العراق اليوم

الوضع الصحي.. المشكلات والحلول الاَنية .. في تقرير هام لوزير الصحة

بمناسبة إنقضاء عام كامل على مباشرة حكومة السيد عادل عبد المهدي لمهامها نُشرت تقييمات موضوعية كثيرة، إتفقت غالبيتها العظمى وبحق على فشل الحكومة  في إنجاز أكثر من ثلثي برنامجها المُعلن..
     بشأن الفشل، سؤال يطرخ نفسه: مَن يتحمل مسؤوليته ؟
  جواباً على السؤال، نقول:إذا أعطينا كل ذي حق حقه، فلا يصح تحميل المسؤولية للجميع-رئيس الحكومة وكافة الوزراء والمستشارين وأمانة مجلس الوزراء.. رئيس الحكومة هو المسؤول الأول..أما الوزراء فيتعين ان يُحاسب كل وزير على ما حققته وزارته..
    وفي هذا الإطار،أدعوا الى التوقف عند ما أنجزه وزير الصحة  الأستاذ الدكتور علاء الدين العلوان لتنفيذ البرنامج الحكومي خلال فترة الأشهر الستة الأولى من تسلمه لمنصبه، ومراجعة ما حققه بمسؤولية وحرص وطنيين .. فالوقفة الجادة والمراجعة الموضوعية والمحايدة، ستظهر بوضوح ان الوزير لذل جهوداً كبيرة وأثمرت الكثير، بالرغم من  الصعوبات والعقبات والعراقيل الجدية التي واجهها..

لماذا الحملة على وزير الصحة ؟
الوزير الدكتور العلوان معروف محلياً ودولياً بأنه تكنوقراط كفوء ومؤهل لإدارة الصحة ومؤسساتها. وهو برأينا أكفأ وزير  من حيث المهنية والتأهيل والخبرة والتجربة،التي تميزه عن جميع وزراء الصحة العراقيين الذين سبقوه ..
    فقد تخرج العلوان في تخصص الطب،وإمتلك تدريباَ ومؤهلات الدراسات العليا في المملكة المتحدة. وبعد عودته إلى العراق ، تسلم عدة مناصب في الطب السريري، والأكاديمي، والصحة العامة. ونال الأستاذية، وأصبح عميد كلية الطب في الجامعة المستنصرية ببغداد.وعدا هذا،فهو استاذ فخري زائر في الصحة العالمية والصحة العامة بجامعة واشنطن وجامعة أكسفورد  وكلية إمبريال في لندن. وأشغل في الفترة (2003 – 2005 ) منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي..
    وعلى الصعيد الدولي، فان الأستاذ الدكتور العلوان هو خبير دولي في الصحة العامة. إلتحق في عام 1992  بمنظمة الصحة العالمية كمستشار اقليمي للامراض غير الانتقالية في المكتب الإقليمي لشرق المتوسط ، ثم شغل منصب مدير قسم تطوير النظم الصحية في الاقليم. وفي عام 1998 انتقل إلى مقر منظمة الصحة العالمية كمدير للوقاية من الأمراض غير الانتقالية ، ثم أصبح مدير ادارة الامراض غير الانتقالية. وفي عام 2001  أصبح ممثل منظمة الصحة العالمية في الأردن.وفي الفترة ( 2005 – كانون الثاني 2008) أصبح ممثلآ للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية،والمدير العام المساعد للعمل الصحي أثناء الأزمات. وبعد ذلك أشغل حتى كانون الثاني 2012  منصب المدير العام المساعد لمنظمة الصحة العالمية في جنيف. وفي الفترة ( 2012 – 2017 ) أصبح المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط..
    الملفت ان الدكتور العلوان تعرض كوزير للصحة والبيئة في حكومة السيد عبد المهدي لحملة عدائية ظالمة وضغوط سياسية كبيرة عقب إقدامه على أولى خطواته الإصلاحية الجريئة، لإعاقة إنجازه لبرنامج وأهدافه- كما صرح لوسائل الأعلام..أزاء ذلك قدم الوزير مرتين إستقالته لرئيس الحكومة، الذي رفضهما وطلب منه مواصلة مهامه.. وهو مستعد لتقديم إستقالته الثالثة- كما صرح مؤخراً- إذا إستمرت الضغوط عليه لمنعه من تحقيق الأهداف التي وضعها لإصلاح وتحسين الوضع الصحي القائم..
    ويبدو ان ما أنجزه العلوان خلال الأشهر الستة الأولى قد إستفز البعض،الذي واصل محاربته، وبلغت حد إتهامه بقضايا فساد مستشرية في وزارة الصحة، لا علاقة له بها، بل بالعكس وضع العلوان مهمة مكافحة الفساد وهدر المال العام ضمن أولويات برنامجه، وحقق أولى النجاحات..سنأتي عليها لاحقاً..
    والغريب المريب ان  بعض موجهي الإتهامات بالفساد للعلوان، ولم تمض على تسلمه لمنصبه سوى  4 أشهر تقريباً، هم من الصامتين والمتفرجين والمتسترين طيلة 15 عاماً على جرائم الفاسدين الحقيقيين المعشعشين في مؤسسات وزارة الصحة..

إنجازات أولية هامة تبشر ببصيص أمل
أول إصلاح هام قام به الوزير العلوان هو إلغاء جزء كبير من الأجور على الخدمات الصحية التي فرضت على المرضى خلال السنوات الأخيرة،وأُعتبرت عائقاً مالياً للحصول على الخدمات الصحية لنسبة كبيرة من العراقيين، وخصوصاً الطبقات الفقيرة والمهمشة، والإكتفاء بأجرة رمزية مقطوعة لمرة واحدة يدفعها المواطن عند المراجعة.
    ولعل أكبر ما أنجزه، تنفيذاً للبرنامج الحكومي،هوإعداده بجهوده وبعزمه لتقرير هام جداً،عنوانه: “الوضع الصحي في العراق.. التحديات وأولويات العمل”،أصدرته وزارته في اَيار 2019، جاء، كوثيقة رسمية، موثقاً لمجمل الوضع الصحي الحالي،غنياً بالمعلومات والأرقام والأحصائيات والأشكال التوضيحية والمصادر،شاملآ المحددات الديموغرافية والاجتماعية للصحة،والخطوط العريضة للواقع الصحي، والنظام الصحي العراقي،وأولويات العمل للفترة من تشرين الثاني 2018 الى نيسان 2019، والتوجهات الأستراتيجية لعام 2019 وما بعده.
    للاطلاع على التقرير الكامل:
upload/upfile/ar/1001.pdf
upload/upfile/ar/1023.pdf
    التقرير هو حصيلة مراجعة دقيقة، موضوعية وواقعية، للوضع الصحي الراهن وتحليله.إعتمدت (المراجعة) على دراسة المؤشرات الصحية وتقييم متخصص للبرامج الصحية الأساسية.وفي هذا السياق إتسم التقرير بالجرأة وتسمية المسميات بأسمائها ووضع النقاط على الحروف. ووفق نظرة علمية وتوجه عملي وضع التقرير خططاً لتطوير مستوى الأداء الصحي العام،وحدد أولويات العمل.
    وتنفيذاً لأولويات العمل،عرض التقرير معلومات وافية لما تم تقديمه خلال الاشهر الماضية..
    ورسم التقرير خارطة طريق نحو التغطية الصحية الشاملة، والتوجهات الأستراتيحية لإصلاح النظام الصحي والبيئي في العراق- سنأتي على تفاصيلها..

من المحددات الديموغرافية والإجتماعية للصحة
إعتبر التقرير ان بعض المؤشرات الديموغرافية، وتدهور التعليم، والفقر، والفروقات الأجتماعية، وتدني النظم الصحية، تمثل أهم الأسباب الأجتماعية المؤدية الى إعتلال الصحة.من هذا المنطلق وجوب التعرف على هذه المحددات والتصدي لها من أجل النهوض بالواقع الصحي.
    يشير التقرير الى ان سكان العراق يتضاعف كل 23-25 عاماً، حيث بلغ التعداد الكلي للسكان 38 مليوناً في عام 2018[1]،.يعيش 30 % من السكان في الأرياف، بعد ان كان عدد السكان 7 ملايين و 280 الفاً في عام 1960.ويقدر العمر المأمول عند الولادة بنحو 70 عاماً[2].
    ويؤكد ارتفاع معدل الأمية في العقود المنصرمة، حيث بلغت النسبة التخمينية للأمية في العراق 23 % في العام 2007[3][4].ويوثق التقرير ان معدل الملتحقين بالتعليم قد تناقص في المراحل التعليمية اللاحقة ليبلغ نحو 50 % من الأطفال بعمر 12- سنة،14 و 33 % فقط في المرحلة المدرسية الثانوية. ويتطرق التقرير الى عزوف الذكور عن إكمال الدراسة لأسباب تتعلق بإضطرارهم للحاق بسوق العمل.
    ويتناول التقرير أيضاً معدلات الفقر،التي طالت نسبة كبيرة من سكان العراق، إذ بلغت 19 % في عام 2012 لتتصاعد الى 22 % في العام 2014[5].وتتراوح هذه النسبة بين المحافظات، فتصل الى 40 % من السكان في بعض المحافظات المتضررة بفعل الأرهاب[6].وتشير الأستراتيجية الوطنية للحد من اَثار الفقر الى ان الكثير من الوحدات الإدارية (النواحي) في جنوب العراق(المثنى، الديوانية،وميسان) قد طالها الفقر بنسبة تفوق 70 % من السكان،فضلآ عن ان الفقر بين الأطفال قد شهد إزدياداً كبيراً، بحيث يعاني من الفقر واحد من كل 4 أطفال عراقيين، وتصل هذه النسبة الى 50 % في بعض المحافظات الجنوبية.
وتوقف التقرير عند مؤشر اَخر للتنمية، يعتمده البنك الدولي في تقييم التقدم المحرز في مجال التنمية في البلدان المختلفة، ألا وهو “مؤشر رأس المال البشري”، الذي يتم إحتسابه إستناداً الى الوضع الصحي والتعليمي والأجتماعي.ويشير البنك الدولي الى ان هذا المؤشر في العراق يقل عن المعدل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو أقل من البلدان ذات المستوى الأقتصادي والأجتماعي المشابه[7].

الخطوط العريضة للواقع الصحي في العراق
في الواقع الصحي الراهن، تمثل الأمراض غير الأنتقالية، والمتمثلة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطانات، والسكري، وأمراض الرئة المزمنة، السبب الرئيس للوفيات في العراق- وفقاً للتقرير.فهي مسؤولة عن أكثر من 55 % من معدل الوفيات الكلي. وتبلغ النسبة التخمينية لوفيات العراقيين بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية 17 % من إجمالي الوفيات.وبسبب السرطانات 11 %، والسكري- 4 % وأمراض الرئة المزمنة- 2 % [8].
    ويلفت التقرير الأنتباه الى ان نسبة كبيرة تفوق 20 % من الوفيات الناتجة عن الأمراض غير الأنتقالية تحدث في وقت مبكر وفي أعمار شابة تمثل أكثر مراحل العمر إنتاجية، مما يؤثر سلباً في التنمية الأقتصادية والأجتماعية. ويعتبر التقرير ان مكافحة هذه الأمراض هي من أهم ركائز القطاع الصحي، خاصة وان أكثر من 30 % من العراقيين يعانون من إرتفاع ضغط الدم، وأكثر من 14 % من السكري، وأكثر من 30 % يعانون من السمنة [9].
    وبالأستناد الى البيانات المتوفرة يشير التقرير الى ان نحو 16.5 % من السكان للفئة العمرية فوق 15 سنة يعانون من الأضطرابات النفسية[10].ويؤكد بأن أغلب المصابين بالأمراض النفسية الشديدة لا يستطيعون الحصول على العلاجات الطبية الأساسية والرعاية النفسية الأجتماعية.ومما يدعو الى القلق الشديد تصاعد نسب تعاطي المؤثرات العقلية والإدمان.وتشير المعطيات المتوافرة الى ان نسبة إنتشار هذه الظاهرة تصل الى نحو 2.7 % خلال مراحل الحياة المختلفة[11].
    ويشير التقرير الى أن الأمراض الأنتقالية والأضطرابات الغذائية لا تزال من أهم أسباب المراضة والوفيات في العراق، إذ تشكل 17 % من إجمالي الوفيات.
    ويكشف التقرير النقاب عن ان العراق فد أخفق في الوصول الى أهداف الألفية للتنمية في العام 2015 فيما يتعلق بصحة الأمهات والأطفال ووفياتهم، وذلك بسبب تدني مستوى خدمات الرعاية الصحية الأولية.
    ويلفت الأنتباه الى الأصابات بوصفها سبب رئيس اَخر للوفيات والأعاقة التي يمكن تفاديها.وتشير المعطيات الحالية الى أنها مسؤولة عن أكثر من 20 من الوفيات في العراق[12]. ويعد ذلك من أعلى النسب في العالم. وتسبب الأعاقات الناتجة عن الأصابات عبئاً صحياً وإجتماعياً وإقتصادياً كبيراً.مبيناً ان الأفراد ذوو الأعاقة في العراق يمثلون نسبة 5 % من السكان ،وذلك إستناداً الى المسوحات التي أجريت من قبل وزارة التخطيط عام 2016 [13]. غير ان هناك معطيات أخرى تشير الى نسبة أكبر من الأعاقات تصل الى 10 %.وأقر التقرير عدم وجود إحصاء دقيق لعدد المصابين بالأعاقات في العراق، على الرغم من وجود تقديرات بان العدد الكلي من المعاقين يناهز مليون و 357 ألفاً[14].

– يتبع  –
القسم الثاني سنكرسه للمشكلات الساخنة في القطاع الصحي التي تناولها تقرير وزير الصحة والبيئة..

                                                                                   ستوكهولم، 14/8/2019
• أكاديمي عراقي مقيم في السويد

الهوامش:
1- الجهاز المركزي للإحصاء، 2018
2- التقرير السنوي لوزارة الصحة، 2017.
3- الجهاز المركزي للإحصاء، المسح الأقتصادي والأجتماعي في العراق 2007.
4- من المؤاًخذات على التقرير إستناده على أرقام وإحصائيات قديمة،مثل هذه التي تعود الى ما قبل 12 عاماً، بينما نشرت في عام 2018 إحصائيات تقول ان نسبة  الأمية في بغداد بلغت 50 % للأعمار 6- 40 نتيجة لتفشي الفساد وغياب الرقابة وفشل النظام التعليمي الراهن..
5- وهنا لا يذكر التقرير نسب الفقر الجديدة، التي بلغت في عام 2018 أكثر من 26 %.وهذا مأخذ ثان.
6- الجهاز المركزي للإحصاء، وزارة الصحة، اليونيسيف- المسح العنقودي متعدد المكؤشرات، 2018.
7-البنك الدولي، مؤشر التنمية البشرية، 2018.
8-WHO, Noncommunicable disease country profile, 2018
9- التقرير يتحاشى ذكر كم  عدد ونسبة العراقيين الذين يعانون من السرطانات. وهذا مأخذ ثالث.
10-Iraq menthal health survey 2006- 2007
11-Survey of substance abuse in Iraq.2015.
12-وزارة الصحة، قسم الأحصاء الصحي والحياتي، 2018.
13-وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، المسح الوطني للإعاقة، 2016.
14 -WHO, Report, Health and Environment in Iraq, 2018

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق