اخبار العراق الان

الدولة الريعية . . تجربة أميركا اللاتينية نموذجاً

د. عبّاس الفيّاض

هناك تعريفات متعددة للدولة الريعية لكن التعريف الأشمل لها “هي الدولة التي تعيش على العائدات الريعية المتأتية من الخارج بشكل منتظم مقابل ضعف العمليات الإنتاجية المحلية “،

وفي هذه الحالة يجب أن يكون دافع الريع أجنبياً، وبدونه لايؤثر على مجمل الدخل لأن الريع ليس حصيلة إنتاج معين وإنما حصيلة إعادة توزيع الثروة من دافع الريع، ولذلك ينبغي أن يكون مدفوعاً من الخارج ليؤثر على دخل الدولة كتحويل من خارج الدولة لداخلها. ومن أمثلة الدول الريعية المنتجة للنفط في الشرق الأوسط هي السعودية والإمارات العربية المتحدة والعراق وإيران والكويت وقطر، وهناك دول ريعية في أمريكا اللاتينية وشمالي أفريقيا مثل فنزويلا ونيجيريا والجزائر وغيرها.

تجربة أميركا اللاتينية 

دعت أمريكا اللاتينية مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ” ألاونكتاد” لأن تقدم نموذجها كبديل للسياسات التحررية التي هيمنت على العالم خلال فترة التسعينيات وتسببت في إنتاج الأزمة المالية العالمية الحالية وقد جاء في تقريرها السنوي لعام 2012 أنّ نسبة المعدمين الذين يعيشون في فقر مدقع قد تراجعت من 25% إلى 12% وهو تراجع يتجاوز 50% ويمكن أن يعزى 60% من هذا التراجع في الفقر إلى النمو الاقتصادي، بينما يعزى 40% إلى تراجع التفاوت، وكان العاملان الريئسان في التفاوت هما تزايد المساواة في توزيع أرباح العمل بين العاملين بأجور وأصحاب العمل الحر هو العامل الأهم، إذ يمثل 60% من تراجع التفاوت في المنطقة، والعامل الثاني من حيث الأهمية المسؤول عن خفض التفاوت هو التحويلات الحكومية التي تفسر بالمتوسط نحو 20% من هذا التراجع، فقد زادت التحويلات الحكومية من حيث الحجم وأصبحت توجه بشكل أفضل للفقراء.

وقد أشارت العديد من الدراسات إلى استجابة البعض من البلدان في أمريكا اللاتينية لارتقاع مستويات الفقر من خلال تنفيذ برامج جديدة للمساعدات الاجتماعية، أو تغيير القديمة منها، ومن الأمثلة على هذه البرامج التحويلات النقدية المشروطة Progresa Oportunidades، وتشمل البرنامج المكسيكي Bolsa Escola والبرازيلي Bolsa Familia والتشيلي Chile Solidario وأن هذه البرامج تقدم المال للأسر الفقيرة، بشرط أن يتم استخدام تلك التحويلات باستثمار رأس المال البشري لأطفالهم مثل الحضور المنتظم في المدارس، والرعاية الصحية الأساسية الوقائية. الغرض من هذه البرامج هو وقف انتقال الفقر بين الأجيال، وتعزيز الاندماج الاجتماعي من خلال استهداف الفقراء بشكل صريح مع التركيز على الأطفال. وتقديم التحويلات إلى المرأة وتغيير علاقات المسؤولية الاجتماعية بين المستفيدين وبين مقدمي الخدمات والحكومات. وقد ساعدت هذه البرامج في زيادة معدلات الالتحاق بالمدارس والحضور المنتظم، وأظهرت كذلك التحسن في الأوضاع الصحية للأطفال. ومعظم مشاريع النقل هذه يستفيد منها حوالي 110 ملايين شخص في المنطقة، وتعتبر رخيصة نسبياً، وتقدر تكاليفه بنحو 0.5% من ناتجها المحلي الإجمالي.

ونظراً لتناقص الموارد المتاحة ” الريعية ” في أعقاب أزمة الديون في الثمانينيات استعاض عدد كبير من الحكومات في أميركا اللاتينية عن الدعم العام للأسعار مرتفع التكاليف ببرامج موجهة للفقراء.

جدير بالذكر أن التحويلات النقدية المشروطة نفذت أولاً في البرازيل ” الرئيس لولا باسلفا “والمكسيك في النصف من التسعينيات. فقد مثلت ابتكاراً من أهم الابتكارات في السياسة الاجتماعية، لتحقيق منافع للفقراء وإلى جانب هذه التحويلات النقدية حسنت المستويات المعيشية للفقراء، فقد ساعدت على تحسين مستويات الصحة والتعليم والتغذية لدى الأطفال الذين يعيشون حالة الفقر ومن ثم فأنها تحمل الوعد بتحقيق فرص عمل أفضل في المستقبل. وفي الآونة الأخيرة أدمجت بعض برامج التحويلات النقدية عناصر أخرى مثل المساعدات الفنية والائتمان وتحويلات الأصول البسيطة لصغار المنتجين الزراعيين وأصحاب المشاريع متناهية الصغر الموجهة نحو زيادة الإنتاجية والناتج وخصوصاً في المناطق الريفية وانشاء عدد كبير أيضاً من بلدان القارة نُظُماً من للمعاشات التقاعدية التي لاتقوم على الاشتراكات لتوفير حد أدنى من الدخل للمسنيين الذين لاتتوفر لهم الحماية المقدمة من نظام الضمان الاجتماعي الرسمي.

أسباب نجاح التجربة

يشير بعض المحللين إلى أن النجاح يعود إلى القادة السياسيين الجدد لأمريكا اللاتينية الذين حرروا بلدانهم من شروط صندوق النقد الدولي وقادوها للخروج من أزمة مالية عنيفة ويعتبر النموذج الأرجنتيني مفتاح السياسة الجديدة لأمريكا اللاتينية التي اعتمدت على التوسع وليس سياسيات التقشف التي نجحت في الجمع بين معدلات النمو المرتفعة وتحسن الوضع الاجتماعي. وبغض النظر عن الخلاف بين الاقتصاديين في قدرة الأرجنتين على الاستمرار قي النمو، الا أن تلك السياسة ساهمت في الفترة من 2003 إلى 2007 في تخفيض معدلات البطالة والفقر إلى النصف. لتتراجع البطالة من 20% إلى 9% والفقر من 50% إلى 27% وهذه السياسة وجدت الدعم بقوة من الاتحادات النقابية العمالية التي ساهمت في تحقيق الأجور الحقيقية بنسبة 70% كما قدمت البرازيل نموذجاً للنمو الاقتصادي في فترة الركود معتمدة بدرجة كبيرة على التصنيع إذ اتبعت خلال فترة الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي بدأت 2008-2009 سياسات لدعم الصناعة ” لاتقتصر على تنمية الاستثمارات والإبداعات والتجارة الخارجية فقط وإنما تقوم على حماية الأسواق المحلية والصناعات المحلية من فيض الصناعات والسلع الرخيصة التي تسعى إلى البحث عن أسواق بديلة تسهم في إغراق السوق المحلية، وتهمش المنتجات الوطنية. ووفقاً لتقرير منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ” الأونكتاد” لعام 2012 وكذلك منظمة التعاون والتنميةالاقتصادية-OECD الذي استهدفت البرازيل دعم أسواقها المحلية وإنشاء صناعات ذات تقنية عالية لتنويع الاقتصاد. كما عملت على رفع التعرفة الجمركية وأقدمت على سياسة تفضيلة للمنتج الوطني في المشتريات العامة، وسياسة ضريبية داعمة للصناعات الوطنية. كما تفيد التجربة أن البرازيل استطاعت في الوقت ذاته أن تحافظ على قدرتها جذب الاستثمار الأجنبي المباشر حيث بلغت الاستثمارات المتدفقة عام 2011 نحو 67 مليار دولار أمريكي، بما يمثل 55% من الاستثمارات المتدفقة إلى أمريكا الجنوبية. وفي البرازيل هنالك 12مليون عائلة تلتزم بإرسال أبنائها للمدرسة وللوحدة الصحية بفضل Bolsa Familia المذكورة وهي شكل من أشكال إعادة توزيع الدخل في البلاد” سياسة الرئيس السابق لولا دا سيلفا” وهي الفكرة التي اخذت بها العديد من دول أميركا اللاتينية وأصبحت نموذجاً من نماذج السياسات الأجتماعية التي ابتدعتها تلك القارة في القرن الجديد.

وتصل قيمة الدعم إلى 12 دولار اً لكل طفل شهرياً، هذا البرنامج الذي ساهم تراجع الفقر إلى نحو 27%خلال الفترة من رئاسة لولا، مما دفع البرازيل للمضي قدماً في استكماله، هذا بالاضافة إلى الخدمات الأخرى المجانية، كمراحل التعليم الأساس وصولاً إلى الدكتوراه، وكذلك الخدمات الصحية بما فيها تقديم الأدوية.

وفي ختام هذا المقال لابد أن نطرح تساؤلاً معقولاً مفاده: ألا يستطيع العراق بوصفه دولة ريعية أن يستفيد من تجارب دول أمريكا اللاتينية لكي يخرج من الأزمات والمحن الاقتصادية التي تكبّله منذ عام 2003 حتى الوقت الحاضر؟

مجلس النواب والإرادة الشعبية (قانون الانتخابات إنموذجاً)

2019/07/30 07:35:16 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق