العراق اليوم

أميركا لم تكن امبراطورية عالمية ولا تسعى لذلك

أميركا كانت الحل في العالم حتى الخمسينات من القرن الماضي. اما اليوم فأصبحت أميركا المشكلة. الأمبراطورية البريطانية لم تكن سلطة قاهرة ومتجبرة الا انها نجحت بالسيطرة على نصف العالم باعداد 10 آلاف نخبة عالية استاطعوا ان يديروا مستعمرات كبيرة مثل الهند ، بينما الأميركان لا يستطيعون عمل هذا الدور قد يكون السبب هو عدم معرفته الجيدة بشعوب وطبائع المجتمعات مثل الانكليز وهذا صحيح ولكنه ليس السبب الرئيسي، بل هناك شيء آخر هو أن المجتمع الأميركي غير قادر على بناء امبراطورية مثل الانكليز . مثال على ذلك فضيحة التعذيب وسوء معاملة السجناء في سجن أبو غريب في أوائل 2004وعند التحقيق اجاب أحد الأميركان انهم تفاحة فاسدة. ما حدث في سجن ابو غريب من الفضائح عندما كان  العراق تحت الاحتلال والحماية الأميركية وهذه الفضائح هزت الضمير العالمي ولكنها لم تعمل هزة في ضمير الشعب الأميركي رغم فتح واستمرار التحقيق وعلم الوزير دونالد رامسفلد بهذه الفضائح مسبقا.
قبل الحرب العالمية الثانية كانت أميركا مترددة في الدخول في الحرب الكونية ولم ترغب الخروج خارج حدودها بل حتى كان لها القدرة بضم المكسيك وكندا اليها الا انها لا ترغب بالتوسع بل حتى 1933 كانت كوبا محمية تابعة الى أميركا وسياستها الخارجية تخطط في أميركا الا ان مجيء روزفلت الغى الحماية ولا يرغب ان تخرج اميركا خارج حدودها. بعد الحرب العالمية الثانية كان لأميركا قواعد في المانيا واليابان وفرنسا والفليبين واجزاء أخرى الا ان بمجرد ما طلبت هذه الدول رحيل هذه القواعد من أراضيها، تركت أميركا القواعد بدون مقاومة. اما دعوة أميركا بالشرق الأوسط الكبير ما هو الا للاستهلاك الداخلي ، بينما هناك رجال يعملون جيدا للبقاء في العراق أو يكون لهم نفوذ دائم في العراق ومنهم ايران. ايران كانت ترغب بقاء الأميركان في العراق من جانب لأنهم يوفرون الحماية للدولة العراقية والتي يحكمها الأكثرية الشيعية، ومن جانب آخر ايران عندما حلت جيشها ذات المهنية العالية وحلت محلهم الحرس الثوري عديم الخبرة والتسليح غير المتطور، ارادت ايران أن يشرف الأميركان على اعادة الجيش العراقي وتسليحه وتدريبه حتى يتسنى لها نقل هذه الخبرة العالية الى الحرس الثوري.
أميركا احتلت العراق وافغانستان لأن القاعدة لابن لادن وصدام حسين هللوا وفرحوا بحادثة 11 سبتمبر 2001 فأرادت أميركا الانتقام منهم وجعلهم درس للآخرين. هذه اللعبة فهمها العقيد القذافي حيث عوض ضحايا انفجار الطائرة لوكربي وخاصة الأميركان الا انه لم يعوض كما يلزم الضحايا الفرنسيين، كذلك فك البرنامج النووي وانهاه كليا حتى يتجنب ردة الأميركان. أما الايرانيون فاشعلوا شموع الحزن وصلوا على ارواح الضحايا، واما الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تبرع بدمه لأجل الجرحى. أميركا لا تنوي بناء العراق كما بنت المانيا وايطاليا واوربا واليابان في مشروع مارشال لبناء مشروع عالمي أميركي بل حتى انها اهملت وتركت رجالها مثل أحمد الجلبي والتي داهمت بيت الجلبي وصادرت الوثائق الخاصة بالجلبي. ممكن القول، في العراق اليوم لا يوجد رجل لأمريكا، لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الوزراء ولا رئيس البرلمان. 
الأميركان خرجوا من العراق وذهبوا الى بيوتهم وأصبح العراق صفحة ماضية من التاريخ ونهاية الحلقة التي بدأت من وصول هتلر للحكم واحتلال اليابان لجزء من الصين وختمت باحتلال العراق. اميركا لا تخرج مستقبلا خارج حدودها وليس لديها الاستعداد البقاء خارج حدودها. بعد اكمال الحلقة هل سيبدأ العالم الجديد؟.
من هذا السرد ممكن ان نستنتج بأن أميركا انسحبت من العالم والمفروض كل دولة تحمي نفسها ولم تعد أميركا ضامن للسلم العالمي؟.  نعم، أوربا فهمت الرسالة من قبل واعدت لبناء أمة بدلا من وطن وما الاتحاد الأوربي الا قوة أقتصادية عالمية والآن ومنذ مدة تبني أوربا قوتها الأمنية والسياسية.
في العراق الانسحاب الأميركي الذي تم في 2011 أملته ايران. ولولا ايران لأصبح الشيعة شيع واحزاب تتقاتل على المنافع وبما انهم الأكثرية فسوف تضع العراق على حافة الانهيار ليس اقلا من الصومال. ايران في العراق ليست الحل ولا المشكلة. يتطلب من النخب العراقية ان تمليء الفراغ الذي يولده الانسحاب الايراني التدريجي من العراق. ايران في موقف ضعيف لا تستطيع ضمان السلام في العراق لانها اليوم في موقف هي تحتاج الى ضامن. السؤال الذي ممكن ان يطرح وهو: اذا أميركا انسحبت وايران شبه منسحبة من العراق والنخب المهنية لبناء وقيادة وصيانة الدولة غير مؤهلين في الوقت الحاضر، اذن ممكن ان تحدث هزة قوية سواء في العراق او في المنطقة؟.
الجواب، لا اعتقد ان يحصل هذا لا في العراق ولا في المنطقة العربية الا انها ممكن ان تحصل في باكستان. الدلائل تشير على ذلك. باكستان من اكثر الدول المتطور تكنولوجيا وخاصة في الفيزياء وحصول احد علماءها على جائزة نوبل في الفيزياء محمد عبد السلام في 1979 هو دليل على ذلك. كذلك كل مهندسي الطائرات في السعودية هم باكستانيون. وما انتاج القنبلة النووية في باكستان والتي مولت 90 بالمائة بأموال سعودية  وممكن القول اليوم انها قنبلة سعودية مودعة في باكستان.
سؤال ممكن ان يطرح وهو، تركيا لها خبرة طويلة مع دول الشرق الأوسط لعدة قرون طويلة وهي دولة جارة وسنية المذهب الذي يمثل 90 بالمائة من الشرق الأوسط، اذن لماذا لا تستطيع تركيا سد الفراغ بدل الأميركان والايرانيين؟ 
الجواب هو أولا، أوربا والغرب و اسرائيل لم تسمحوا لتركيا أن تكون لها سياسة عربية. ولو اليمين المتطرف التركي كرها بالغرب يفضل بناء وتقوية سياسة عربية الا ان الجيش لا يسمح بذلك. واذا تركيا أصرت على ذلك سوف يبنى حزام كردي من تحتها يمتد من اربيل الى سوريا البحر الأبيض المتوسط وهذا الحزام يعزل تركيا من العراق وسوريا اي لا يوجد لها منفذ نحو العالم العربي. تركيا تدرك هذا الأمر لذلك انشغلت من زمن اتاتورك وليومنا هذا بنفسها ولم تعد مرجعية للعالم السني العربي.
عدم وجود امبراطورية عالمية كبيرة  تجعل العالم في حالة تفتت للكتل الكبيرة المتحدة.
سابقا تعودنا أن نرى أميركا واحدة،بريطانيا واحدة والمانيا واحدة، روسيا واحدة وايران واحدة. اما اليوم نرى كل دولة أصبحت اثنين بدل واحدة. 
أميركا ترامب واميركا الجنرالات الحربية. بريطانيا بركسيت ضد أوربا وبريطانيا ضد بريكسيت أي مع أوربا. فرنسا الستر الصفراء ضد الرئيس ماكرون وفرنسا مع ماكرون. روسيا بوتين وروسيا ضد بوتين. ايران المرشد علي خامنئي وايران الاصلاح روحاني.
سوف اشرح مثالين لتوضيح هذه الفكرة. أميركا تمثل العالم الغربي، وايران تمثل الدول النامية.
أميركا:عندما حصلت هزة أرضية في المكسيك وبينما الرئيس ترامب يسجل تعازيه للشعب والحكومة المكسيكية، ذهب وفد يمثل جنرالات الجيش الأميركي الى المكسيك لمقابلة جنرالات المكسيك لتقديم التعازي لهم. الجيش الأميركي في البداية ساند الرئيس ترامب واعتقد الجيش بانه ممكن ان يحدث كما حدث مع الرئيس ريغان حيث ساندوه وبعدها الجيش طبق مايريده من الحوار مع السوفيت وبالتالي انهاء المعسكر الشيوعي. الا انه لم يحصل مع ترامب مثلما حدث مع ريغان ونظرة ريغان وضعت جانبا. لاسقاط ترامب يجب الحصول على تصويت في الكونغريس. لحصول التصويت يجب ان تكون هناك فضيحة مثلما حدث مع الرئيس السابق نيكسون . اعلن الجنارالات بأن نجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة حصل نتيجة مساندة روسيا بوتين لترامب ضد هيلاري كلينتن. هناك شاهد على اللقاء الذي تم بين المحامية للرئيس بوتين مع أولاد ترامب ونقلت لهم رغبة بوتين باسقاط هيلاري كلينتن. هذه الفضيحة لم تسقط ترامب في الكونغرس مثلما حصل للفضيحة الجنسية للرئيس السابق كلينتن وعاد مرة أخرى للحكم. حاول ترامب ارضاء الرأي العام على المستوى المحلي فنقل سفارته من تل أبيب الى القدس. اشتد غضب الجنرالات الا ان الرئيس ترامب عمل لعبة دبلوماسية عالمية بالحوار مع كوريا الشمالية.  وجد الجيش ان ترامب لا يتنازل. اليوم لا ترامب يريد أن يصطدم مع الجيش ولا الجيش يريد أن يصطدم مع ترامب.
رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا بعد ما وجدت انقسام أميركا الى اثنين، حاولت التقرب الى روسيا.كذلك في بريطانيا هناك خط ضد التقرب مع روسيا. وقبل 15 يوم من اعلان فضيحة تدخل بوتين في انتخاب ترامب، اعلن احد كبار السياسيين البريطانيين في باريس بقوله الخطر الاساسي الذي يهدد العالم اليوم هو في شرق اوربا في اوستانيا وبولندا. هذا الخط البريطاني الذي ضد التقريب مع روسيا اعلن فضيحة قتل احد المعارضين لبوتين في لندن بسلاح يستخدمه ال ك. ج. ب. الروسي فقط. اي بأمر من بوتين. واتضح بأن بوتين لا يعلم بالخبر وهذا دليل على انقسام روسيا الى قسمين، حيث شمل هذا الانقسام ال ك ج  ب.
ايران كذلك اثنين.احدهما يمثل الخط المتشدد وله انصاره، والآخر يمثل خط الاصلاح ولهم كذلك انصار. لا خط المتشددين يريد انهاء الاصلاحيين، ولا الاصلاحيون يريدون انهاء المتشددين. قوتين كل منهما يسير بالطريق الذي تراه صائبا.
العالم الغربي ومن ضمنها أميركا يروا مايحصل في العالم اليوم ويمثلوه بامبراطورية كبيرة وأمامها خمس ملوك متمردين عليها وهم:
أوردغان تركيا، يهدد العالم الغربي بفتح الحدود وتدفق 4 ملايين سوري لاجيء الى أوربا ومنه يقلب الموازين في الأمن الأوربي.
ايران السيد علي خامنئي يهدد العالم الغربي بانتاج القنبلة النووية.
بوتين روسيا يهدد الغرب بتشجيع اليمين واليسار المتطرف أخذ السلطة في دول أوربا.
الصين تهدد العالم الغربي بعدم تصدير المعدن النادر لصنع التكنولوجيا الحديثة من الكومبيوتر والتلفونات وغيرها.
السعودية تهدد العالم الغربي بانتاج داعش جديد.
ترامب وفريقه يريد ان يحل هذه الممالك بطريقته الخاصة. اما الجنرالات الأميركية التي لديها خبرة ومهنية عالية تريد ان تحلها بطريقتها الخاصة.
 قضية ترامب هي اساس هذا التقسيم  لأن أميركا لم تحسم أمر الرئيس ترامب.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق