اخبار العراق الان

بنية الجذب من البراري .. قراءة التماثل بين ملحمة كلكامش والتوراة

ناجح المعموري

1-2

أكد الدراسات التوراتية على وجود تأثيرات للإنتاج الفكري والإبداعي للعراق القديم . وانعكست بوضوح في الصوغ التوراتي . الذي ساهم به اليهود ،

الذين عاشوا فترة طويلة جداً في بابل كما هو معروف . لذا استفاد الأحبار من التراث العراقي القديم ، في صياغة الكثير من التوراة . لاسيما وإن التدوين الكتابي لها لم يتم إلا في وقت متأخر جداً . واوجد هذا فرصة واسعة أمام الحكماء والأحبار لنقل التراث العراقي ، وبالشكل الذي أشارت إليه الدراسات الغربية التي تعاملت مع الموضوع بحيادية واضحة . ولا أجد ضرورة للإشارة الى الدراسات المعدة في الغرب والمؤلفة عربياً ، لأنها كثيرة ومعروفة . ويكفي للتدليل وجود نصيب مهم ومعروف بعلم التوراتيات في الجامعات الغربية .

وسأحاول في هذه الدراسة قراءة لبنية الجذب الانكيدوي من البراري . وتفاصيل تحققها . ومن ثم كشف التماثلات بين الملحمة والتوراة لإضاءة جانب جديد ومهم . واعتقد بإمكانية تطوير هذه الإضاءة وتعميقها من قبل المهتمين والدارسين . ( لم يترك كلكامش ابناً طليقاً لأبيه لم تنقطع مظالمه عن الناس ليل نهار أهذا (( كلكامش )) راعي أوروك المسورة اهو راعينا القوي ، الكامل الجمال والحكمة لم يترك كلكامش عذراء طليقة لامها ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل).

لقد هيمن كلكامش على أوروك بشكل تام ومارس لهوه مثلما أراد ، مغتصباً ما يحلو له ، فاتكا برجالها ، ولا احد بقادر عليه أو حتى النطق بكلمة . وبعد اشتداد المظالم ، غسلت (( اورور )) يديها لتتهيأ لفعلها المقدس . فعل الخلق ، حيث أخذت طيناً ورمته في البرية . وكان خلقها (( أنكيدو )) . ووردت في الكثير من الأساطير ما يماثل بشكل أو بأخر الانكيدوي هذا . وفي هذا الخلق ، ابتدأت مرحلة جديدة من الصراع . لأن الخلق لم يتم لولا الصراع الذي عرفته أوروك ، بسبب طغيان الملك كلكامش . واستعان العقل الجمعي أو الوعي الفردي بالمرأة هذه المرة [ بالرغم من وجود علائم انهيار سلطتها الأمومية ] للاستعانة بها من أجل الاقتراب ، من تحقيق الحلم لإيجاد المخلص ، أو المنفذ ، الذي لا يكون غيره لأوروك أبداً . كانت البغي شمخت هي التي أوكل لها أمر الترويض . بالرغم من أن الملحمة أشارت لاشتراك الصياد معها . لكن فعل الانجاز لن يكن إلا لها . وتلك واحدة من الحقائق التي أكدت الدور الحضاري الذي لعبته المرأة في العراق القديم ، وحضارة الشرق الأدنى .

(( قصدت وحوش البر الماء / ففرحت وسرت قلوبها أما أنكيدو الذي كان مولده في التلال والذي يأكل العشب مع الظباء ويرد الماء مع الحيوان ويفرح لبه مع حيوان البر عند مسقى الماء فأن البغي رأته ، رأت الرجل الوحش أبصرت البغي المارد الآتي من قلب الصحارى فأسر إليها الصياد هذا هوايتها البغي فاكشفي عن نهديك اكشفي عن عورتك لينال من مفاتن جسمك )) .

إن صعود سلطة شمخت ، تعني الإقرار ببقاء الدور الفاعل للمرأة واعتبارها سلطة ، ذات هيمنة في المجتمعات الزراعية . واستطاعت لغة الخطاب الامومي المستهدفة من تحقيق قوة مطلوبة ، قوة المعادلة بين الحلم والمتحقق ، بين الطاغية والرعية ، وبين الحضارة والهمجية والتخلف . إن الغواية التي مارستها البغي مع انكيدو ، هي تحقيق ، أو تأكيد لقتال مهم ، أشار لادوار المرأة المهمة في التخليق . وفي الملاحقة والمسعى للامساك به كقوة منفذة ، ولا مثيل لها في التاريخ الذي سبق وفي حكاية الترويض ، يتضح الفعل الجنسي ، الذي عطل بعضاً من قدراته الخارقة ، وخلق بعضاً جديداً ، في التآلف مع المكان والتكيف مع الجماعة ، التي صارت بديلاً لجموع الحيوانات وهذا موقف حياتي مهم . كما أن حكاية الترويض هي نسيج ذكي لشكل من أشكال الهجرة نحو وادي الرافدين . لقد حقق الجنس نهوضاً في الوعي . ولم يمارس سلطة التعطيل مثلما ورد في بعض القراءات . مارس دوراً مهماً وحاسماً ، وحل بديلاً للعلاقة مع الحيوانات وفتح امامه مجالات المعرفة والحكمة . كان يفرح لبه مع حيوان البر عند مسقى الماء للاخصاب وعلاقة الاتصال لكنه أخصاب لم ينتج شيئاً . إنه فعل امتد بعد حقب الى ديانات اخرى والتفحص ، يكشف لنا ، بأن المرأة لعبت دوراً مهماً في التاريخ والشواهد كثيرة في التوراة .

عندما تحقق فعل ثنائية العلاقة ، تخلقت شخصية انكيدو وبشكل آخر جديد من آصولها الثقافية الاولى واكتسبت مفاتيح الحياة المهمة في العلاقة مع الطرف الآخر . وحققت البغي نجاحاً وتفوقاً ، لأنها استطاعت ترويض الشخصية ، غريبة الأطوار . ترويضاً حصل عبر الاتصال . والحوار الداخلي ، السري ، حوار الرغبات والمباهج التي أمسكت بأنكيدو ، وأوجدت هوة الافتراق بينه وبين الحيوانات التي انس إليها واقتربت منه ، لكنها ، وبعد تحقق حلم شمخت ، حصلت الفجوة التاريخية ، التي قدمت قراءة للباحثين وخصوصاً الأستاذ محمد خليفة حسن احمد ، ليؤشر عبرها مقاييس الانتقال من البداوة الى الحضارة .

وأرى بأن هذا الاستقراء متطرف ، لأن علاقة انكيدو والحيوانات لم تؤثر بشيء على مرحلة البداوة التي تعني بكونها حضارة . لأنها ظلت حاضرة في سلوكه وهذا لم يتوفر في قراءة هذه الشخصية . أن المرحلة هي الأقرب الى الانتشار البدائي التي كانت فيها وسائل الإنتاج لخدمة الفرد فقط كما هي مرحلة الشتات والتداخل الحياتي وضياع الفاصل الواضح بين الحيونة والأنسنة .

بين المقبول والمرفوض ، بسبب فقدان الاتضاح الكامل للملامح الاجتماعية ، التي تقدم عوناً ولرسم توصيفاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ، أنها مرحلة التكشف الجديد وإبصار الحقائق والإحساس بها . وهي التي أكدت وجود طرفين في الحياة . الطرف الأول أوروك ، بحضارتها ، التي أسست لها القهر والاضطهاد والاغتصاب . والطرف الأخر حياة البراري والصحارى التي غادرها مرغماً ، لا بسبب وعي ذاتي وإنما المؤثرات أنثوية فقط . وأوجدت هذه المؤثرات فرزاً مهماً في الحياة . وأعلنت قطيعة خطيرة بين ما كان مؤسساً في البراري من تقاليد ، واصطفاف هذه الشخصية مع المؤثرات الجديدة التي كان الجنس واحداً منها ، وأكثرها فاعلية في التاريخ ، عبر شواهد القراءات الأسطورية .

( لبث انكيدو يتصل بالبغي ستة أيام وسبع ليال وبعد أن شبع من مفاتنها . وجه وجهه الى الفة من حيوان الصحراء فما أن رأت الظباء انكيدو حتى ولت عنه هاربة وهربت من قربة وحوش الصحراء ذعر انكيدو ووهنت قواه خذلته ركبتاه لما أراد اللحاق بحيواناته أضحى انكيدو خائر القوى لا يطيق العدو كما كان يفعل من قبل .

ولكنه صار فطناً واسع الحس والفهم رجع وقعد عند قدمي البغي وصار يطيل النظر الى وجهها كلمت البغي انكيدو وقالت له : 

(( صرت تحوز على الحكمة يا انكيدو وأصبحت مثل إله )) 

لقد استلم انكيدو مفاتيح الفطنة . وأعلنت الملحمة بأن شمخت ، هي التي أعلنت سيادتها في تفاصيل البنى الداخلية الكاملة للنص . ولولاها لظلت الفطنة والمعرفة غائبة عنه . وفي الأخير لا نستطيع تجاهل التحولات الحاصلة في هذه الشخصية الغريبة ، التي تخلصت من بعض أسطوريتها . واقتربت من واقعية ، لا تبتعد عن حياة أوروك كثيراً .

إنه انكيدو ، الذي حاز على الحكمة لعلاقته مع الجسد والغواية ( أو شجرة المعرفة التي ستقودنا لقراءة أخرى حول الخطيئة التوراتية التي وجدنا بعضاً من تماثل العناصر المشتركة بينها وبين الملحمة ) الذي لا يملك بعد ذلك الى سرعة الاستجابة له . وقع نصح المرأة في لبه موقع الرضا انه التحول الأول الذي تعلن عنه الملحمة ، وتؤشره ، فالانتقال من البراري والصحارى الى المدينة ، قد تم عبر سيمولوجية الاكساء وستر الجسد ( ثم شقت ثوبها شقين ، ألبسته بواحد منهما واكتست بالثاني ، وأمسكت به من يده وقادته كما يقاد الطفل . أخذته الى كوخ الرعاة ، الى موضع الحظائر فتجمع الرعاة حوله ) .

إنها علامة التخلق الجديد لشخصية انكيدو . تخلق اجتماعي ، أعلن عنه صراحة ، وبوضوح تام . حيث استطاعت شمخت من أيجاد علاقة جديدة مع الوافد الغريب . الوافد الذي أوجدت له مساحة إنسانية ، أوسع مما كانت له . واحتشد حوله الرعاة لتؤكد لنا الملحمة مفعولها في شخصية انكيدو ، وذات تأثير في تطوره الفكري . لكن هذا المفعول وذاك التطور لما بزل محكوماً بتوشيمات المرحلة الأولى له .

فهو لما يزل غريباً ، أو قل عن المشاهد الجديدة التي لم يستطع استيعابها والتعايش معها .

( ربى على رضاع لبن الحيوانات البرية ولما وضعوا أمامه طعاماً تحير واضطرب وصار يطيل النظر إليه اجل لا يعرف انكيدو كيف يؤكل الخبز لأنه شب على رضاع لبن حيوان البر ولم يعرف كيف يؤكل الخبز ولا كيف يشرب الشراب القوي ففتحت البغي فاها وخاطبت انكيدو .

كل الطعام يا انكيدو ، فأنها سنة الحياة واشرب من الشراب القوي ، فهذه عادة البلاد ). وبعد طقس الترويض ، أعلن انكيدو عن ابتداء مرحلة الانتقال التام والنهائي من حياة الحيواني الى حضارة الإنساني : 

( أخذ سلاحه وانطلق يطارد الأسود ليريح الرعاة في المساء اصطاد الذئاب وقهر الأسود ) فاستطاع الرعاة أن يهجعوا في الليل مطمئنين ( صار انكيدو حارسهم وناصرهم إنه الرجل القوي والبطل الأوحد ) . وقراءة هذا النص ، تكشف عن انتقال واضح نحو مرحلة جديدة ، اجتماعيا وسياسياً . وتشكل اصطفافا جديداً ، قلب تماماً مستويات المعادلة الفكرية الأولى التي أسستها الملحمة ، معادلة عزلة المشاغبة البدائية . وانتصرت المرأة التي استطاعت أن تجعل الأصدقاء أعداء ( انكيدو + الحيوانات ) والأعداء أصدقاء ( انكيدو + أوروك ) هذه الصيرورة والقبول بها ، لم يكن لها أن تكون وتتحقق لولا كشفت فكرية في الملحمة ، أوجدتها عقلية الصياد بالتشاور مع البغي ، التي أعلنت انتصارها التام .

عقليتان ، كشفت لنا وجود سلطتين ، هما سلطة الأنوثة ( شمخت ) وسلطة الرجولة ( الصياد ) لكن العقلية الوعي الذي أسس المتغيرات هو وعي الأنثى ، بالرغم من غياب الخطاب الامومي وسيادة خطاب الرجل في المجتمع الزراعي ، سيادة واضحة وبعد هذه القراءة لبنية الجذب من البراري ، نحو أوروك ، سنحاول بعد وضوح الصورة الرسمية ، تلمس مقارنة بين الملحمة والتوراة .

جنة عدن هي التي غرسها ( الرب الإله جنة في عدن شرقاً وجعل هناك الإنسان الذي جبله ) وهي البراري بالنسبة لانكيدو . لأنها وفرت له حياة هادئة ، وهانئة ، رصينة ، لم يعرف فيها الهموم والمتاعب . إنها مكان ، توحده شفرة الاستقرار فقط مع جنة عدن . والجنة قياس نسبي للراحة والسعادة .

سيرة نيلسون مانديلا في نادي المدى للقراءة بأربيل

2019/08/17 06:56:53 م

في مكتبة مغربية : إعادة قراءة (في المقهى) للكاتب الجزائري محمد ديب

2019/07/29 06:48:19 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق