العراق اليوم

رحم الله زمن عبود

بقلم:احمد الجنديل
لا أحد في المدينة لم يتشرف بمعرفة عبود أبو الكبّة فمنذ صغره وهو مشروع للتعارف والمجاملة، يبتسم بوجه الصغير والكبير، حلو اللسان والوجه، دمه خفيف وقلبه ابيض، يملك شاربيْن يقف الصقر عليهما براحته، يجيد اعداد الكبّة اعداداً جيداً ويبيعها عند ركن السوق، يهرع نحوه هواة الأكل، ومع نكاته المتلاحقة مع زبائنه تكون الكبّة قد استقرت في البطون ويكون عبود قد عاد الى بيته وصعد الى برج الحمام ليغازل (الاورفلي) ويطلق صفيره الى (المكعكل والمكلش) بعدها ينطلق الى المقهى القريبة من داره، يحتسي الشاي ويتبادل الأحاديث مع رواد المقهى ويعود ليلا الى البيت.
وعبود أبو الكبّة يتفاخر دوماً بأنه من أعمدة الفكر والثقافة، ومن أجل أن يبرهن على ذلك فقد كان الجيب الأعلى لثوبه مدججا على الدوام بالأقلام ويده لا تفارق الكتاب وهيئته تشبه هيئة الجهبذ الألمعي.
في احدى امسيات المدينة الصغيرة الغافية على صدر الاهمال والفقر، وفي تلك الفترة التي كانت فيها شوارع العراق ساخنة بفعل نكسة الخامس من حزيران مررتُ بالمقهى التي يجلس فيها حامي حمى الابداع والأدب الرفيع عبود أبو الكبّة، ارتفعت يده بالإشارة لي، أسرعتُ اليه، كانت اقلامه كنياشين بطولة معلقة على صدره وقد وضع رواية (العجوز والبحر) بطريقة تثير انتباه كل من يدخل الى المقهى، التقطتُ الرواية ورحتُ أتمعن في غلافها، وصلني صوت عبود ممتلئا بالزهو قائلاً: اذا ترغب في قراءة هذه الرواية فخذها معك فقد انتهيت من التهامها هذا الصباح، انفرجت شفتاي عن ابتسامة عريضة فأوراق الرواية ملتصقة بعضها بالبعض الآخر، والرواية التي بيدي لا زالت عذراء لم يمسسها أحد، قضيتُ الليل متفاعلا مع أحداث الرواية حتى انبلاج الصبح ومع موعد ذهابي الى المدرسة كان رأسي في جيب البطل (سنتاغيو) الذي لم يمنحني فرصة الاجابة على اسئلة الرياضيات فخرجت من قاعة الامتحان خجلاً مهزوماً هارباً من نظرات زملائي ومدرسي، لعنتُ عبود أبو الكبّة وأسرعتُ عصراً الى المقهى، وجدته جالساً بهيئة الطاووس، أقلامه نظيفة عذراء لم تدخل الخدمة يوما، ورأسه لا يختلف في مضمونه وجوهره عن برج الحمام الذي بناه فوق سطح داره، ووجدتُ الى جنبه رواية (أحدب نوتردام) بأوراقها المتلاصقة بعضها مع البعض الآخر، قام فرحا وهو يقول لي: هذه الرواية انتهيت منها توا، رميتُ رواية همنغواي على الطاولة التي أمامه، ومن يومها لم أدخل المقهى ولم اتناول الكبّة ولم أقترب منه.
رحم الله ذلك الزمن، ورحم الله عبود الذي وافته المنية بعد سقوطه من سطح داره الى اسفلت الشارع وهو يطلق الصفير (للعنبري) فقد خلّف وراءه الكثير من الجهابذة والأعلام الذين لا زالوا يمسكون شعلة (المكعكل والمكلش) لكي تزدهر الثقافة ويعم الأمن والسلام ربوع الوطن المفدّى.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق