اخبار العراق الان

آثاريون يتوصلون إلى مدينة الاسكندر المقدوني المفقودة جنوبي العراق

بغداد اليوم- متابعة 

أطلق مشروع للتنقيب عن مدينة الإسكندر المقدوني المفقودة في جنوب العراق، برعاية المعهد البريطاني لدراسة العراق “BISI”.

والمعهد هو مؤسسة خيرية عاملة في المملكة المتحدة تقوم بتمويل وتنفيذ البحوث وتدعم مشاريع التعليم عن العراق والدول المجاورة. والمجالات التي تشملها هي الأنثروبولوجيا، وعلم الآثار والتاريخ والجغرافيا واللغات وغيرها في الفنون والعلوم الإنسانية والاجتماعية.

ويقدم المعهد مجموعة من المنح للمشاريع البحثية والمؤتمرات، كما يساعد في دعم وتطوير وتدريب المهنيين على أعمال البحث والتنقيب في التراث الثقافي للعراق.

التنقيبات الأولية

تشير عالمة الآثار البريطانية د.جين مون المدير المشارك ‏لمشروع مدينة الإسكندر المفقودة في العراق “‏Charax Spasinou‏” في تصريح لها إنه: “عندما دعينا في ربيع عام 2015 من مجلس الدولة البريطاني للآثار والتراث للعمل في تنقيبات مدينة أسسها الإسكندر الأكبر جنوب العراق، لم نستطع بأي حال من الأحوال أن نرفض إغراء هذا العرض”.

وتضيف: “بعد مرور عام، أوشكنا على إكمال موسمنا الأول للمسح في المدينة المفقودة على ضفاف نهر دجلة، والذي بات يعرف لاحقًا باسم Charax Spasinou”.

وتابعت: “إن تمكننا من الاستجابة السريعة لهذا الطلب يرجع بشكل كامل إلى الدعم السخي الذي قدمته مؤسسة بارون لورن تايسن– بورنيميزات في آب، ومجلس الدولة للآثار والتراث، ووزارة الشؤون الخارجية والكومنولث، وفي طبيعة الحال ‏”‏BISI‏” نفسها”.

ويروى أن الإسكندر الأكبر كان قد أبحر جنوباً في إحدى رحلاته في نهر ديز من مدينة سوسة الحدودية بين إيران والعراق الحاليين (مدينة الشوش الحالية) في عام 324 ق.م ووصل إلى نقطة التقاء نهر ديز بنهر دجلة. في ذلك الوقت، كان الوصول إلى المياه المفتوحة والخليج قريب أيضًا، وكانت الميزة الإستراتيجية للمكان واضحة، وهكذا تأسست المدينة على نهر دجلة.

لسوء الحظ، لم يدرك الإسكندر الأكبر حينئذ إلى أي مدى كانت المنطقة عرضة للفيضانات المتكررة، وفي الواقع ظلت هذه المنطقة عرضة للفيضانات طوال تاريخها القديم والحديث. ونتيجة تكرار الفيضانات المدمرة، أعيد تأسيس المدينة مرتين على الأقل.

الحصن الحجري

اسم‎ ‎‏”‏Charax Spasinou‏” على الأرجح مشتق من اليونانية‎ ‎ويعني حرفيًا “الحصن الحجري” وقد تم ‏العثور على هذا النمط المعماري المطبق في العديد من المدن السلوقية المحصنة. وقد أطلق على كل المدن التي عرفت بالإسكندرية، ‎والتي بنيت بأوامر الإسكندر الأكبر أو بأوامر ‏ورثته. ويعتقد ان هذه المدينة قد أعيد بناؤها مرتين الأولى من قبل أنتيوكوس الرابع ‏وقد عرفت حينها باسم أنطاكية في عام ‏166 ق.م، والثانية عام 141 ق.م إذ ورد اسمها كـ ‏Charax Spasinou‏ لتصبح بعد ذلك عاصمة مملكة ميسان في جنوب العراق وإحدى أكبر المراكز ‏التجارية، حيث قامت بتبادل البضائع مع الهند وتدمر والبتراء وما بعدها مع روما نفسها.‏

كما تجدر الإشارة إلى ان بعض الباحثين يعتقدون ان الاسم ‎ ‎مشتق من الكلمة الآرامية‎ “Karaka” ‎التي تعني القلعة.

المدينة المفقودة

تقع مدينة الإسكندر المفقودة “خاراكس” على تل كبير يعرف اليوم باسم جبل خويبر في ميسان قرب التقاء نهري ‏الكرخة ودجلة. إذ يذكر بليني الأكبر في تاريخه:‎ “ويحتمل أن يكون إنشاء المدينة قد استهدف تحقيق ثلاثة أغراض في الحد الأدنى. أولاً يعتقد أن الإسكندر قد سعى لإقامة قاعدة عسكرية أمامية لصد غارات بدو الصحراء القادمين من الجزيرة. وثانيا أنه أراد أن يكون لديه ميناء جدید يسعى إلى أن يستخدمه كمرکز هجوم لأسطوله الكبير الذي بناه في بابل. وربما قصد ثالثا أن تستعمل هذه المدينة الساحلية كمركز تجاري جديد على رأس الخليج، وميناء يستقبل السفن التي تنقل السلع المحملة ببضائع الشرق الأقصى، لتحل محل تیریدون.

إضافة إلى ذلك، لعل مدينة الإسكندر في أقصى جنوب العراق وضعت أساس المرزبانة السلوقية الأولى في المنطقة”.

في عام 1857م حدد رولنسن موقع خاراكس المحتمل على الوجه التالي: ينبغي علي أن أبحث عن الموقع على نحو عشرة أميال فوق جون المحمرة، وأثق أن بعض ضباطنا الشباب النشيطين سوف يقومون بتحريات في هذا المكان أثناء الحملة الحالية (أي مسح لدجلة والفرات).

وشعر تشيريكوبر بعد رفض رولنسن قبله بنصف قرن، ما قبله كتحديد جغرافي، أن المدينة كانت قطعا واقعة عند التقاء نهر (يولايوس‏/الكرخة) ودجلة. ثم عين هنزمن رابية كبيرة في هذه المنطقة، معروفة باسم جبل خويبر واعتبرها موقع خاراكس القديمة.

تقع بقايا المدينة المفقودة على بعد حوالي 40 كم شمال البصرة. حيث ترتفع الأسوار إلى أربعة أمتار فوق السهل، التي تم الكشف عنها مع استكمال استكشاف الحصون وعلى فترات منتظمة من أعمال التنقيب الجارية، كما اتضح من عمليات التنقيب المسار القديم لنهر ديز الذي بدا مرئياً بوضوح. ويقدر أن بقايا المدينة تنتشر على مساحة حوالي خمسة كيلومترات مربعة. ولا تزال حقول الألغام و‏بقايا المخلفات الحربية العسكرية المدمرة التي نجمت عن الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي منتشرة في مواقع التنقيب عن المدينة المفقودة، وقد تسببت هذه المخلفات بالكثير من المشاكل للعاملين في عمليات التنقيب.

تحديات

لقد واجه العمل في هذا الموقع الكبير بعض التحديات المثيرة للاهتمام، كيف تقوم بمسح ورسم خريطة لهذه المنطقة الكبيرة، على سبيل المثال؟ حتى مع أدوات المسح الحديثة، ستكون هذه مهمة طويلة وشاقة.

تشير د.جين مون إلى هذه التحديات بقولها: “لكن ولحسن الحظ، فإن استخدام طائرة بدون طيار مع برنامج رسم الخرائط وفر حلاً. أثناء طيراننا على ارتفاع 100 متر، التقطت الطائرة بدون طيار لدينا 5000 صورة على مدى تسعة أيام، تغطي مساحة تبلغ حوالي ثمانية كيلومترات مربعة. ويتم الآن تجميع هذه الصور في نموذج الارتفاع الرقمي الذي سيتم استخدامه لإنشاء خرائط طبوغرافية”.

وتضيف، أن ’’اكتشاف مقدار الآثار الباقية في خاركاس المفقودة بعد ألفي عام من الفيضانات المتكررة كان تحديًا كبيرا”.

كما تذكر “لقد ساعدنا كثيراً قدوم أحد الخبراء البارزين في العالم في علم الجيوفيزياء وهو الدكتور يورغ فاسبندر مع فريقه من جامعة ميونيخ ‏وهم مجهزون بمقياس مغنطيسي للسيزيوم. وقد عملوا مسحا لأكثر من ثمانية هكتارات في عشرة أيام. وقد كانت النتائج تفوق التوقعات، إذ تم الكشف عن أحياء كاملة من المدينة تحت سطح الأرض، بما في ذلك المباني العامة الكبيرة والمنازل السكنية. وبذلك كانت الخطة التي وضعناها لأعمال الاستطلاع تعكس بوضوح المخطط الأصلي للمدينة الهلنستية، والذي تم الاحتفاظ به في الفترات اللاحقة”.

كما يشير الباحثون إلى العثور أثناء عمليات التنقيب على خندق تم حفره على أحد حدود المدينة المفقودة، ولم يكن خندقا عاديا، إذ تم تجهيزه بجدران من الآجر الطيني تم بناؤها بالتوازي على كلا جانبي الخندق. كما تم العثور في مكان التنقيبات على لقى أثرية محيرة هي عبارة عن صف من الجرار الطوربيدية الشكل، لكنها كانت مقلوبة رأسًا على عقب ومثبتة في طبقة صلبة من الطين. كما تم قطع أطراف القواعد بشكل متعمد ومرتب، تاركة ثقوب الدخول في الأعلى. وقد تم العثور على خندقين آخرين، ومن تقييم جدرانهما تمكن المنقبون من الإشارة إلى انهما يعودان إلى اثنين من المباني الكبيرة التي ظهرت بعد ذلك بوضوح نتيجة عمليات المسح المغناطيسية.

خريطة المدينة

لقد تم استكشاف المدينة وتسجيلها خلال خريف عام 2017 كما تم رسم خرائط تقريبية للكشف عن حوالي 50 هكتارا من آثار مدينة خاراكس. وتشمل المعالم البارزة التي تم اكتشافها مناطق سكنية واسعة على طراز توزيع شبكي للمنازل، وسلسلة من الأفران وبقايا لقصر أرسايد (الفرثي) تغطي حوالي 10 آلاف متر مربع، أما الفخار الذي وجد في المجسات التنقيبية فيشير إلى أن الآثار التي تم العثور عليها تعود في الغالب إلى حقبة محصورة بين القرن الأول قبل الميلاد والرابع الميلادي.

وفي سياق الاستكشاف السطحي، تم جمع ما يقرب من 200 قطعة نقدية، وقد تم تحديدها حتى الآن واكتشف انها تغطي القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الرابع الميلادي، أي فترة الارساشيد والنصف الأول من الحكم الساساني اللاحق.

وتنتمي أغلبية العملات المعدنية لحقبة ملوك مملكة ميسان التي وجدت في جنوب العراق، الذين كانوا يقيمون في عاصمتهم خاراكس، ولكن تم العثور كذلك على عملات قديمة يرجح انها جاءت من أماكن متعددة وتجمعت في مدينة خاراكس لأنها كانت مركزاً تجارياً وميناء.

كما يتم العمل في خمسة مواقع إضافية ويتم العمل على رسم خرائطها، إذ استطاع باحثون عراقيون مشاركون في مشروع التنقيب استخدام مهاراتهم التي طوروها في عمليات التنقيب السابقة، وأكملوا استطلاعًا عن طريق طائرة الدرون المسيرة لنموذج الارتفاع الرقمي ونفذوا مسحا تجريبيًا عن طريق جهاز المسح الكراديوميتر لاختبار فعاليته في الموقع. والنتيجة المتوقعة أننا إزاء الكشف عن مدينة الإسكندر المقدوني جنوب العراق.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق