اخبار العراق الان

عمارة (معهد عصام فارس): قليل من الحداثة.. كثير من البارامترية

د. خالد السلطاني – معمار وأكاديمي

عندما أكون في بيروت، أسارع الى زيارة مبنى “معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية”، الواقع في حرم الجامعة الاميركية في بيروت AUB.

إنه المبنى المصمم من قبل”زهاء حديد” (1950 – 2016): المعماريّة العالمية الفذة ذات الأصول العراقية، بالاشتراك مع باتريك شوماخر. (تم افتتاحه في 29 ايار /مايو 2014).

يحتل المبنى، (الذي فاز تصميمه في مسابقة معمارية نظمتها إدارة الجامعة في سنة 2006، وفقاً للمخطط العام الذي أعده مكتب Sasaki Associates الاميركي بالتعاون مع “دار الهندسة” ومكتبين استشاريين آخرين)، يحتل موقعاً كان في السابق مكاناً لعيادات طبية، تم نقلها لاحقاً الى أمكنة قريبة من مبنى مستشفى الجامعة الجديد. وقد نجم عن هذا النقل ظهور مساحات خالية في موقع الجامعة، إرتُؤي أن تكون موقعاً لمبنى المعهد المستقبلي المعني في “..تيسير الحوار وإثراء التفاعل بين الجامعيين المتخصصين والباحثين وبين واضعي السياسات وصانعي القرار في العالم العربي بصفة خاصة. كما يعمل المعهد على اشراك أهل المعرفة والخبرة في المنظمات الدولية والهيئات غير الحكومية وسائر الفاعلين في الحياة العامة والعلاقات الدولية وبصياغة الاقتراحات والتوصيات المناسبة لرسم السياسات أو إصلاحها”. وقد تم تشييد المعهد بمنحة كاملة من قبل السيد عصام فارس أحد نواب رئيس الوزراء اللبناني السابقين، الذي يحمل المعهد اسمه.

يتألف المبنى من خمسة طوابق في الأعلى وطابقين في القبو (السرداب)، وبمساحة إجمالية تقدر بـ 3000 متر مربع. والأبعاد التقريبية للطابق المبني بالكامل هي 37.5× 70.5 م. في حين بلغ ارتفاع المبنى حوالي 22 متراً، ليكون المبنى الأعلى في الحرم الجامعي كافة. ومع إن التصميم اكتمل في عام 2008، إلا أن تنفيذه انتهى في سنة 2014، كما أشرنا من قبل. اشتمل المبنى على فضاءات مخصصة بالأساس الى مكاتب الباحثين وأخرى خاصة بالنقاشات، وفضاءات استراحة، كما يمتلك قاعة رئيسة مع ملحقاتها (وقعت في القبو) تسع لـ 100 شخص ذات مدخل خاص في الجهة الشمالية، مما يمكن المعهد من تنظيم فعاليات ومؤتمرات من دون أن يربك ذلك الطلبة والاساتذة العاملين في المعهد، فضلاً على توفير أحياز خاصة بالخدمات مثل السلالم والمصاعد ودورات المياة وأحياز الخدمات الميكانيكية والصحية والكهربائية وما شابه ذلك. 

استطاعت المصممة أن توزع متطلبات المعهد المختلفة و”تسكنها” في أحياز خاصة، ضمن كتلة معبرة برزت بنتوء كابولي Cantilever جريء، لبعض مفرداتها الحيّزية جعلها “تطفو” فوق فناء خارجي، “زرعته” المصممة بممرات “مرقاتية” Ramps ، ربطت به مدخل المبنى العالي مع مستوى أرضية موقع المبنى، الذي طُلب من جميع المشاركين في المسابقة وقتها، الحفاظ على أشجار الموقع وخصوصاً أشجار “السرو” و”الفيكوس” اللذين وصلت أعمارهما ما بين 120 – 180 سنة! وهو ما التزمت به زهاء من خلال ذلك النتوء الكابولي الممتد طويلاً في الفضاء والذي يصل طوله الى حوالي 21 متراً تقريباً؛ خالقة بذلك فناءً إضافياً بالموقع، بالإضافة الى محافظتها على النباتات الموجودة وخصوصية الشكل العام للموقع. 

وبالضد من صلادة وانغلاقية الجدران الخرسانية الخارجية للمبنى، “المحفورة”، تارة، بـ (ثقوب) ذات أشكال خاصة، كناية عن نوافذ المبنى، وفي “طبع” هيئات تلك الثقوب بصورة غير نافذة على سطوح واجهة المبنى، تارة آخرى؛ فإن “داخل” المعهد انطوى على شفافية واضحة، تسمح من خلال حواجز زجاجية برؤية كل غرفة لنشاط الآخرى. وعن هذه الناحية تحديداً، يقول المعمار “سليم جليل” أحد المصممين الأساسيين من مكتب “زهاء حديد معماريون”، والذي واكب التصميم لفترات طويلة “صمم المبنى ليكون وازناً وعتيداً من الخارج، أما في الداخل فكل شيء شفاف وهو ما يعكس خزّان الأفكار. فخزّانات الأفكار تكون دائماً شفافة وتضج بالأفكار والحوار”. أما زهاء حديد فتتحدث عن تصميم المعهد بأنه ” ينسج من الممرات والروابط والمواقع المشرفة على الحرم الجامعي منتدى لتبادل الأفكار ومركزا للتفاعل والحوار في قلب الجامعة. إن تصميم المعهد يجعل منه مفترق طرق وملتقى ثلاثي الأبعاد وفضاء لطلبة الجامعة واساتذتها وباحثيها وزوارها للالتقاء والتواصل والتفاعل مع بعضهم البعض ومع المجتمع الاوسع. والمعهد يتطلع الى المستقبل ويتحدانا جميعا لنُغني أدراكنا للعالم العربي من خلال توسيع البحث وتكبير حلقات النقاش”. 

نالت عمارة المعهد جائزة الاغا خان سنة 2016. 

تسعى عمارة “معهد عصام فارس” الى ترسيخ فكرة لدى المتلقي، من أن العمارة المجترحة أمامه، يتعين “رؤيتها” وتقييمها من خلال معايير تقييمية، تستلزم لإدراكها إبدال مألوف المعايير الدارجة التى بلورت ذائقتنا الجمالية سابقاً، والاستعانة بمعايير نقدية جديدة، قادرة في النتيجة على خلق جمالياتها وذائقتها.. ايضاً! فالمنجز، هنا، يذهب بعيداً في خطاه نحو تخوم إبداعية ومعرفية، قد لا تكون معلومة جيدا للكثر من المتلقيين. وهذا “التقدم” الجرئ (هل اقول المقدام؟!)، يجد ضالته ومكانته هناك، في ذلك المكان القصي.. وغير المألوف. وزهاء حديد نفسها تذكرنا بهذا، عندما تقول “.. يتعين أن يكون كل شيء بالغاً حد الكمال، وعلى جانب كبير من الاتقان. كل شيء، حتى الأفكار. ثمة أبواب عديدة غير مغلقة لاتزال موجودة. هناك الكثيرالذي يتعين فعله، وأجتراحه، وإبداعه. فأنا، ببساطة، لا اعتقد بأن ثمة نهاية للإبداع!”.

ما يميز عمارة المعهد ليس فقط “صوابية” عمل الفضاءات المصممة واختيار أشكالها، أو إيجاد علاقة واقعية وصحيحة فيما بينها، ما يميز عمارة المعهد، وهو الذي يفرقها عن العمارة “الآخرى” ويتخالف معها، ويمنحها فرادتها هي اللغة: اللغة المعمارية، مضافاً اليها أسلوب تنطيقها. “اللغة” و”التنطيق”: هما، بالتالي عماد المقاربة (الزهائية). دعونا ، إذن، نتفحص هذه اللغة، ونعرج على أسلوب تنطيقها، لجهة إدراك أعمق لما هو مرئي ومعروض أمامنا من “عمارة” معهد عصام فارس.

في دارستنا عن عمارة زهاء حديد المنشورة في كتابنا: (فعل العمارة ..ونصها)، (المدى، بيروت، 2013)، أشرنا الى خصوصية مقاربتها التصميمية، عندما كتبنا: “”.. والحال إن عمارة زهاء لا يمكن إدراك ماهيتها التكوينية عبر الأسلوب التوصيفي Descriptive . إذ يظل هذا الاسلوب معنياً ومحدداً بالنتائج المرئية للمعطى التصميمي، في حين ان المطلوب هو الغوص في كنه تلك المقاربة واستجلاء جوهرها. وهذا يتأتى من فهم عوامل عديدة اثرت في صياغة وظهور تلك المقاربة، وهي عوامل عديدة ومتشعبة، قد لا تكون خاصة فقط في الشأن المعماري. أي بتعبير آخر، إن المطلوب هو معرفة خواص “الماكنة” المفاهيمية، المؤهلة لاستيلاد مثل تلك التصاميم، عند ذاك يتم إدراك واستيعاب مسوغات الناتج الأخير بكل غرائبية “فورمه” الاستثنائي”. وكتبنا أيضاً “.. أيكون، إذن، منجزها التصميمي عابراً لمعنى التأطير المفاهيمي؟، هل يؤسس ذلك المنجز المتمّيز، هو الذي أعلن قطيعته تماماً مع كل ما هو مألوف ومعروف في المشهد المعماري وخطابه، نهجاً خاصا به بعيداً عن نطاق التصنيفات وأنساق الطروحات؟. بالنسبة اليها، بالنسبة الى زهاء، هي معنية اساسا، كما تقول دائما، في توسيع مفهوم العمارة المهني والمعرفي في آن؛ في مدّ تخوم مجال عمل العمارة، واحيانا “تحطيم” حدودها والتطلع نحو آفاق مهنية جديدة، لم تكن سابقاً ضمن اهتمامات العمارة وحتى مجالها الحيوي المؤثر عادة، في قرارتها التكوينية. 

من هنا، إذن؛ من تلك النقطة التى أشرنا لها تواً، يتعين فهم مضمون تلك العمارة، وتصور لغتها الاستثنائية. ولكن ماذا عن “التنطيق”؟ بمعنى، كيف يمكن بمقدور تلك اللغة الفريدة أن تتجسد مادياً وتدرك بصرياً؟ هذه المهمة الإبداعية، تكفل بها “باتريك شوماخر” (1961) Partik Schumacher ؛ أحد اثنين قادا مكتب <زهاء حديد معماريون>. و”شوماخر” من أصول ألمانية ، انضم الى مكتب زهاء حديد سنة 1988، درس العمارة في مدارس أوروبية وأميركية، ونال شهادة الدكتوراه عام 1999 من جامعة “كلاغينفورت” النمساوية، ويعد واحداً من أمهر المشتغلين على البرامج الكمبيوترية في العالم. وسبق أن انشأ ونظم في مدرسة “AA” بلندن سنة 1996، “مختبر أبحاث التصميم” وأداره مع زميل له. 

لا يتسع المجال،هنا، الحديث عن أطروحة باتريك شوماخر بصورة تفصيلية، لأن المصمم الرئيس في مكتب زهاء، يتحدث عن واقعة غير عادية، تخرج عن مجال محدودية أهداف هذة الحلقة؛ ذلك لأننا بصدد استعراض حدث استثنائي، يتحدث عن “ميلاد” مقاربة جديدة (شوماخر يدعوها طرازاً جديداً) في العمارة. وهذا الطراز/ المقاربة هو: “البارامترية”Parametricism . وهو مصطلح جديد في المعجم المعرفي “مابعد الحداثي”، وهو، أيضاً، متعدد المعاني، لايمكن ترجمته، بسهولة، الى العربية، (أو على وجه الدقة، لا يمكنني، شخصياً، ترجمته. تاركاً هذه المهمة الى اخواننا المغاربة او اللبنانيين الذين سبق وان اثروا لغتنا بمرادفات جد ذكية للمصطلحات المعرفية الجديدة، مفضلا، الآن، استخدام المصطلح بنطقه الاصلي). والبارامترية (او “البارامتروية”، إن شئتم)، هو طراز ولد من تطبيقات استخدام الرسوم المتحركة (الأحياء) Animation الرقمية. ومع ان تلك التطبيقات، تعود الى منتصف التسعينيات، فان طراز “البارامترية” ظهر بشكل واضح، في السنوات الاخيرة، متساوقاً مع التطور المدهش في برمجيات منظومة التصميم المتقدمة. يشير “باتريك شوماخر” في عدد مجلة <التصميم المعماري> AD اللندنية، (عدد تموز- آب 2009) والمكرس الى “المدن الرقمية” بانه أصدر <بيان> “مانفيست” البارامترية سنة 2008، معلناً به ولادة هذا الطراز المعماري. ويؤكد المصمم الرئيس في مكتب “زهاء حديد معماريون” بالقول في ذات العدد من المجلة من أن” البارامترية- هو طراز جديد ومهم ظهر بعد الحداثة. وهو يعتني بايجاد مقاس ملائم لمختلف المجالات التى يتعاطى بها، بدءاً من العمارة، والتصميم الداخلي، وصولاً الى التصاميم الحضرية الضخمة”.

وكما نرى، أو كما يراد أن يوحي لنا، فان “البارامترية” وفقاً لشوماخر وبحسب بيانه، هي الطراز المؤهل لملء الفراغ الذي وجدت العمارة نفسها فيه مؤخراً. وما الاهتمام، وما الاعتراف التى تحظى به المشاريع المنفذه والمصممة وفقاً للمقاربة البارامترية، في الفترات الاخيرة، والتى نال المكتب عنها جوائز عديدة، سوى برهاناً جلياً لما يرى شوماخر فيه صوابية قيم طروحات هذا التيار الطليعي وصدقيته. وكل هذا يجعل من مقاربة شوماخر، أطروحة قابلة للتفكير العميق حولها، وتخلق، أيضاً، مجالاً للتأمل، عما ينتظر العمارة المستقبلية من آفاق جديدة وغريبة وربما حتى ..مخيفة؛ لكنها مع هذا، (وربما بسبب هذا)، تظل، أيضاً، تتسم بالمتعة، والتشويق، والطرافة! بيد إن النتيجة الأهم المستخلصة من كل ذلك، تبقى تشير، الى ان عمارة “معهد عصام فارس” تمثل حالة خاصة من الابداع، تتمازج في حلولها التكوينية، القليل من مبادئ الحداثة، مع الكثير من القرارات “البارامترية”؛ ما يضفي على عمارة المبنى تميزا استثنائيا تجعله متفردا ضمن “لغات” عمارة مباني الحرم الجامعي، ان لم يكن وحيداً في البيئة المبنية لبيروت باكملها!

و “زهاء حديد” (1950 -2016)- معماريّة المبنى، ولِدت في بغداد / العراق في 31 اكتوبر1950، وحصلت على شهادة الليسانس من الجامعة الامريكية في بيروت، بفرع الرياضيات عام 1971. لكنها درست العمارة لاحقاً، في مدرسة الجمعية المعمارية بلندن/ المملكة المتحدة، وتخرجت منها عام 1977، وفي ذات السنة عينت كمعيدة في المدرسة التى تخرجت منها. ولاحقاً أصبحت استاذة زائرة في العديد من الجامعات المرموقة: الأوروبية والاميركية منها. صممت زهاء مشاريع كثيرة في بريطانيا وخارجها، واحصيت البلدان التى صممت المعمارية مشاريع لها بحوالي 45 دولة، بضمنها وطنها الاصلي العراق، حيث صممت له مبنى البنك المركزي العراقي سنة 2012. حازت على جوائز مرموقة بضمنها جائزة “بريتزكر سنة 2004.

توفيت إثر نوبة قلبية في مدينة ميامي/ فلوريدا – الولايات المتحدة في 31 آذار سنة 2016.

توني موريسون: وداعاً لأعظم كاتبة.. نحن جميعاً مدينون لها كثيراً

2019/08/18 06:50:16 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق