في الماضي تلك الدولة المرعبة التي كانت نتاج عقله هو؟

– كلا لم اكن خائفا بل كانت قشعريرة الفرح تجتاح كل انحاء جسمي، وعلى الرغم من انني عندما اقسمت بان لا اقول الا الحقيقة هددني صدام بالاشارة الا انني لم اخف وقد ادليت بشاهدتي مرفوع الرأس وامام عيون قنوات الاعلام حيث كان العالم يتابع.

 

* وكيف هددك صدام، هل تحدث؟

– لا، عندما وضعت يدي على القرآن لاقسم وقد قاموا ووقفوا كان يضع يده على لحيته وقد اشار بسبابته الى تحت ذقنه في اشارة الى انهم سيذبحونني حيث انتشرت شائعات خلال المحاكمة تفيد بان اي شخص يشهد ضده سيقتله البعثيون. كانوا يقولون ان البعثيين اعدوا للقيام بتفجيرات خلال اليوم الاول لبدء المحاكمة وكونهم لم يعرفوا اين يحاكم صدام لم يتمكنوا من القيام بشيء ولكن حين بدأت المحاكمة وتحدث صدام ذكر المكان الذي بنيت فيه قاعة المحكمة فهوجمت بصواريخ الكاتيوشا كما كان يقال. كانت تلك الاحاديث تجري في بعض القنوات الاعلامية وبين الناس حتى يخاف المدعون واللذين يشهدون على جرائم صدام. كنت قد سمعت ذلك الحديث من قبل لذلك فهمت اشارة صدام على انها تهديد بان اتباعه سيذبحونني، كان يريد اي يخيفني بتلك الطريقة، ولكنني حين تحدثت شعرت انهم يخافون مني وليس العكس.

 

* هل تستطيع ان تحدثني عن ملخص لجلسة المحكمة؟

– نعم، في البداية طلب السيد القاضي ان اقسم، وطلب مني ان اردد القسم وراءه، كان هناك قرآن فوضعت يدي عليه وقلت (اقسم بالله العظيم ان اقول كل الحقيقة وان لا اقول غير الحقيقة). حين كنت واضعا يدي على القرآن كان الجميع واقفين حتى صدام وعلي حسن المجيد والمتهمين الآخرين. بعد ذلك طلب مني القاضي ان ادلي باقوالي فرويت كل ما حدث من قريتنا وثم ذهابنا الى تيلكو ومله سوره وكيفية اخذنا الى قوره تو، وبعد ابقائنا لمدة عشرة ايام اخذونا بسيارات مدنية (لوريات) الى طوبزاوا وهناك فتشنا وفرقوا العوائل عن بعض وقد بقينا في طوبزاوا مدة ثلاثة ايام وفي صباح احد الايام جاؤوا بمجموعة من السيارات المغلقة واركبونا عنوة. كانت السيارات (مقبطة) مغطاة وكان يبدو ان القاضي لم يكن يفهم معنى مقبطة فسالني كيف كانت مقبطة، فذكرت له انها لم تكن تحتوي على نوافذ او منفذ لدخول الهواء فقد توفي صبيان بسبب انعدام الاوكسجين داخل السيارة، تحدثت عن السيدة بيروز وقلت للقاضي انني احمل قائمة تضم اسماء معظم اللذين كانوا معي واطلق عليهم النار، تحدثت عن الوضع داخل السيارة وعطشنا وصعوبة تنفسنا، ذكرت ايضا اننا وصلنا الى مكان كان يشبه المعسكر ونزل السواق وهنا سألني القاضي الكثير من الاسئلة حول المعسكر وماذا كانت تحتوي في الداخل وعما اذا كان فيها سجناء، فقلت له اننا لم نكن نعلم حيث لم ننزل وبقينا داخل السيارات، وحين تحدثت عن ان السيارات مرت لمسافة وبعد ذلك وصلت الى طريق ترابي سألني القاضي عن كيفية معرفتي بان الطريق ترابي في حين لم تكن في السيارات نوافذ، فشرحت له كيف كنا نشعر داخل السيارة بان الطريق مبلط ام ترابي. وخلال حديثي عن كيفية اطلاق الرصاص علينا وقتلنا الجماعي كان القاضي يسال كثيرا عن وضعية وقوف الجنود ونوعية اسلحتهم وعمق وعرض الحفرة وعدد اللذين كانوا معي وما كان اسماء اطفال خالي فذكرت له الاحداث بتلخيص فيما كان القاضي يسألني بين الحين والآخر، وعند الحديث عن القرية وانتقالي الى المدينة سالني القاضي عن اسم القرية والمدينة فقلت انني لا استطيع ان اذكر اسمهما لدواعي امنية وانني ساقدمهما لاحقا للمحكمة حيث كانت جلسة المحاكمة تبث مباشرة من القنوات الاعلامية لذلك كان علي المحافظة على بعض الامور. وبعد انتهاء كلامي سألني القاضي هل تشتكي على احد فقلت بالتأكيد انني اشتكي على صدام حسين والعريف علي واتباعه وكل من احمرت يده بدم المؤنفلين والكورد. لقد اعتمدت عند ذكر اسم علي حسن المجيد ان اقول العريف علي حيث يذكر انه كان عريفا في السابق ولانه كان ابن عم صدام فقد اصبح كل شيء في العراق وبذلك كنت اريد ان يفهم ان الناس تعرف  ما كان مستواه ولكن مع الاسف فان مترجم المحكمة لم يترجم الكلام كماهو. بعد ذلك قال القاضي هل تطالب بتعويض فقلت لا اعرف فان اعطوني الدنيا كلها فلن يعود اصبع واحد لوالدي ولكن يحق لي ذلك ولم لا.

 

* وماذا قال صدام وعلي حسن المجيد ومعاونوهما حين تحدثت عن القتل الجماعي للنساء والاطفال بناءا على قرارهم وعلى يد نظامهم؟

– لم يذكر صدام شيئا، ولكن محامي صدام كان له انتقاد للمحكمة واسلوب مشاركتي كان هناك حديث حول بعض الاجراءات القانونية للمشتكي وحول الافادة والتحقيق وما الى ذلك، ناقش كثيرا مع القاضي، كان لديه بعض الاسئلة حول كلامي وجهه الى القاضي وكان القاضي يرد بنفسه عليها، كما سألني عن الحفر التي وضعونا فيها كيف كانت وكم كان عددها وكم كان يبلغ طولها وعرضها فأجبته بانها كانت بحجم مقدمة جرافة وحوالي مترين ونصف. وقد سأل عن المسافة بين حفرة واخرى فقلت له انها كانت تبلغ مترا او مترا ونصف المتر، انتقد محامي صدام كيف تستطيع الجرافة ان تحفر بذلك الشكل والمسافة بين الحفر متر واحد فكيف حصل ذلك، بعد ذلك قال كيف كانت حفرة كتلك تتسع لجميع الاشخاص اللذين تتحدث عنهم. وسأل ايضا هل كان العرب وحدهم يعيشون في القرية ام كان يعيش فيها اكراد وعرب، كان يقول لي كيف عرفت ان تلك المنطقة عربية فقلت له كان في المنطقة عرب يقيمون في دوار وكان ارضها من الرمل وكانت قريبة من الحدود السعودية وقريبة من نقرة السلمان. كان يسأل اسئلة غريبة ربما كان يحاول بذلك ان اذكر اسم القرية ولكنني كنت حذرا واستطيع ان افلت من ذلك وان احفاظ على عدم كشف الاسماء. وسأل احد اخر من محاميهم عن حديثي حول تفريق الاطفال والنساء في طوبزاوا وانني كنت مع النساء ولكنني اقول انهم قتلوا ابي فكيف عرفت انهم قتلوه، فشرحت له انني لم اقل ان ابي قد قتل وانني قلت اذا كان ذلك مصيرنا فكيف عسى ان يكون مصير الرجال وانني لا اعرف ماذا حصل لابي ولا اعرف مصيره حتى الان. ظل محامي صدام يردد بانني قد قلت حين التقيت بالرجل المقيم في الدوار  قلت له ان امي وابي قد قتلا، شعرت ان المتجرم اخطأ في ذلك خلال نقل كلامي لانني قلت ان امي و ثلاثة من اخواتي قد قتاوا ولم اذكر وابي ولكنه خلق مشكلة من ذلك. كانوا ينتقدونني لانني قلت لم اكن اعرف العربية فكيف افهمت العربي ان اهلي قد قتلوا، فكان القاضي يشرح له ليفهمه انه كان كرديا ولم يكن يعرف العربية فشرح حاله بالكردية وان العربي فهم قليلا من الكردية. كان يريد ان يحول الموضوع الى الخلاف بين الكرد والعرب فكان يقول ان العرب اصحاب غيرة فلماذا يطلقون النار على النساء والاطفال الكرد، قلت له ان المسألة لم تكن تتعلق بالكرد والعرب فقد امروا من قبل السلطة العليا في العراق بقتلنا حتى انني حين خرجت من الحفرة واتجهت نحو الجندي كاد يبدأ بالبكاء، ولكنهم امروه باطلاق النار علينا. كان المحامي يقول كم كان عمرك انذاك لتعرف انه امر من قبل السلطة العليا، كيف يعرف شخص في مثل ذلك العمر ماهي اوامر السلطة العليا ولكن القاضي اجابه. وانا بدوري قلت اذا كان محاميكم ذكيا كان لابد ان يعرف انني تحدثت عدة مرات عن انني ولدت عام 1976، كان لابد ان يعرف كم عاما يساوي من 1976 الى 1988 وليس من الضروري ان يسألني كم كان عمري وذلك ليفهم انني انظر اليه بنظرة ونية لانه كان يدافع عن مجرمين مثل صدام وعلي الكيمياوي. ولكن سألني علي حسن المجيد انه حين عدت الى الصمود واكتشفت الاستخبارات الامر كم يوما بقيت في الصمود، فقلت له انني لا اعرف بالتحديد ولكن ربما بقيت لمدة عشرة ايام، بعد ذلك سألني انه حين ذهبت الى القرية كم يوما بقيت هناك، قلت له ان ما كان يهمني هو ان احفاظ على سلامتي لذلك لم اهتم بمعرفة الاوقات ولكن ربما بقيت هناك مدة شهرين او ثلاثة. ثم سأل كيف بقيت تلك المدة هناك دون طعام وردا على ذلك قلت ان اين عم لي كان راعيا ويأتيني بالطعام. بعد ذلك سألني علي حسن المجيد وقال لي تقول انهم ربطو اياديكم وعصبوا اعينكم فلما فككت يديك وعينيك كيف لماذا لم تحاول فك ايدي وعيون امك واخواتك واهلك وكيف لم يربط الجنود يديك وعينيك قبل القائك في الحفرة. لقد بقيت لمدة اكثر من عامين في تلك المنطقة فاذا طلبت المحكمة منك ان تدلها على الحفر هل تستطيع القيام ذلك. ثم سأل عما اذا كنت قد اعتقلت عام 1987 او 1988. فاجبت عن جميع اسئلة علي الكيمياوي وبأن المسافة بين ربطهم لعيوننا وحتى الحفر كانت قليلة لم اكن استطيع فك ايدي او عيون احد. وبالنسبة لمكان المقابرقلت نعم انا على استعداد ان ادل المحكمة او اي شخص آخر على مكان الحفر اذا كان يريد ذلك. كنت اعلم انه يريد بتلك الاسئلة ان اخطأ فقد ذكرت في كلامي عدة مرات متى اعتقلت ولكنه كان يريد ان اخطيء فكان سؤاله الاخير هو هل اعتقلت في عام 1987 او 1988 فقلت له لا اعلم في اي يوم ولكنني اعتقلت في الشهر الرابع عام 1988.

كان انتقاد علي حسن المجيد هو انه لم تكن توجد انذاك قرية في كردستان وان كل تلك المناطق كانت مناطق محرمة فكيف استطعت ان تعيش في القرى المهدمة، في الحقيقة انني لم اعد الى قرى كردستان بعد عودتي من السماوة كنت في الصمود ولكنني تحدثت على ذلك النحو هناك.

لم يكونوا يملكون شيئا ليستطيعوا ان ينكروا تلك الجريمة الكبيرة التي اقترفوها او ليدافعوا قليلا عن انفسهم. كانوا يريدون ان يجدوا انتقادات هامشية حول اقوالي. عموما اعتقد ان الجلسة التي خصصت لتقديم شهادتي قد استغرقت ساعة وخمسين دقيقة. ثبتت المحكمة اقوالي واصبحت دعما جيدا لاصدار حكم المحكمة على المتهمين.

 

* هل عدتم الى كردستان او ذهبتم مباشرة الى امريكا بعد انتهاء مهمتكم كشهود في المحكمة الجنائية العليا في العراق؟

– كان هدفي ان ابقى في العراق وازور عائلة آل عيشم في السماوة واعود مرة اخرى الى المقابر الجماعية، ولكن في تلك المرة لم استطع القيام بذلك لانني كنت قد عدت الى العراق تحت مراقبة فريق امريكي وعدنا معا الى امريكا.

 

* ومتى عدت الى كردستان للمرة الثانية؟

– كان ذلك عام 2009، حيث زار السيد مسعود البارزاني قبل عام من ذلك اي في 2008 امريكا واجتمع بالجالية الكردية وقد ذهبت انا ايضا للاجتماع واخذت معي السيد فاضل. قلت للسيد قباد الطالباني ان يعرف السيد فاضل الى السيد مسعود البارزاني ويقول له ان تلك العائلة العربية هي التي انقذتني في السماوة. وبعد الاجتماع كان السيد قباد قد ابلغ ذلك للسيد مسعود البارزاني، فدعوا السيد فاضل لمقابلته وقد احترمه كثيرا وقال له احب ان تعودوا الى كردستان وان يزورني اهلك فنحن مدينون لعائلتكم ولكم فضل كبير على الكرد. وبعد ذلك فكرنا في التخطيط للعودة. وفي عام 2009 تمكننا من العودة وقد جئنا الى السليمانية واستضافنا الاخوة في الاتحاد الوطني وحجزوا لنا الفندق. اتصل السيد فاضل باهله ليأتي وفد منهم الى السليمانية لزيارة البارزاني. وبعد يومين جاء اخوه السيد الشيخ محمد وابن عمه السيد حسين الى السليمانية وقد زرتنا حضرتك. اتصلت بالدكتور فؤاد حسين وعرفته بنفسي وابلغته بالوضع واننا نريد ان نزور السيد مسعود البارزاني. بعد عدة ايام اتصل وقال تعالوا الى اربيل سيلتقيكم السيد الرئيس. ذهبنا الى اربيل وفي البداية ارسلونا الى وزارة شؤون الشهداء والمؤنفلين. التقينا بالوزير وقد تحدثنا كثيرا عن الانفال والمقابر الجماعية. كان لدي انتقادات كثيرة حول عدم خدمة اهالي المؤنفلين وعدم القيام بشيء لاعادة رفات المؤنفلين، وقد تحدثت كثيرا عن الوضع في كرميان وقلت للوزير ان لدينا موعدا للقاء السيد الرئيس وسابلغه بكل تلك الانتقادات والعتاب. وحين خرجنا من الوزارة عائدين الى مقر اقامتنا اتصل بي صديق من الوزارة وقال ان لقاءكم مع السيد الرئيس قد الغي، فسألته لماذا؟ فقال لقد طلبوا من الوزارة عدم لقاءكم وهم غير راضين عن حديثك. استغربت من ذلك حيث لم اقل شيئا غير صحيح وكان لدي انتقادات وعتاب حول الوضع السيء لاهالي المؤنفلين وانكم اذا بقيتم جالسين في اربيل فان الرفات في المقابر الجماعية لن تعود من تلقاء نفسها بل يجب ان تذهبوا وتعيدوها، طالبت ببناء مونيومينت الانفال وذكرت انه اذا كان الانفال قد وقع في اي بلد آخر لكان العالم الان على علم به ولكن في ظلكم ادارتكم فان نصف شعبنا فقط قد سمع بالانفال. كان يبدو انهم لم يحبذوا كلامي وربما خشوا ان اتحدث بذلك الكلام عند السيد مسعود ايضا، كان ذلك امرا مؤسفا بالنسبة لي فقد اعدت السيد فاضل من امريكا من اجل ذلك وكنت سعيدا بان يكافيء السيد مسعود البارزاني نيابة عن جميع الكرد تلك العائلة من السماوة. وكان اثنان من اقاربهم قد جاؤا بناءا على طلبنا على اساس ان لدينا موعدا للقاء رئيس الاقليم. كنت محتارا ولا اعلم ماذا افعل، كان موقفا محرجا لي، كنت اشعر بأسى كبير ولكن لم اكن استطيع فعل شيء، وقد الغي لقاؤنا بسبب ذلك في تلك المرة.

 

* هل بقيتم في اربيل ام عدتم الى المكان الذي اعد لاقامتكم في السليمانية؟

– عدنا الى السليمانية وانتظرنا لمدة طويلة، لم اكن اعلم الى اين الجأ، كان الاخوة اللذين جاؤا من السماوة يقولون بين الحين والاخر اذا لن يرتب الموعد فاننا سنعود، كنت اشعر انهم اذا عادوا بتلك الطريقة فأن ذلك يعتبر فضيحة ليس لي فحسب بل للاكراد جميعا. ففي وقت عرضوا حياتهم للخطر في اسوء الظروف من اجلي والان وقد اصبح الكرد يحكمون وكردستان في اكثر ظروفها الطبيعية ليس هناك من احد يستقبلهم. ذهبت الى السيد عثمان الحاج محمود بحكم انه كان من اهالي المنطقة وفي بداية الانتفاضة كنت من احد بيشمركته وكان هو من ابلغ مام جلال بقصتي في حينه ولم اعلم انه لم يعد في اللاتحاد الوطني والحكومة وانضم الى حركة التغيير ولكن لم يكن امامي حل آخر. حين ذهبنا الى بيته قلت له ان هؤلاء الرجال جاؤا الى هنا ولابد ان يلتقيهم احد ويكافئهم، شعرت ان الموقف فيه احراج له ايضا فاتصل بالسيد عماد احمد وروى له الموضوع واخذ لنا موعدا للقاء السيد عماد احمد وفي الصباح ذهبنا الى السيد عماد الذي ابدى احتراما كبيرا مبديا شكرا جزيلا للعائلة كما اهداها سيارة لاندكروزر (مونيكا) ومسدسا كتب عليه هدية رئيس الجمهورية، كان ذلك امرا مفرحا لي وقد عدت الى وعي قليلا وشعرت انني تخلصت من الاحراج، ولكنني كنت اريد ان نزور السيد مسعود البارزاني باية طريقة كانت لانه حين التقى السيد فاضل في امريكا احترمه كثيرا بحيث كان السيد فاضل يحب ان نزوره مرة اخرى وكان يقول لقد وعدته في امريكا بان ازوره في كردستان. فكرت في ان نذهب الى السيد كوسرت نائب رئيس الاقليم وبعد ذلك اطلب منه ان يرتب لنا موعدا للقاء السيد مسعود. اتصلنا بمكتبه وعرفنا عن انفسنا وطلبنا لقاءه وبعد عدة ايام قالوا تعالوا الى اربيل لانه سيلتقيكم. ذهبنا ولكننا لم نلتقيه فعدنا وقالوا لنا عندما يعود الى السليمانية تعالوا للقائه، فعدنا الى كرميان لزيارة الاهل. اتصل بنا مكتب السيد كوسرت وقالوا لنا تعالوا الى السليمانية فان الموعد رتب، جئنا الى السليمانية وقد اتصلنا مرارا نسأل عن المكان الذي سنذهب اليه فلم يردوا على اتصالاتنا. خاب املي فقررت ان ازور السيدة هيرو باية طريقة حتى نصل عن طريقها الى مام جلال. اتصلت بسكرتيرها وقلت له اننا نريد زيارتها، كانت السيدة هيرو تعرفني وتعرف كل تفاصيل حالتي، ردوا علينا سريعا وذهبنا للقائها وهي ايضا احترمتنا كثيرا واتصلت بمام جلال وقالت له اننا نريد ان زوره. كان مام جلال في بغداد وقال ساعود خلال الايام الى السليمانية فاذا كان ممكنا سألتقيهم هناك واذا لم اعد فلياتوا الى بغداد.

 

* هل عاد مام جلال الى السليمانية ام ذهبتم انتم الى بغداد؟

– نعم عاد مام جلال الى السليمانية واعتقد انه دعانا بعد ايام من عودته. في يوم 21/6/2009 ذهبنا انا والسيد محمد كتيل عيشم والسيد فاضل كتيل وحسين فالح سفاح والتقيناه في دباشان. كان مام جلال يعلم اننا من الجاف وحين ذهبنا رايت انه دعا الجاف اللذين كان لديهم مسؤوليات داخل الاتحاد الوطني، السيد محمود سنكاوي والسيد حامد حاج غالي والسيد عدنان حمة مينا والسيد بهروز كلالي كانوا هناك واستقبلونا بحفاوة. وقد اجتمعوا معنا لمدة طويلة وشكر مام جلال عائلتهم وعشيرتهم اللذين عرضوا حياتهم لخطر الاعدام وقال لهم بمساعدتكم وانقاذكم تيمور سجلتم فضلا كبيرا على الاخوة الكردية العربية ووحدة العراقيين. ووعدهم مام جلال بأن يبني مركزا صحيا ومدرسة متوسطة في قرية آل عيشم معربا عن استعداده لتنفيذ اي مشروع آخر في القرية كما اثنى عليهم كثيرا، وقال السيد حسين ان اهلنا يحبون ان ياتوا لكردستان لزيارة تيمور فقال مام جلال ليس من الضروري ان يتكبدوا العناء فتيمور يستطيع ان يزور اقاربكم وسأرتب الامر وسأخصص لهم الحماية، في الحقيقة كنت قد فكرت في ان اطلب من مام جلال ان يساعدنا في ان نتمكن من العودة الى السماوة لزيارة تلك العائلة والمقابر الجماعية، ولكنه سبقني كأنه كان في قلبي. وقد بث تلك الليلة خبر زيارتنا الى مام جلال في القنوات التابعة للاتحاد الوطني وفي الصباح نشرت صحيفة كردستاني نوي صورتنا مع مام جلال وقد كتبت بعنوان عريض (الرئيس مام جلال وعد ببناء مركز صحي ومدرسة متوسطة لقرية آل عيشم).

بعد ذلك عاد السيد حسين والسيد محمد الى السماوة وهناك تحدثوا عن زيارتهم مام جلال وابلغوا اهل القرية بان مام جلال سيبني لهم مدرسة ومركزا صحيا وحين ذهبنا الى هناك كان الخبر قد انتشر بينهم. وبعد ايام اتصلت بي سكرتارية مام جلال وقالوا ان لقد اخذنا كل الاستعدادات ونحن جاهزون متى ما اردتم. احببت ان نأخذ عددا من اقاربنا معنا عمي رؤوف والسيد عثمان زوج عمتي وابن عمتي صالح عبدالله وخالي حسن وابن عمي سردار والسيد فاضل الذي عدنا معا من امريكا، ذهبنا الى مطار السليمانية وذهبنا بالطائرة الى بغداد، وهناك كانت سكرتارية مام جلال قد جاؤوا الى مطار بغداد الدولي ومن هناك اخذونا الى دار صيافة رئيس الجمهورية.

 

* وفي اي يوم توجهتم الى هناك؟

– في الحقيقة لا اعلم.

 

* الا تعرف في اي شهر كان؟

– اعتقد انه كان في بداية شهر تموز، ولكنني لا اعرف اليوم. بعد ان وصلنا الى بغداد بتنا هناك تلك الليلة وفي الصباح الباكر توجهنا نحو السماوة بسبعة سيارات تابعة للسكرتاية وتحت حماية مشددة. في بداية وصولنا الى مدخل المدينة استقبلتنا سيارة لهم تقدمتنا كدليل في انحاء المدينة. ومع انه كان معنا السيد فاضل الذي يعرف المدينة الا انهم فضلوا ارسال سيارة معنا. حين وصلنا الى السماوة كانت سيارات رتلنا تسير وراء بعض وتتقدمنا سيارة تابعة لشرطة المحافظة وهي تطلق صفارتها، كما كانت سيارات الحماية وحاملة الدوشكا تسير امامنا، ليس من المستبعد ان تكون سياراتنا قد مرت بتلك الطريقة في السماوة يوم اخذنا الى الموت الا اننا لم نكن نرى انذاك خارج السيارات لانها كانت مقبطة، ولكنني شعرت اننا سرنا بتلك الطريقة على ذلك الطريق وكنت اتخيل انفسنا داخل السيارة ونحن عطشى وتكاد ارواحنا تخرج من الحر. في البداية ذهبنا الى المنزل الذي كنت فيه منذ عام 1988 حتى احتلال الكويت وقبل الانتفاضة، وقد جمعوا هناك بعضا من الاقارب وقد كنت اشعر بخجل اكثر فرغم ما كان لهم من افضال علينا جمعوا الاهل والاقرباء لاستقبالنا. سألت عن السيد غانم الرجل الذي اخذني في الليلة الاولى الى الدوار ولم اره بعد ذلك. حتى خلال الفترة التي كنت في السماوة وكنت اذهب الى آل عيشم لم اره وحين كنت اسأل عنه كانوا يقولون انه في الحدود السعودية، ولكن ذلك اليوم كان هو ايضا موجودا، وكان السيد عبد والد خالد الرجل الذي اخذني من الدوار الى آل عيشم موجودا ايضا. والمرأة التي قلت انها كانت تغطيني بعباءتها في الطريق حين نواجه سيارات عسكرية لا اعرف اسمها ولكنهم كانوا ينادونها بـ(ام دليل) كان الرجال والنساء ينادون باسم اطفالهم، ويوم وصلنا فيه قالوا لي انها مريضة منذ فترة وهي راقدة الان في المستشفى فذهبت لزيارتها وبقيت عندها لفترة، وبعد ذلك جاء جميع اقاربها، من جهة اخرى كان من المفرح ان يتعرف اقارب الجانبين الى بعضهم،  وهناك تحدث عمي رؤوف قليلا وشكر العائلة لانها تبنتني وقال نعتذر لاننا لم نتمكن من زيارتكم منذ العام الذي اعدنا فيه تيمور ونأسف ذلك، ولكنكم تعلمون كيف كانت الظروف بالنسبة لنا كما اننا خلال السنوات القليلة الماضية التي كان لايزال صدام موجودا لم نكن نستطيع ان نأتي الى هذه المناطق. والله لو لم يكن الامر كذلك وان اتينا كل شهر لزيارتكم مشيا على الاقدام من مناطقنا لمازلنا ندين لكم بالكثير. وقد رأيت منهم موقفا غريبا آخر حيث كانوا يشكرونني ويقولون ان تيمور كان انسانا شريفا فاذا كان قد ذكر اسمنا باية طريقة خلال تلك السنوات العشرين لكان يحصل لعائلتنا ما حصل لـ(دجيل) وكنا قد نعدم جميعا. كانوا يقولون اننا كنا نعيش في معاناة منذ عام 1988 وحتى عام 2003 وكما نخشى من ان تعلم الحكومة بالامر وتعدمنا جميعا.

تناولنا الغذاء معا تلك الظهيرة وبعد ذلك ذهبنا الى الصحراء لايجاد المقابر الجماعية التي كانت تبعد ساعتين عن السماوة، بحثنا لمدة ولم نجدها في حين كان معهم بعض من اقاربهم والسيد غانم الذي كان يرعى الاغنام وكان يقيم في الدوار في تلك المنطقة، ولكن كانت المنطقة كلها عبارة عن صحراء متشابهة وقد فقد البعض منا الامل في ايجاد المقابر. حين اخذونا الى تلك المنطقة لقتلنا وانزلونا من السيارة كان الوقت عند غروب، وحين خرجت من الحفرة كان الوقت ليلا، وفي الصباح عندما توجهنا بالشاحنة نحو القرية لم انظر الى المنطقة بسبب خوفي والم جروحي. ولكننا عندما عدنا الى تلك الصحراء مرة اخرى كانت كلها رمالا وسهلا ترابيا يمتد على مدى البصر لم يكن تنبت فيه سوى اشواك العكول لا اعلم ماذا كانت الاغنام تأكل هناك، كانت لدي قناعة بان الله ارسل ذلك الراعي الى تلك المنطقة من اجل انقاذي فقط، والان كان قلبي يبنقبض مثل الليلة الاولى التي مررت بتلك المنطقة، وكأن روح امي واخواتي كانت تدلني وتستدعيني شعرت باننا قريبين منهم جدا، قلت لهم دلوني اين كان الدوار ذلك العام ومن هناك ساتذكر من اي اتجاه جئت وساجده بنفسي فبحثوا حتى وجدوا مكان دوارهم وهناك تعرفت على المكان الذي طوقتني فيه الكلاب وبذلك عرفت من اي اتجاه جئت فسلكنا الطريق بناءا على تذكري ومعرفة السيد غانم بالمنطقة.

كان الوقت قريبا من العصر، ولكن صدقوني ان الصحراء كانت تتحول امام ناظري الى الليل احيانا كالليلة التي اطلق فيها النار علينا، كنت اخطو بروية بالغة لانني كنت خائفا ان تكون رفات امي واخواتي واهلي تحت الرمال التي اضع عليها قدمي، فتخيل ان تمشي على طريق وتشعر ان رفات اعز شخص عندك وهي امك تحت قديميك كم هو مؤلم ذلك، ومع ذلك كنت مضطرا لان استمر في البحث لاجدهم. انا متأكد من انه اذا كانت الارض مثل كردستان فان الامر لم يكن يتطلب اي بحث وان شقائق النعمان كانت تنمو من ارواح جميع اولئك الابرياء وكانت ازهار النرجس تغطي قبورهم، ولكن لم تكن تنبت في ارضهم سوى الاشواك. كنت متأكدا تماما من ان الاتجاه الذي سلكته من مكان الدوار سيوصلني الى القبور الجماعية ولكن كون السهول كلها من الرمال فقد تحولت الارض الى قطع مستوية، لم تكن تستطيع تمييز قطعة عن الاخرى بالنظر اليها، كان لابد ان ابحث بروحي عن ارواح امي واخواتي، كنت اعيد تخيل السهول لمئات المرات واحول النهار الي الليل، كانت المشاهد من رتل السيارات وحفر الموت والجنود الجلادين وداخل الحفرة وجميع الرصاصات وقطع اللحم التي كانت تخرج من مكان الرصاصات تعود الى مخيلتي. لقد رأيت في تلك الليلة التي رمينا بالرصاص هنا موت  امي واخواتي الثلاثة امام عيني بالاضافة الى ستين شخصا آخرين، وحين عدت الى ذلك المكان بعد 21 عاما شعرت ان خطواتي قد وجدت اثار اقدامي حيث كنت اسير جريحا هناك قبل 21 عاما، تلك الليلة التي رمينا فيها بالرصاص ظلما لم تكن اليمة كهذه اللحظة التي عدت فيها الى الصحراء بعد 21 عام، كان فمي يفتح وانفاسي تطول من تلقاء نفسها، كان شعر كل جسمي قد ارتفع واصاب الارتعاش جسدي، لا اعلم اكنت اريد ان انادي على الله ام كنت اريد ان تسمعني امي والآخرين، وجدت المكان عن طريق حسي وروحي، فقد كانوا انذاك قبل 21 عاما حين القوا التراب عليهم بالجرافة سووه مع الارض. ولكن مهما فعلوا مع تلك الارض كنت ساتعرف عليها وكانت ثابتة في مخيلتي. حددت لاصدقائي موقع جميع الحفر حيث كان معي عمي رؤوف والسيد عثمان زوج عمتي وابن عمتي صالح عبدالله وخالي حسين وابن عمي سردار بالاضافة الى مجموعة من اقارب العائلة العربية اللذين جاؤا معي، كنت اشعر ان الوضع اليم بالنسبة اليهم ايضا لانهم كانوا اخوات واولاد اخت واولاد عم واقارب لهم، كانوا يبكون جميعا داخل السيارة وبرؤيتهم تلك الصحراء النائية تعالت اصواتهم وكانوا يصرخون اين هم اخواني واخواتي واهلي جميعهم، وكان ذلك يؤلمني اكثر، كنت في السابق احاول ان لا يشعروا بهمومي العميقة تلك وكنت اشعل السجائر بسرعة حتى لا يتألموا لرؤيتي ولكنني الان رايتهم يرثون وكأنهم فوق جثث اقاربهم.

 

* هل فتحتم ايا من المقابر الجماعية للتأكد من وجود الرفات فيها؟

– كلا وما الداعي لفتحها حتى نتأكد في حين كانت المنطقة امام عيني كالفيلم. وفي مكان اطلاق بالرصاص علينا كانت اوعية الرصاصات التي اطلقوها لاتزال موجودة، حتى اننا وجدنا بعضا من تلك الرصاصات التي دخلت اجسام اهلنا وبعد ان بقيت اجسادهم العظام فقط سقطت الان على الارض. وقد احتفظت ببعض من الطلقات والاوعية ومخازن الرصاص التي كانت قد بقيت في مكان قتلنا الجماعي. حتى انني احتفظت بسروال صغير ولادي لطفل في الخامسة او السادسة من العمر وكذلك فانيلة بناتية وردية ربما كانت لعمر سبعة الى ثمانية اعوام وكان يبدو ان الكلاب قد اخرجت الجثث واكلتها حيث لم تبق منها سوى عدة عظام.

 

* الا تعتقد ان تلك القطعة من الملابس البناتية كانت تعود لتلك الفتاة التي تركتها حية في الحفرة؟

– لا اعرف، لان الوقت كان ليلا وكانت الحفرة مظلمة، في الحقيقة لا اعلم ما كانت الفتاة مرتدية، ولكن ليس من المستبعد ان تكون هي ايضا قد خرجت من الحفرة بعدي ولم تتمكن من الابتعاد، فماتت من العطش او الجوع ام اكلتها الكلاب. ولكن كان جزء من الفانيلة تحت الرمال وجزء منها ظاهر، فاذا لم تكن تعود اليها فهي بالتأكيد ربما كانت لأطفال عماتي او اطفال اخوالي. وجدنا بالقرب من الحفر التي قتلوا فيها اهلنا مجموعة من المقابر الجماعية الاخرى كانت تبدو انها حفرت بعدنا، لاننا حين اقتدنا الى هناك لم ار سوى حفر، اما تلك المقابر الجماعية فكانت حينها ارضا مستوية ولكن الارض فوق تلك الحفر كانت مرتفعة وكأنها تلال صغيرة، اخذت معي من هناك مجموعة من الاقمشة السوداء كانت انذاك قد استعملت لربط اعين وايدي الناس قبل رميهم بالرصاص. اذا بنيت في يوم من الايام مونيومينت جدير بالانفال والمقابر الجماعية فساقدم اليها تلك الاشياء. حين كنا عند المقابر الجماعية رايت اقاربي اللذين جاؤا معي وهم يضعون التراب الذي فوق المقابر الجماعية في مطارة صغيرة وقد جلبوه معهم الى كردستان، فآلمني ذلك المشهد اكثر. حين كنت انظر من حولنا كان هناك مجموعة من الجنود من حولنا وكان زيهم ايضا مرقعا اخضر واغبر وبيرياتهم حمراء، كنت اتخيل نفس مشاهد رمينا بالرصاص حين اقتدنا الى هناك من قبل مجموعة من الجنود العراقيين قبل 21 عاما وهم يرتدون نفس الزي ليقتلونا، لم يكن من المستبعد ان ان يكون اولئك الجنود انذاك منتيمن لافواج والوية الحرس الجمهوري اما الان فان الجنود التابعين لافواج والوية الحرس الجمهوري كانوا قد جاؤا لحمايتنا. تلك هي الدنيا يوم قتل فيه الجنود العراقيون جميع اهلي واليوم جاء الجنود العراقيون معي لايجاد رفاتهم. كنت ارى انهم يتألمون مثلي، كانوا يجمعون مايقع اعينهم عليه من قطع العظام الصغيرة ويأخذون اوعية الرصاص الصدئة كتذكار والتي قتل بسبب طلقاتها المئات من النساء والاطفال الكرد جماعيا.

 

* كان معك تلك المرة مجموعة من الاشخاص كما ان الوقت كان نهارا، هل تعلم الان كم كان دوار الرعاة العرب تبعد من هناك؟

– نعم كانت تبعد عشرة دقائق سيرا بالسيارة.

 

* الا تعلم بكم قطعت تلك المسافة في وقتها؟

– لا اعلم، ربما كنت قد وصلت بسرعة بسبب خوفي وليس من المستبعد ان اكون قد استغرقت وقتا طويلا لاصل الى الدوار، لان المكان لم يكن ظاهرا من عندي لاسير باتجاهه مباشرة، لقد غيرت مساري عدة مرات وقد وصلت اليه بالصدفة، لا اعلم حتى الان كم يبعد ذلك المكان من الدوار مشيا ولا اعلم كم من الوقت استغرقني لقطع تلك المسافة. ومنذ ذلك الوقت لم ار السيد غانم لاسأله عن ذلك ولكن في تلك المرة التي عدنا فيها قال السيد غانم عند مكان الدوار لقد ستغربنا حين رأيناك في منتصف الليل حيث لا يعيش احد في المنطقة حتى ان الذئاب لا تعيش هناك ايضا ولكنك وصلت اليها في الساعة الثانية عشرة من تلك الليلة من الشهر الخامس والظلام دامس. لم اكن اعلم متى بدأت السير من موقع اطلاق الرصاص علينا، عندما رمينا بالرصاص كان الغروب قد بدأ لتوه، ولكن بعد ان نهضت وفقدت الوعي او نمت لمرة او مرتين عندها بدأت السير اخيرا وكان الوقت ليلا، ولكنني لا اعلم كم كانت الساعة. وهناك اكتشفت شيئا اخر فحين اخذوني من الدوار الى القرية وكنت قد قلت انهم اوقفونا في نقطة تفتيش او ماشابه كان السيد عبد يقول حين اخذناك من الدوار الى القرية كنت اقود السيارة بسرعة في الطريق حتى نوصلك بسرعة الى القرية، كانت السيطرة العسكرية التي اوقفتنا عبارة عن مفرزة وقالوا لي لماذا تسير مسرعا فقلت لهم ان معي شخصا مريضا.

 

* كم يوما بقيت في السماوة وآل عيشم والصحراء؟

– استغرق الامر يومين وليلة واحدة حتى عدنا الى بغداد، حيث كان معنا مجموعة من الحراس والسيارات التابعة للاخوة في سكرتارية مام جلال كان لابد ان يعودوا حيث كان وراءهم اعمال ومهام اخرى كثيرة وقد جاؤا الى آل عيشم من اجلنا. في ذلك اليوم ذهبنا الى السماوة ومنها الى المقابر الجماعية وفي المساء عدنا الى قرية آل عيشم، القرية التي كان لي فيها ذكريات كثيرة واصدقاء يوم المحن ومنازل اخوة لن استطيع رد جميلهم الى يوم مماتي. وكانت ادارة المحافظة قد نظمت لنا مراسم كبيرة في القرية وقد استقبلونا بحفاوة بالغة حين وصلنا ربما كان يحضرها مئة رئيس عشيرة من المحافظة وكان عدد كبير من الناس في استقبالنا، كانت الشخصيات والوجهاء في المنطقة حاضرين ايضا، كان (ابراهيم الميالي) محافظ السماوة و(محمد عربود الزيادي) نائب رئيس مجلس المحافظة وعدد من اعضاء المجلس حاضرين، كانوا قد اعدوا منصة ومايكروفونات، في البداية صلوا على النبي، ثم وقف الجميع وقرؤا الفاتحة لارواح المؤنفلين. كان يبدو ان الشخص الذي يدير المراسم على اطلاع، تحدث للناس عن انهم نظموا المراسم لان صدام قام في عام 1988 بجلب نساء واطفال اكراد الى تلك المنطقة وقتلهم والصبي الوحيد الذي نجى من المقابر الجماعية كان اسمه تيمور وقد تبنته عشيرة آل عيشم وحمته، واليوم عاد تيمور مع مجموعة من اقاربه ليقدموا شكرهم لتلك العائلة وقد نظمنا نحن ايضا هذه المراسم لاستقبال تيمور وتقديم الشكر لعائلة آل عيشم. بعد ذلك القى نائب رئيس مجلس محافظة المثنى (السماوة) خطابا في المراسم رحب فيه بنا وتحدث عن الاخوة والتعايش بين الكرد والعرب، وشكر فيه عشيرة آل عيشم لموقفها والتي عرض في زمن الرعب والخوف خلال حكم صدام حياة عائلة للخطر من اجل ناج من المقابر الجماعية وبذلك جددوا عهد الاخوة بين الكرد والعرب. ثم قدم حسين صديق طفولتي قصيدة جميلة ومطولة، كما خصصوا لي خطابا فتحدثت باسهاب عن العلاقة التاريخية بين الكرد والعرب منذ زمن صلاح الدين الايوبي وحتى الان فقد تعايش الكرد والعرب كقوميتين متجاورتين وكان بينهما حب واحترام وتعاون الا ان صدام اراد ان يصدع ما بيننا عن طريق الانفال وضرب كردستان بالكيمياوي ولكنه لم يستطع ذلك فقد ذهب صدام واصبح الان كردي رئيسا للجمهورية، وها انا الصبي الوحيد الناجي من القابر الجماعية انقذتني هذه العائلة العربية وربتني لاكثر من عامين، كما ابلغتهم بقرار مام جلال بناء مدرسة ومستشفى في القرية من ميزانيته الخاصة، لاحظت انهم سعدوا بذلك كثيرا وقالوا اننا سنسميهما مدرسة كردستان ومستشفى كردستان احتراما للكرد واسمهم.

والقي خطاب باسم عائلتنا وعوائل المؤنفلين من بعدي من قبل شخص كردي كان اسمه ابو كاوه وبدا وكأنه يقيم في السماوة منذ وقت بعيد، وكان عمي والاخرين احبوا ان يتحدث باسم عائلتنا فقد كان يرافقنا طوال يومين، كما القي خطاب باسم قرية آل عيشم من قبل كامل شلال نيابة عن القرية. وعند المساء كانوا قد اعدوا الطعام وربما ذبحوا حوالي عشرين رأسا من الغنم كما نصبوا خيما كبيرة للضيوف وكانت استضافة كبيرة، بقينا تلك الليلة هناك وفي اليوم التالي عدنا الى بغداد وبعد يوم واحد عدنا نحن الى كردستان.

 

* والسيد فاضل الذي عدت معه من امريكا هل عاد هو الآخر معكم ام بقي في السماوة؟

– آه من الافضل انك تحدثت عن ذلك، نعم جاء السيد فاضل وعدد من اصدقاء طفولتي من ابناء وابناء عم العائلة التي عشت فيها جاؤا معنا الى كردستان وهم حسين وخالد ومحمد وقد حلوا  ضيوفا علينا لايام. ذهبنا الى كلار وعدنا الى السليمانية وزرنا عددا من المصايف في كردستان، رغم انني بسبب زيارتي للمقابر الجماعية كنت قد عدت في اعماقي الى تلك اللحظات التي قتل فيها اهلي، ولم اكن ارغب في الذهاب الى التنزه والتجوال ولكن لكوني مدينا لتلك العائلة ذهبت معهم للتنزه. كانت طبيعة كردستان بالنسبة لهم كالجنة فكانوا سعداء بتلك الزيارة. عادوا الى السماوة فيما بقينا انا والسيد فاضل على امل زيارة السيد مسعود البارزاني والعودة الى امريكا. بقيت فترة اخرى في السليمانية منتظرا ان اجد طريقة نصل بها الى السيد مسعود. وفي احد الايام رايت السيد نوري حمه علي في فندق ابو سناء الذي كان مقر اقامتنا، وكان من اقارب امي، حدثته عن الموضوع ورويت له كل شيء، استغرب السيد نوري وقال ساتحدث في الامر، فاتصلوا بعد يومين وطلبوا منا ان نذهب الى مقر رئاسة الاقليم ونلتقي بالسيد الرئيس. فذهبنا وفي اللحظة التي وصلنا الى مقره الحق يقال جاء السيد مسعود واستقبلنا بحرارة، جلس معنا وسأل عن اخبارنا. واعرب مجددا عن شكره لتلك العائلة وتوجه الى السيد فاضل وقال له نحن نعتبر انفسنا مدينين لعائلتكم دائما، ومتى ما عدت الى العراق احب ان تزور كردستان وان بابي مفتوح لكم دائما، وقل لاهلك واقاربك اذا ما احتاجوا لاي شيء فليعتبرونا اهلا لهم وسنكون في خدمتهم. كلام السيد مسعود هذا كان شيئا عظيما بالنسبة لي لانني كنت اشعر بالاستحياء قبل ذلك حيث كان احد اهداف عودتنا الى كردستان هو زيارته ولم نكن نستطيع الوصول اليه، لذلك استفدت من استقباله الحار والاحترام الكبير الذي ابداه وقلت في نفسي هذه هي الفرصة لم لا اقول له اننا نحاول منذ شهور لقاءه ولكنهم يقولون لنا ليس لديه الوقت لرؤيتكم، فلما ابلغته بذلك ورويت له ماحدث وماقيل لنا، اعتذر كثيرا وقال لنا لم يقل لي احد ذلك، وقد ابلغت بالامس انكم هنا فقلت فاليتفضلوا اليوم وسنكون في خدمتهم ولكنكم كنتم في السليمانية وقالوا ستصلون في الغد، وبعد ذلك اثنى على طيبة وشجاعة العائلة العربية كما اثنى علي كثيرا ايضا وقال انت رمز الانفال ومظلومية شعبنا ومن واجبنا جميعا ان نحترمك وطلب منا ان نزوره متى ما شئنا وان بابه سيكون مفتوحا لنا.

في الحقيقة لقد احترمنا كثيرا الى حد لم يبق في قلبنا انا والسيد فاضل شيء وشكرناه كثيرا واعربنا عن ارتياحنا لذلك الاسقبال الحار وعدنا الى السليمانية وبعد ايام عدنا الى امريكا. وقد التقيته هو والسيد نيجيرفان مرة اخرى في مكتب حكومة الاقليم في امريكا وهناك احترمني كثيرا ايضا.

 

* اذا كان مقررا ان تكون انت كرمز لبقاء المؤنفلين والناجي الوحيد من المقابر الجماعية للنساء والاطفال المؤنفلين من يقرر مصير المقابر الجماعية ماذا تفضل ان يفعل بها؟

– في الحقيقة لابد ان يعاد جميعا الى كردستان ويجب ان تكون هناك محاولة للتعرف عليهم عن طريق فحص الـ(DNA) ويسلم كل منهم الى اهله ويدفن في المكان الذي يفضله اهله، وكقومية تعرضت للابادة بتلك الطريقة لابد ان تكون هناك رموز تظهر الجريمة المرتكبة بحق الكرد، لذلك فان قرار بناء عدد من المونيومينتات واعادة الرفات اليها شيء جيد ولكن يجب ان يخصص لهم اماكن جديرة ومع ذلك يجب اجراء الفحص ومحاولة التعرف اليهم ليعلم اهلهم اين يقع قبر ابنائهم وبناتهم واخواتهم واخوانهم وامهاتهم وآبائهم. وانا عن نفسي كوني من اهالي كرميان وقد عدت الان واعيش في مجمع الصمود سابقا ورزكاري حاليا في منازل اهالي المؤنفلين ويقع مونومينت (دي بنه) مقابله لذلك اريد ان يعاد اهلي ويدفنوا في مونومينت (دي بنه).

 

* وهل زرت ذلك المونومينت منذ بنائه؟

– نعم حين قالوا انه تم بناء مونيومينت هنا فرحت كثيرا وتمنيت ان يكون على شكل المونومينيتات التي بنيت في العالم لجرائم مثل الانفال والابادة الجماعية وان يكون شيئا جديرا. وحين اردت ان اذهب لرؤيته لم يسمح لي رجال الشرطة اللذين وضعوا لحمايته بالدخول. حزنت وتألمت كثيرا لان المونومنيت يدار بتلك الطريقة ولا يعلمون كيف يقدرون الضحايا ولا يعرفون الناجي من تلك المأساة فأين الاهتمام بارشفة وتوثيق الجريمة. وعلى الرغم من انهم سمحوا لي بالدخول بعد جدل وبعد تعريفي بنفسي الا ان مارأيته في الداخل لا يمكن ان يسمى مونومينتا انه يشبه مقبرة مثل المقابر الاخرى مع بعض الاختلاف، ان المقابر البسيطة في امريكا واوروبا وكثير من الدول بنيت بشكل اجمل من تلك المونومينتات. اتمنى على حكومة الاقليم ان تبني المونومينتات على شكل المونومينتات العالمية ان لم تستطع ان تبنيها اجمل منها.

 

* بعد كل المآسي والمعاناة التي رايتها في الانفال وبعد الانفال، اسألك هل هناك شخص تعتبر نفسك مدينا له في حياتك؟

– نعم قبل كل شيء اعتبر نفسي مدينا لامي وابي واخواتي اللذين ظلموا بتلك الطريقة واستشهدوا، ولم استطع فعل شيء من اجلهم، حتى ان امي واخواتي الثلاثة وبعد حوالي 25 عاما لاتزلن في صحراء السماوة في الغربة وفي رمال الصحراء واعرف اماكنهم ولم استطع ان اذهب واعيد رفاتهم الى كردستان، ربما لم يكن ذلك ذنبي او تقصيرا مني بل هو واجب حكومة كردستان ولكن كان يجب علي ان ادافع عنهم اكثر.

كما اعتبر نفسي مدينا لنساء ورجال عائلة آل عيشم صغيرهم وكبيرهم الذين عرضوا عائلتهم للخطر من اجل حمايتي، حيث لم يحموني فقط بل ولم يسمحوا بحرماني من عطف وحنان الام والاب وكبروني واعادوني الى كردستان. كما اعتبر نفسي مدينا لعائلة مام جلال اللذين ابقوني لحوالي ستة اعوام في بيتهم وخدموني. واعتبر نفسي مدينا لعائلة الدكتور برهم فحين وصلت الى امريكا ولم اكن اعرف اللغة او احدا هناك اخذوني عندهم لمدة سبعة اشهر وساعدوني كثيرا. كما ان هناك اشخاص اريد ان اشكرهم من هنا، لاله سرحد الخليفة يونس الذي ساعدنا في وقت عصيب وكان عونا لنا، والسيد هيمنه ره ش فقد كان متعاونا معي كثيرا خلال الفترة التي بقيت فيها في قلاجوالان حتى عودة مام جلال. واريد ان اشكر عارف قرباني حضرتك كثيرا حيث كرست نفسك للكتابة عن الانفال واعلم انك تعبت كثيرا مع هذا الكتاب.

 

* وان سألتك عن من تعاتبهم؟

– اعاتب حكومة اقليم كردستان التي لم تولي كما يجب اهتمامها بالانفال، ولم تولي اهتماما بالمتبقين من الانفال كما لم تفعل شيئا للناجين من الانفال. تحرر هذا الجزء من كردستان منذ عام 1991 فهل يمكن ان نقول ان ما تم القيام به حول الانفال لارشفته وتوثيقه هو نتاج 22 عاما، اين هي مراكز البحث التي تم بناؤها حول الانفال، هل عندنا مراكز علمية متخصصة، في اية جامعة او معهد افتتحت اقسام خاصة بالانفال والجينوسايد، ماذا فعلنا حتى نقول لاجيالنا القادمة لاتنسوا تلك الجرائم، كم كتابا الف حولها، وكم كتابا ترجم الى اللغة العربية والانكليزية واللغات الحية في العالم، اين هي الافلام الوثائقية التي تعرف اجيالنا والعالم بهذه الجريمة، كان لابد من ان يحول الانفال الى قضية وطنية كبيرة ويخصص لها جزء من الامكانيات الانسانية والمادية لحكومة الاقليم، كان لابد ان تجد في اى مكان تمر به في كردستان رمزا واشارة على الانفال شاخصة امامك، كان لابد ان تعاد رفات جميع المقابر الجماعية، ان الفرصة التي سنحت للكرد في العراق بعد سقوط صدام عام 2003 لم تسنح لاي شعب آخر. كان الكرد يستطيعون خلال تلك الاعوام العشرة ان يبحثوا في كل مكان في جنوب ووسط العراق وصحاريه وكان لابد من اعادة ليس فقط الرفات بل كل فردة حذاء للمؤنفلين ووضعها في المتاحف واظهارها للعالم، ولكن مع الاسف لا ارى عملا ينم عن حرص كبير في هذا المجال، سقط صدام منذ عشرة اعوام وقد قلت عشرات المرات انني اعلم اماكن المقابر الجماعية وانني على استعداد ان اريكم كل الاماكن اذا تقرر فتحها واعادتها ولكن صدقني لم يهتم احد بذلك. هناك شيء آخر يزعجني وهو ان بعضا من الاصدقاء من آل عيشم كانوا هنا خلال الايام الماضية فسالتهم عما اذا كانوا قد بنوا لهم المدرسة والمستشفى فكان جوابهم كلا لم ينفذ احد شيئا.

 

* عودتك هذه المرة هل هي للزيارة ام تريد ان تعيش هنا؟

– في الحقيقة لقد تعبت روحي من الغربة، اريد ان اعيش بعد اللآن في بلدي وان يكون لي في خيراتها نصيب مثلما شاركت في التضحية من اجلها.

 

*مع ان سؤالي هذا ربما يكون شخصيا جدا ولكن هل يمكن ان اسألك كالناجي الوحيد من المقابر الجماعية للاطفال المؤنفلين وكشخص اصبحت رمزا لتلك الجريمة وساهمت في التعريف بالانفال على مستوى العالم، بعد ان اتخذت قرارا نهائيا بان تعيش في كردستان ولانه لم يبق احد من اعضاء عائلتك، لابد من ان تقوم الحكومة بدور العائلة لك، هل استطيع ان اعرف كم الراتب الذي خصصوه لك لادارة حياتك؟

– مع بالغ الاسف وانني اتألم في اعماقي وانا اقول هذا، ان ما اتقاضاه رسميا من حكومة اقليم كردستان كراتب يكفي لملء خزان سيارتي من الوقود مرتين.

 

* لماذا، كم يبلغ راتبك؟

– 250 الف دينار.

 

* قررت الحكومة خلال الايام الماضية تخصيص روات خاصة لكم هل هذا هو ذلك الراتب؟

– كلا هذا الراتب تم تخصيصه لنا على اساس كوننا سجناء سياسيين اما الراتب الذي قررت الحكومة تخصيصه فاعتقد انه يساوي ضعفين وقدره 500 دولارا ومع ذلك لم ينفذ القرار بعد وهناك مماطلة بين وزارةتي شؤن الشهداء والمؤنفلين والعمل والشؤن الاجتماعية. لذلك اسألك انا هل استطيع ان اعيش حياتي في كردستان بـ(500) دولارا.

 

* منذ سقوط صدام والكرد يحكمون كركوك واوضاعها مستقرة، الم تفكر في المرات التي عدت فيها الى كردستان ان تزور قاعات (طوبزاوا) في كركوك؟

– كلا لم اذهب ولا اريد الذهاب الى المكان الذي فرق فيه بيني وبين ابي.

 

* الم تذهب ايضا الى قوره تو لرؤيتها كذكرى مرة؟

– كلا.

 

* ومله سوره؟

– كلا لم اذهب اليها ايضا.

 

* وقريتك كوله جو؟

– نعم عندما عدت في عام 2005 لاول مرة ذهبت الى كوله جو، وقد زرتها مرات عديدة وسوف ازورها في المستقبل.

 

* قلت انه قبل اعتقالكم خبأ والدك سلاحه الكلاشنيكوف في القرية، هل اخرجت الكلاشنيكوف عند عودتك الى كوله جو؟

– كلا لانني لم اره اين خبأ السلاح حتى اخرجه، ومع ذلك كنت احب ان اجده كذكرى.

 

* هل عدت الى مكان منزلكم، والغرفة التي سكنت فيها، واماكن ذكرياتك؟

– نعم عدت اليها ولكنها كانت مستوية بالارض.

 

* كم عائلة عادت الى كوله جو حتى الان؟

– 15 عائلة تقريبا.

 

* وهل تم تنفيذ اية مشاريع خدمية لهم؟

–  اية مشاريع؟ حيث يطلق هنا اسم مشاريع خدمية على امور تعتبر من ابسط حقوق الحياة.

 

* كالمدرسة او الطرق او الماء والكهرباء مثلا، هل تم تنفيذ اي منها هناك؟

– اعتقد انك تعرف (غوين) الذي يعمل في مجال جينوسايد الكرد، واعتقد ان نيجيرفان البارزاني يدعمه، صنع فيلما وثائقيا عن حياتي ولما رأى نيجيرفان البارزاني الفيلم الذي يروي قصتي انا الناجي الوحيد من المقابر الجماعية للنساء والاطفال المؤنفلين قرر تنفيذ بعض المشاريع في كوله جو، وقد تم مد طريق مبلط اليها من مجمع الصمود كما تم بناء مدرسة ومركز صحي فيها ومدها بالتيار الكهربائي.

 

* سؤالي الاخير، مع تمنياتي لك بالعمر المديد، اذا وافتك المنية اين تريد ان تدفن؟

– في الحقيقة لان امي وابي واخواتي ليس لهم قبور، فان الامر الذي لم اهتم به ولم افكر فيه هو اين ادفن عند موتي، ولكن كوني لم ايأس من اعادة رفات اعزائنا الى كردستان وقد قلت من قبل انني ارغب في اعادة دفن رفات امي واخواتي وابي في مونومينت الانفال في كرميان، لذلك اطلب متى ما وافتني المنية ان يخصص لي كرمز للانفال وكالناجي الوحيد من المقابر الجماعية للنساء والاطفال المؤنفلين مكان في مونيومينت (دي بنة) للانفال في كرميان وتدفن جثتي فيه، لاكون مع ارواح وجثث المؤنفلين دائما.

 

PUKmedia 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية