العراق اليوم

“الاتجار بالبشر” في العراق.. إجرام عابر للحدود تدعمه جهات نافذة

هذا البلد يعاني باطراد، منذ سقوط نظام الحكم السابق في 2003، مشاكل عديدة؛ جعلته يقف بين صدارة البلدان التي تعيش شعوبها حياة سيئة؛ بحسب تقارير عالمية متخصصة.

من بين أبرز المشاكل التي تزداد سعتها في العراق، ظهور شبكات تمتهن استغلال الأطفال في التسول، وتجارة الأعضاء البشرية، واستدراج النساء للعمل ضمن شبكات الدعارة.

المرصد العراقي لضحايا الاتجار بالبشر، وهو مرصد حقوقي مستقل، قال بتقرير له صدر في 28 يوليو الماضي، إنه وثَّق في الفترة المحصورة بين (1 فبراير 2019–1 يوليو 2019)، وجود 27 شبكة اتجار بالبشر و6 انتهاكات تتعلق بالاتجار أيضاً في بغداد ومحافظات عراقية أخرى.

وأوضح التقرير أنه بحسب المعلومات التي حصل عليها المرصد عبر موثِّقيه المنتشرين في مختلف المحافظات العراقية، فإن معظم شبكات الاتجار بالأعضاء البشرية تتخذ من إقليم كردستان ملاذاً آمناً في ممارسة جرائمها؛ من خلال استدراج الضحايا وسرقة أعضائهم.

وقال إن سبع شبكات تتخذ من محافظة السليمانية (شمالي البلاد) مقراً لها، وتستدرج الضحايا بواسطة سماسرة ينتشرون في محافظات عراقية مختلفة ويديرون حسابات وصفحات وهمية على موقع فيسبوك.
وأضاف أن تسع شبكات أخرى مرتبطة بعضها ببعض، تعمل على استدراج المراهقين والمشردين داخل محافظات أربيل ودهوك وكركوك (شمال)، لكي تنتزع منهم الأعضاء البشرية المطلوبة، وتبيع الأعضاء بمبالغ طائلة.

المرصد أشار في تقريره إلى أنه وثق خمس شبكات جريمة منظَّمة تمتهن الاتجار بالنساء، لا سيما الفتيات القاصرات في بغداد وإرغامهن على ممارسة البغاء.

وبحسب التقرير، تعمل تلك الشبكات على استخدام أنماط حديثة على شبكة الإنترنت للإيقاع بالفتيات، من خلال الاتصال بهن وتقديم وعود وهمية لهن بالزواج، بهدف توريطهن في سلوكيات جنسية.

المرصد أظهر أنه وثَّق ثلاث شبكات تدير مجموعات من الأطفال والنساء، وتستخدمهم للتسول في أزقة محافظة كركوك وشوارعها، بالإضافة إلى شبكتين أخريَين تعملان في المجال ذاته، إحداهما بمحافظة الديوانية (جنوب)، والأخرى في بابل (وسط).

تورط جهات سياسية نافذة
ضابط كبير عمل في وزارة الداخلية العراقية على مدار ثلاثين عاماً، كشف أن سر انتشار شبكات الاتجار بالبشر يكمن في حماية أحزاب سياسية نافذة لها، وتحقيق فوائد مادية من وراء هذا الأمر.

الضابط الذي عمل مديراً لإحدى مديريات مكافحة الإجرام في العاصمة العراقية قال لـ”الخليج أونلاين”، طالباً عدم الكشف عن هويته: إن “المشكلة بدأت عام 2005، عندما تمكن جيش المهدي من إحكام السيطرة على بغداد، وأغلق أتباعه الملاهي والبارات وبيوت الدعارة، وتم تحويل العاصمة إلى صورة تقترب من صورة المدن التي أحكم داعش سيطرته عليها”.

وجيش المهدي يُعتبر أول مليشيا ظهرت بالعراق عقب غزوه في 2003، وأسسه الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.

وأضاف المسؤول الأمني السابق: إن “الملاهي والنوادي الليلية التي كانت تعمل في ظل القانون وبشكل منظم وتحت أعين الدولة، اضطرت إلى البحث عن سبل للقيام بأنشطتها والعودة إلى سوق العمل”.

وأوضح أنها “لم تجد من سبيل إلى ذلك سوى الحصول على حماية مليشيا موازية لجيش المهدي، وفي ظل الفساد الذي ضرب البلد طولاً وعرضاً، لم تجد صعوبة في العثور على مبتغاها”.

وأكد المصدر في حديثه لـ”الخليج أونلاين”، أن مليشيا معروفة بسطوتها في البلاد وتتبع حزباً دينياً واسع النفوذ، هي التي توفر الحماية للنوادي والملاهي الليلية منذ سنوات.

المسؤول الأمني ذكر أنه أُحيل إلى التقاعد رغم عدم بلوغه السن القانونية، وتهديده بأن تلفَّق له تهمة المشاركة في الإرهاب، بسبب سعيه إلى أن يوصل معلومات حول ارتباط تلك المليشيات بتلك الأماكن، واستغلالها في تجارة البشر.

وتابع يقول: إن “المليشيا التي وفَّرت الحماية للملاهي والنوادي وتجار الخمور، اكتشفت أنها وقعت على مصدر استثماري يدرُّ أموالاً أكثر من تلك التي تدرها آبار النفط التي تسيطر عليها الأحزاب؛ لذلك وسعت هذه المليشيا عملها في الأعوام التالية من الحماية إلى المشاركة المباشرة في هذه الصناعة”.

وأشار إلى أن “شبكة الأعمال الإجرامية هذه بدأت بالتوسع خارج العاصمة بعد عام 2011، وشهدت المحافظات العراقية عملاً منظماً على غرار ما جرى في بغداد”.

واشنطن توثق وساسة يفضحون
كانت الولايات المتحدة الأمريكية وما تزال لاعباً بارزاً في الساحة العراقية، وهي على دراية تامة بما يجري في ملف الاتجار بالبشر، بحسب المصدر.

ولفت الضابط السابق الذي كان يدير إحدى مديريات مكافحة الإجرام في العاصمة العراقية، النظر إلى أن “قوات الاحتلال الأمريكي كانت على دراية واسعة بعمل الشبكات الإجرامية، والحزب السياسي الذي يحميها”.

وأضاف لـ”الخليج أونلاين”: “لذلك طالب تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية بمحاسبة ومحاكمة عدد من المسؤولين العراقيين المتورطين في الاتجار بالبشر، بعد أن وضع العراق في المستوى الثاني للمراقبة”.

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت تقريراً بشأن الاتجار بالبشر، في يوليو 2018، قالت فيه: إن “العراق لا يلتزم بالحد الأدنى من معايير مكافحة الاتجار بالشر”.

وأوضحت أنها “قامت بمساعٍ مهمة لمحاكمة ومعاقبة عدد من المسؤولين المتورطين في الاتجار بالبشر”.

وبحسب التقرير فإن “العراق ما زال في المستوى الثاني للمراقبة للسنة الثانية على التوالي، على الرغم من أن الحكومة العراقية حددت ضحايا الاتجار بالبشر، لكن هناك قصوراً في الإجراءات الحكومية بهذا المجال”.

في السياق ذاته يمكن الإشارة إلى الأزمة التي أثارها نواب عراقيون العام الماضي، عارضوا قرار منع بيع واستيراد الخمور، الذي أصدره مجلس النواب في أكتوبر 2016، حيث كشفوا في مؤتمر صحفي أن القرار تقف وراءه أحزاب شيعية ترعى عدداً من الملاهي الليلية.

وقال النائب فائق الشيخ علي، في المؤتمر: إن “أحزاباً شيعية تقوم بحماية الملاهي والبارات وصالات لعب القمار مقابل مبالغ من المال”.

ولفت الشيخ علي الانتباه إلى أن “سبب حظر بيع الخمور يأتي لأن الخشخاش يزرع بالعراق وتحديداً في المحافظات الجنوبية، التي يتم استيرادها من إيران، وأن عمليات زرع نبتة الخشخاش المخدرة في مناطق الجنوب يعد أحد أسباب منع الخمور”.

إجرام عابر للحدود
النقيب آزاد جندياني، الذي يعمل في إعلام وزارة البيشمركة، في إقليم كردستان العراق، نفى بشدة صحة ما ورد في تقرير “المرصد العراقي”، الذي ذكر فيه أن معظم شبكات الاتجار بالبشر الـ27 التي وثقها تتخذ من الإقليم ملاذاً آمناً لها.

وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية في الإقليم نبهت الحكومة المركزية في مخاطبات رسمية إلى وجود هذه الشبكات في بغداد؛ وأنها لا تقتصر في فعلها الإجرامي على العراق بل تتعداه إلى التعاون مع شبكات في المحيط الإقليمي.

وقال جندياني في حديثه لـ”الخليج أونلاين”: إن “استتباب الأمن من أهم العناصر التي تميز الحياة في إقليم كردستان، وهذا الأمر شكل عنصر جذبٍ للأخوة من كافة أنحاء العراق؛ لذلك نجد رجال الأعمال والأطباء والوزراء والبرلمانيين السابقين وغيرهم، يتخذون من أربيل والسليمانية ودهوك ملاذاً آمناً لهم ولعوائلهم”.

واستدرك بالقول: إن “الإجراءات الأمنية الشديدة حصنت الإقليم من كل أشكال الإجرام والإرهاب، وقد شهد العالم كله كيف كشفت أجهزة الأمن ملابسات اغتيال القنصلي التركي الشهر الماضي، وخلال أسبوع واحد تم القبض على الجناة”.

جندياني أشار إلى أن “مثل هذه الشبكات لن تكون قادرة على ممارسة أعمالها في حدود الإقليم؛ لأنهم ببساطة يعلمون تماماً قدرات الأجهزة الأمنية”، مبيناً أن “ذلك لا يعني أن مثل هذا النوع من الجرائم غير موجود، لكن ليس بهذه الضخامة التي صورها التقرير”.

وأكد أن “الاتجار بالأعضاء البشرية هو من أكثر الأمور التي ترصدها سلطات الإقليم؛ بسبب وجود عدد كبير من المشافي والمراكز الصحية المتطورة التي يقصدها مواطنون من كل أنحاء العراق؛ لذلك سعينا لوضع ضوابط صارمة في إجراءات التبرع بالأعضاء البشرية، لا سيما الكلى التي تعد من أكثر الأعضاء طلباً في عموم العراق”.

وختم جندياني حديثه بتأكيد أن شبكات الاتجار بالأعضاء البشرية هي الأكثر توسعاً في عملها الإجرامي بالعراق.

وقال بهذا الخصوص: إن “أعمال هذه الشبكات تجاوزت العراق، ووصلت إلى دول الجوار، حيث بدأ السماسرة يغطون الطلب في إيران وتركيا”، مستطرداً أن “هناك تعاوناً وثيقاً بين شبكات عراقية وأردنية لتغطية الطلب في “إسرائيل”؛ حيث يتم ذلك عبر إجراءات معقدة على جانبي الحدود، وبكلف كبيرة لا يصل منها للمتبرع سوى القليل”.

البضاعة الناعمة
وكان “الخليج أونلاين” كشف في تقرير نشر في 14 يناير 2018، أن قطاعاً من العراقيين يضطرون إلى بيع أعضائهم البشرية لشبكات الاتجار بالأعضاء بسبب الفقر والعوز.

ومن خلال مقابلات مع مواطنين، ومصادر طبية وأمنية، تبين أن “الكلى” تباع عن طريق الأطباء والسماسرة الذين يتعهدون للمرضى المصابين بالفشل بإحضار من يرغبون في بيع كلاهم، وأن هذه العملية أصبحت تجارة مربحة لسماسرة بيع الأعضاء البشرية داخل بعض المستشفيات.

من الجدير ذكره أن اتساع ظاهر الاتجار بالبشر في العراق بعد عام 2003 دفع مجلس النواب العراقي إلى تشريع قانون مكافحة الاتّجار بالبشر رقم 28 لعام 2012.

وبحسب القانون، فإن الاتجار بالبشر هو كل عمل يقصد به تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بوساطة التهديد بالقوة، أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة أو ولاية على شخص آخر؛ بهدف بيعهم أو استغلالهم في أعمال الدعارة أو الاستغلال الجنسي أو السخرة أو العمل القسري أو الاسترقاق أو التسول أو المتاجرة بأعضائهم البشرية، أو لأغراض التجارب الطبية.

وعلى الرغم من إقرار هذا القانون ووضع آليات مراقبة ومحاسبة له، فإن الواقع يشير إلى استمرار انتشار وازدهار هذه التجارة، التي تسمى بـ”البضاعة الناعمة” في العراق.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من عراقنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق