العراق اليوم

الامس احسن من اليوم واليوم احسن من الغد ؟؟!!

تبدو هذه المقولة نوعا من اللامعقول الذى يخالف مبدأ التطور والتقدم نحو الاحسن من اوليات التطور العلنى والتقنى ومعها تطور المؤسسات العلمية والتربويه التى تنشأ وتعد كوادر علمية واداريه تتولى مسؤليتها المجتمعية. هذا حينما تسيرالاحوال فى صياغات عقلانية وتتمتع بقدر البلدان ونخبتها بقدر من المسؤلية والنضج الاجتماعى والنفسى. ولكن حينما نرجع بالذاكر الى سنين صعود القائد الى الانفراد بالدولة والشعب تتبلور الفواجع والكوارث المجتمعية التى تأخذ مسار يوميا مستمرا على مدى عدة عقود وبالرغم من سقوط النظام فقد بقى يلاحقنا بالتبعه الثقيلة التى حمل بها نفوسنا واكتافنا.
كنا فى منتصف الستينات من القرن الماضى ندرس فى احد الجامعات فى المانيا الغربيه, وشاءت الصدف ان تكون اصولنا بغدادية واهلنا من الحرفيين المعروفين بحرفيتهم العالية والتزامهم الاخلاقى والدينى. تخرج من كلية الحقوق عندما كانت كلاهما, الصباحية والمسائيه  ذو شأن وبأس, وجهزوا الدولة بافضل الكوادر الحقوقيه. توظف فى احد دوائر الدوله., وكما يبدو فقد حقق حلمه: كان يدرس للحصول على شهادة الدكتورا. قدم اطروحته وتمت المناقشه وسريعا وبشغف كبير جهز نفسه وتوجه الى العراق وتم تعينه فى وزارة التخطيط. كان اكاديمى ذو اخلاق عاليه وبعيدا جدا من المنفعلين والمتحمسين  الذين يحسبون الامور مقدما. بعد حوالى  ثلاث سنوات انهيت دراستى فى تخصص علم الاجتماع وحزمت امرى وتوجهت عام 1975 ايضا الى العراق,لا نتكلم عن الامانى والاحلام التى كنا نحملها معنا. كانت سنين الدراسة بالنسبة لى مثمرة جدا:  من ناحية الاعداد العلمى, الوعى النقدى والصدق مع الذات. لقد عشت سنين حركة الطلبة التى تطورت فى الجامعات الالمانية وكذلك فى جامعات  دول العالم الغربى وتعلمت منها الكثير.                                      
قدمت اوراقى الى عمادة كلية الاداب/ قسم الاجتماع وانتظرت بعض الوقت, وقمت بزيارة زميل الدراسة العزيز للتعرف على تجربته وخبرته واسلوب التعامل مع الاداريين, ولكنه لم يكن مشجعا, وفى صوته نبرة من الحزن واللوعة. لم احضى بجواب من كلية الاداب بعد مضى اكثر من اسبوعبين على الرغم من ابداء القسم رغبته فى تنوع الخريجين من الجامعات الاوربية والامريكيه. اخيرا جاءت موافقه العميد بعد ان تكلم اخى مع مسؤوله الحزبى الذى جعل ذلك ممكنا. زرت صديقى وشرحت له ما توصلت اليه, ولكنه لم يكن افضل من المرات السابقه وقال  ” انهم سوف يعرقلوها – يبجوها”. اخيرا انتهيت من اجراءات التعيين, وبدأت الحياة العملية التى لها خصوصيتها خاصة فى دولة القبيله والحزب الواحد والقائد الاوحد . فى الحقيقة لم استطيع فى البداية ان افهم صديق الدراسه واعتبرت انه كان متشائما نوعما  دون ان ابحث عن اسباب هذا التشائم, الا ان استمرار اللقاءات والحديث عن اوضاع العمل فى الجامعه وفى الوزارة  كانت بالغة الاهمية بما تزدحم  به من صراعات يوميه ويصطدم فيها الخاص والعام من طموحات واهداف وما تطرحه الدوله من مجالات للصعود فى السلم الوظيفى. كل هذه الامورلم تكن الكفاءه العلميه والعملية المعيار الذى يقوم عليه النجاح وعدمه. على اى حال فان زميل الدراسة لم يكن محظوظا فى عمله فى وزارت التخطيط, فهو لم “يلتزم ” حزبيا وكان نصيبه من الايفادات والترقيات لايحسد عليه. ضمن هذه الخلفيه الوظيفيه والاجتماعية ليس غريبا ان تتبلور لديه المقوله ” اليوم احسن من الغد والامس افضل من اليوم”, وترى بام عينيك كيف توزع الفرص والترقيات والايفادات وكانها موروثات توزع  بين افراد العائله والاقارب  والانتماء الى الحزب وحب القائد والايمان به.                            
 لم يكن وضعى المهنى والسياسى افضل منه ابدا, ويتجسد ذلك  فى اسلوب المعاملة والشعور الذى يحاط بك, يلازمك بانك غريب هنا, انت لست منا وكن سعيدا شاكرا ان تكون هنا . كان نجاح النظام بتأميم النفط كارثة حقيقة نزلت بالعراق وشعبه, فقد تصور القائد انه العبقرى المكلف بالمهام الصعبه… مشاريع تنمويه وتحسين الوضع المعيشى وعلاج كبار الضباط وبعض المواطنين على نفقة الدوله كسب تايد شرائح واسعة وبنفس الوقت صعد من نجرجسيته وعبقريته الى مستوى الرسل والانبياء وقادة العالم الكبار وتمت عسكره المجتمع وبدأت اولى خطواته بالانفراد بالسلطه, اتهام رفاقه بالخيانه فى محاكة صورية بشعة كان فيها المدعى والحاكم وتم اعدامهم جميعا. بدأ الاستعداد للحرب ووبدأت الحرب والتى لم تنتهى الا بعد ثمان سنوات الى كلفت مئات الالاف من القتلى والجرحى والمعوقين  والايتام مع نضوب الاحتياطى والقروض من البنوك الدوليه.كانت الحياة لاتقتصر على الازمات الماديه وانما الارهاب والاعتقالات والتصفيات سارية المفعول بوتاتر متصاعدة. لم يهدأ القائد ولم نجد الراحة ايضا, لم يشفى غليله بحامى البوابة الشرقيه, وانما عزم تلقين “الصغار” درسا فى الاخلاق وشرف القيادة وامر باجتياح العراق. ومأساة كارثيه جديده  احلت بالمجتمع العراقى وكافة مؤسساته. ان الطائرات الامريكيه فوق رؤسنا والموت تهددنا بالموت فى كل العراق. واخيرا فرضت علينا معاهدة مذلة لا زلنا ندفع بنودها. لقد حصلت انتفاضة من قبل الجنود الذىن رجعوا من الكويت ولكنها انهيت بقسوة شديده وانهت حياة الالاف من المواطنين. كل هذه الكوارث لم تؤثر على كبرياء وعظمة القائد, فى الوقت الذى يعيش الشعب وعنف الحصار الاقتصادى, يبنى القائد قصور الاباطرة والملوك ويكتب قصصا لاتساوى ثمن الورق الذة كتبت عليه, ويدخل مرحلة الشيخوخة المبكره (الخرف) ويصبح ( عبد حمود ) الحاكم الفعلى للعراق. تمر سنين طويله يعيشها الشعب مثقلة بالحسرة والالم والعوز وتصدعا فى البنيه السكانيه, وتبدأ شرائح الطبقه الوسطى بالهجرة واللجؤ سبيلا  واملا لاستمرارها على الحياة.                     .  
اخيرا تقرر امريكا اسقاط النظام واقامة نظام اخر, نظام بدون لون ورائحه, بدون تاريخ  وجغرافيه, اشخاص عديمى الخبره والاخلاق, مثقلون بارتباطاتهم الخارجية والفكر الغيبى المتخلف, عديمى المسؤلية والانتماء الوطنى وسرعان ما بانت حقيقتهم: كاذناب ينفذوا ما ما يطلب منهم, سراق وحرامية, محترفى الكذب والشعوذه والوعود الكاذبة. فى الوقت الذى بلغت  موارد بيع النفط بالمليارات,اصبحنا مثقلين بقروض صندوق النقد الدولى  وبنوك عالمية اخرى, دون ان تبنى مدرسه او مستشفى اول يضع حلا  لاحد القضايا الاجتماعية والاقتصادية. وليس هذا فحسب وانما فقدان الامن وسيطرة المليشيات على الشارع وبعضا من مرافق الدوله, ودوله هزيلة لا تقوى على تنفذ حقها وواجبها فى استخدام السلاح والقوة, وفى صراعات واتفاقات هذه الجماعات الخبيثه تركوا الدولة والمجتمع على الغارب تهدد من الداخل ومن الخارج ومرشح ان يكون ساحة حرب لقوى متحاربه ذو مصالح واهداف لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
اذا كانت الحياة ايام حكم الطاغية حالة ارهاب وومطاردة واغتيالات, عدا الكوارث والحروب, فان الوضع ما بعد 2003يتسم بفوضى عارمه مستمره وانعدام الامن ونهب الثروه وهلامية الدولة وانفصام نظام القيم والاعراف وتدهور الاوضاع الاحتماعية والاقتصادية لاوسع شرائح الشعب العراقى . ان ما ينتظرنا مصير تعيس مجهول ولا توجد علامات للخروج من هذه النفق المظلم. فى اى حال من الاحوال, ومهما تكن النتائج بين المتصارعين, فان اوضاعنا تزداد  سؤا على سؤ.
د. حامد السهيل 23/ 8/ 2019

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق