العراق اليوم

تدويل مياه البصرة… الواقع مزرٍ والاحتجاجات متوقعة بغداد ــ كرم سعدي

في 25 يوليو/ تموز الماضي حلّت الذكرى الثالثة لانطلاق أولى التظاهرات المطالبة بتوفير مياه الشرب والكهرباء في محافظة البصرة المطلة على الخليج العربي، في جنوب العراق، والمتربعة على خزان هائل من النفط والغاز، فإنّ أيّاً من المطالب لم تحققه الحكومة حتى الآن، وإن كانت قد قطعت وعوداً كثيرة سواء حكومة حيدر العبادي السابقة، أو حكومة عادل عبد المهدي الحالية. المياه ما زالت غائبة، أو شحيحة حين تصل وتكون غير نظيفة إذ فيها نسبة غير صحية من الأملاح والشوائب، فيما السكان يتصدرون مدن العراق في نسب أمراض السرطان والكلى، وهو ما يدفعهم إلى شراء المياه المعبأة للشرب والطبخ، فيما يستخدم الميسورون المياه المعبأة للاستحمام حتى. وشهد وسم “مياه نظيفة للبصرة” الذي دعا إليه الفنان العراقي البصري الساخر أحمد وحيد، تفاعلاً واسعاً في العراق، في توجه شعبي واضح للفت أنظار الحكومة إلى مأساة كبيرة تنتظر محافظة البصرة، إذ تهدد الأنهار الملوثة، سكانها بعواقب خطيرة.

مستقبل خطير
ذلك التهديد أكدته منظمة “هيومن رايتس ووتش” التي أصدرت تقريراً موسعاً مدعماً بالصور الملتقطة من الأقمار الصناعية والتي تشير إلى أنّ مستقبلاً خطيراً يتهدد محافظة البصرة وسكانها، فبالإضافة إلى ما تعانيه من تلوث فهي مهددة بالجفاف. ولم يستغرب العراقيون المعلومات التي أوردتها المنظمة الدولية، إذ إنّهم مستمرون منذ أعوام بالخروج في تظاهرات يطالبون فيها الجهات الحكومية بتوفير الخدمات وأهمها تحسين واقع المياه، ويعلمون حقيقة ما يجري لا سيما أنّ تقارير محلية ودولية سابقة نبهت إلى أنّ كارثة تهددهم بسببها، فضلاً عن معايشتهم الواقع وتعرض الكثيرين من بينهم لأمراض ناجمة عن تلوث المياه. لكنّهم رأوا في هذا التقرير جرس إنذار يمكن أن يضغط على الجهات الرسمية لتتحمل مسؤوليتها، ومؤشراً على تدويل معاناة سكان البصرة. هذا الأمر بدا واضحاً أيضاً من خلال مقطع الفيديو الذي ظهر فيه وحيد، كونه من الفنانين الذين حصدوا إعجاباً واسعاً من قبل العراقيين بسبب مشاهده المسرحية السياسية والاجتماعية الساخرة، إذ دعا العراقيين لنشر صورهم على وسائل التواصل الاجتماعي وهم يحملون كوب ماء، تضامناً مع أهالي البصرة مع استخدام الوسم المذكور.
علق إياد الراوي باختصار على وسم “مياه نظيفة للبصرة”: “المرض الذي لا طبّ له منذ سنوات طويلة” في تعبير عن اليأس من حصول تغيير في واقع البصرة وحصول سكانها على مياه نظيفة. في المقابل، أعرب عمر حميد شكر، عن استغرابه من أن تعيش مدينة توصف بأنها من أغنى مدن العالم بالثروات النفطية، في ظروف بائسة، قائلاً: “مَن يصدق أنّ مدينة النفط ورئة العراق الاقتصادية (في إشارة إلى البصرة) فشلت الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 حتى الآن في توفير مياه نظيفة لها؟ ولا يمكن تفسير هذا الأمر إلا أنّه أمر متعمد وفساد مستشرٍ”. أما شاهو القره داغي، وهو كاتب من إقليم كردستان العراق، فقال في تغريدته: “118 ألف مريض في البصرة الصيف الماضي، بسبب فشل حكومة العراق في تأمين المياه النظيفة لسكان المدينة. لدى العراقيين كلّ الحق بالمطالبة بمياه نظيفة للبصرة”.

“عطشانة”
وكانت “هيومن رايتس ووتش” قالت في تقريرها إنّ السلطات العراقية لم تضمن على مدى نحو 30 عاماً حصول سكان البصرة على كفايتهم من مياه الشرب المأمونة. وذكّرت المنظمة بما حصل العام الماضي حين خرج أهالي البصرة في تظاهرات عارمة، وحصلت حينها اعتداءات على مقرات حزبية وحكومية، وسقط قتلى وجرحى بسبب تعامل القوات الأمنية مع المتظاهرين بعنف، مشيرة إلى أنّ هذه الأزمة وصلت إلى ذروتها في عام 2018 عندما تسببت بدخول 118 ألف شخص على الأقل إلى المستشفيات. وأشار التقرير الذي حمل عنوان “البصرة عطشانة: تقاعس العراق عن مُعالجة أزمة المياه” إلى أنّ الأزمة هي نتيجة لعوامل معقدة والتي إذا تُركت من دون معالجة ستؤدي على الأرجح إلى تفشي الأمراض المنقولة بالمياه في المستقبل واستمرار المصاعب الاقتصادية، لافتة إلى أنّ “السلطات لم تقم على المستويين المحلي والاتحادي بما يكفي لمعالجة الظروف الكامنة التي تسببت في هذا الوضع”.

وذكر تقرير المنظمة أنّ تفاقم أزمة البصرة ناتج من انخفاض معدلات تدفق المياه العذبة في الأنهار والذي يُعزى إلى بناء سدود في المنبع متصلة بمزارع السكر وغيرها من المشاريع الزراعية، خصوصاً في تركيا وإيران، وانخفاض معدلات هطول الأمطار في العقود الأخيرة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة بسبب تغيّر المناخ، ومن المتوقع أن تزداد ندرة المياه في المنطقة. مع ذلك، لا توجد سياسات كافية لتقليل الآثار الضارة، مشيرة إلى أنّ تفاقم هذا الخطر جاء بسبب الاستخدام غير المستدام للمياه في الزراعة وللأغراض المنزلية. وأدى نقص المياه الكافية إلى تسرّب مياه البحر إلى شط العرب، مما جعل المياه غير مناسبة للاستهلاك البشري وري العديد من المحاصيل.

واتهمت “هيومن رايتس ووتش” الحكومة العراقية بأنّها تغض الطرف عن الأنشطة التي تلوّث موارد البصرة المائية. وقالت إنّها عبر مراجعة صور الأقمار الصناعية اكتشفت تسرّبين نفطيين محتملين في شط العرب في وسط البصرة خلال 2018، بالإضافة إلى خطي أنابيب تحت الأرض يُطلقان دورياً ما تبدو أنّها كميات كبيرة من المخلّفات في المياه. فضلاً عن ذلك، قالت المنظمة إنّها عثرت على أدلة على تكاثر كبير محتمل للطحالب في شط العرب أثناء تفشي الأمراض، وأكدت أنّ وجود النفايات في المياه وارتفاع درجات الحرارة المرتبطة بتغيّر المناخ، ساهما في هذا الوضع، لكن يبدو أنّ الحكومة لم تنظر في ذلك.

الاحتجاجات آتية
يؤكد مواطنون من البصرة أنّ الوضع في مدينتهم لا يمكن السكوت عنه، وبحسب ما أورده بعضهم فإنّ الغضب الشعبي سيظهر خلال الأيام المقبلة. حسين الزهيري، وهو اسم مستعار لناشط مدني وعضو في تنسيقية تظاهرات البصرة، أخفى اسمه الصريح للحفاظ على حياته بحسب قوله، يؤكد لـ”العربي الجديد” أنّ “أحداثاً ستشهدها البصرة قريباً ستكون عبرة لجميع الفاسدين”. ويستطرد الزهيري: “فساد الأحزاب التي تهيمن على مؤسسات الدولة هو الذي أوصل حال البصرة إلى ما هي عليه اليوم”، مشيراً إلى أنّ تقرير “هيومن رايتس ووتش” الأخير “لم يأتِ بجديد، بل نحن سكان البصرة نعلم بحصول كوارث عديدة أخرى اجتماعية واقتصادية لم يتطرق إليها التقرير، علماً أنّ سببها تلوث المدينة”. الزهيري يؤكد أنّ “هناك تحركاً شعبياً كبيراً سوف تشهده البصرة. هذه المرة لن نتوقف ولن نمتثل لخطابات رجال الدين وزعماء العشائر مثل كلّ مرة، إذ يعدوننا بحلّ ولا نرى أيّ تغيير”. ويتوقع المواطن العراقي نفسه أن تكون الاحتجاجات المقبلة عارمة، وأن “نواجَه من قبل القوات الأمنية والمليشيات، لكنّنا هذه المرة عازمون على عدم التوقف. لن يكون هناك خيار: فإما سكان البصرة أو الأحزاب المسيطرة عليها. نتوقع أن يواجهونا بالرصاص وقد يقتل منا كثيرون لكنّ هذا لن يوقفنا”. يضيف الزهيري: “الأحزاب تعلم جيداً أنّنا سنخرج في تظاهرات من الصعب مواجهتها، لذلك هناك متابعة للناشطين في المحافظة. أؤكد أنّ الأيام المقبلة ستشهد حراكاً شعبياً غير مسبوق في البصرة”.

من جانبه، يقول علي عبد الله، وهو صحافي من مدينة البصرة، إنّه مطلع على واقع محطات تحلية وتصفية المياه، ويؤكد أنّ “فساداً كبيراً” يقف وراء هذه القضية، ويتهم بعض الأحزاب بالوقوف خلفه. ويوضح عبد الله لـ”العربي الجديد” أنّ “عمليات الفساد هذه يعلمها أهالي البصرة، فلم يعد هناك ما يستطيع أن يخفيه السياسيون الذين يتحاصصون الحكم في المحافظة”. ويضيف أن “خراب البصرة والأمراض والمآسي التي تصيب سكانها هي التي تؤمّن المال الوفير للسياسيين، ولأجل هذا يتقاتلون للبقاء في مناصبهم”. ويعلق على تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” بالقول إنه يمثل “جرس إنذار حقيقياً للحكومة. هذا التقرير سيساهم في تدويل قضية البصرة، وهو ما يسعى إليه ناشطون ومثقفون ليس من سكان البصرة فقط بل من مختلف مدن العراق”.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من عراقنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق