اخبار العراق الان

في أسباب استمرار عدم الاستقرار | 2 |

 د. مهندالبراك

و ماعدا إشارة الرئيس الاسبق المرحوم جلال الطالباني في خطاباته في بداية الدورة الاولى لرئاسته الى المعادن الثمينة في العراق،

لم يجرِ أي تصريح أو توضيح لأحد المسؤولين على كثرتهم و كثرة مؤسساتهم، عن الأهمية الفائقة للموضوع، خاصة و إن أكثر من 80 % من الثروة المعدنية العراقية لاتزال بكر غير مُستَغَلّة وفق بيانات لمسؤولين سابقين في وزارة النفط(1) 

الذين يشيرون الى ان المعادن في العراق أكثر عدلا من النفط، فهي موزعة على جميع محافظات العراق، وفق مسحٍ سابق أجرته هيئة المسح الجيولوجي العراقية بالتعاون مع جامعات تكريت وبابل والأنبار، الذي اعتمد على بيانات عام 1966 حين جرت أكبر حملة استكشاف جيولوجي بالعراق بتكنولوجيا ذلك الزمان، و التي مُنحت لصالح شركات بريطانية آنذاك، ورفضت حكومة بغداد حينها عروض الشركات للبدء بالاستثمار، حين كانت ترفع شعار (ضمان مستقبل الأجيال بعد نضوب النفط). و بيّن أن نحو 80% من المعادن في العراق غير مستثمرة مثل الذهب والزئبق واليورانيوم والنحاس المصنّفة ضمن المعادن النادرة، و يلفت المسح السابق إلى وجود عمليات سرقة للزئبق الأحمر، بطرق بدائية تجري في العمارة في جنوبي العراق من قبل عصابات، ويتم تهريبه إلى دولة إقليمية مجاورة للعراق.

ويشير المراقبون الى ان الشركات العالمية هي التي دفعت و تدفع الولايات المتحدة الأميركية و حلفائها الى عمليات عسكرية دولية واسعة لكسر الإحتكار الصيني للمعادن النادرة، بالسيطرة على الدول التي تملك تلك المعادن للحصول منها على أعلى الأرباح، التي تشكّل أضعاف أضعاف أرباح النفط ، و لإستثمارها بانشاء المعامل المتخصصة لتنقية تلك المعادن فيها، كبلدان رخيصة اليد العاملةـ قياساً باليد العاملة الغربيةـ و لاتخضع لقوانين الحفاظ على البيئة، كما حصل و يحصل و يخطط له في أفغانستان و العراق ، و السيطرة عليها بكل الذرائع الممكنة و بالشعارات المؤثرة، لدعم و حماية شركاتها من المنافسة الصينية الخطيرة التي تواجهها و تهددها بكساد منتوجاتها و بالتالي بالافلاس . . 

و يشيرون الى أنه إضافة الى المعادن النادرة و ابقاء المعلومات عنها بعيدة عن النشر و التوضيح، فإن العراق يعتبر أحد عمالقة انتاج الغاز الطبيعي الارضي الذي لايزال يُحرق !!! (2) عند استخراج النفط الخام، كما عبّر أكثر من مسؤول نفطي حكومي و برلمانيين، فيما تتقاتل عليه و على نقله دول العالم و خاصة الصناعية منها و دول المنطقة لأرباحه الهائلة . . إضافة الى الثروات الفلكية من النفط الخام العراقي الخفيف المتصاعد الطلب عليه و الذي تحاول الاحتكارات النفطية المتعددة الجنسيات استملاك منابعه (المعلن عنها و غير المعلن عنها) بأنواع العقود المجحفة من خلال أنواع التلاعب بالتسمية و بصياغات العقود و بالترجمة، و بالتهديد و الوعيد و إثارة الفتن الطائفية و الإثنية و جعلها و كأنها هي السبب . . 

في وقت صار فيه العراق يشكّل الجسر الذهبي في حرب نقل الطاقة و الغاز و السلاح إقليمياً و دولياً، من تأمين مصادرها الى تأمين طرق و وسائل ايصالها من المصدر الى الدول الصناعية و الجهات المستفيدة، سواء من الخليج و إيران الى البحر المتوسط او إكمال سكة حديد شنغهاي ـ المتوسط . . بتوظيف التكوينات الدينية و الطائفية و الإثنية و صراعاتها لذلك .

إضافة للتأثيرات الروحية للبلاد على شعوب دول المنطقة، من كونها مقراً تأريخياً مُزاراً لمقامات و مراجع الأئمة و الأولياء الدينيين الكبار ليس المسلمين فحسب . . و انما المسيحيين بطوائفهم و الإيزيدية و اليهود في محافظة نينوى و الموصل بشكل بارز . الأمر الذي يجعل من يهيمن عليها، يمكن أن يسخّرها لأهدافه و ينهي أهداف الآخرين في بلاد شكّلت مركزاً من مراكز الحضارة و الثقافة العالمية منذ فجر التاريخ و كانت قبلة لأنواع الأقوام و الإثنيات سواء كان إيماناً، أو حقداً لأجل التسلط . . من أور، بابل، آشور الى الكوفة و البصرة و بغداد . . حتى صارت هدفاً لركوب و تسخير أو مواجهة الموجة الإسلاموية حينها و الى الآن. 

و هكذا تصاعدت قيمة البلاد و صارت قبلة للإحتكارات الكبرى بنظر دوائر القرار في الغرب الصناعي، و سال لعاب الدول الإقليمية لإفتراسها منتظرة فرصتها الذهبية في إزالة عرش الدكتاتورية المهترئ و انفلات الأوضاع، بعد أن تسرّبت اخبار انواع الخطط الموضوعة لغزو العراق، في زمن التطورات الهائلة و السريعة في ثورة التكنولوجيا و الاتصالات و المعلوماتية، التي بدّلت الكثير من مفاهيم الصراعات و الحروب و اهدافها و سيرها في عالم اليوم . . 

و يشيرون الى أنه، للسيطرة على بلاد و تسخيرها دولةً و مجتمعاً، تصاعد في الولايات المتحدة الاميركية مصطلح (الفوضى الخلاقة) و أبرز الداعين له مستشارة الأمن القومي السابقة (كوندوليزا رايس) و نائب الرئيس بوش الابن (ديك تشيني) و فريقهما . . لمحو بلاد و إنشاء أخرى في مكانها ، الذي دخلت فيه دول الجوار و صارت تمارسه لصالحها هي أيضاً !!

و يستعين رجال علم و صحافة بتجربة الدولة الكبرى يوغسلافيا سابقاً (3) التي تحوّلت الى عدة دول، وفق سيناريو تم وضعه في مراكز الأبحاث الغربية بعد دراسة لطبيعة المجتمعات التي يراد الغاء مجتمعها وتفتيت الدولة التي تعيش فيها مجاميع بشرية مختلفة منذ قرون، من خلال تفجير الكراهيه وفق التالي : لا يتم تدمير البيوت فحسب بل هيبة المنزل، لا يتم قتل النساء والاطفال فحسب بل المدينة ايضا بطقوسها ومناهج حياتها، لا تتم مهاجمة مجموعة من الناس فحسب، بل تاريخها وذاكرتها الجماعية، لا يتم هدم النظام الاجتماعي فحسب، بل ايضا المجتمع نفسه.

والأخطر فيها هو انقلاب المقاييس بحيث يصبح الشاطر المتسلّق ذكيا، والنبيل العفيف غبيا لأنه لا يشارك في الوليمة العامة والنهب. و يصبح اللص سوياً، والشريف منحرفاً . . وغيرها من التناقضات التي تقلب منظومة القيم الأخلاقية والسياسية السوّية لصالح نقيضها، باستخدام أنواع الفرق السريّة المدرّبة في أعمال مختلفة منسّقة، و تجنيد المحلية المتصارعة الموجودة. 

فالتدمير الذي حصل في البلاد و دولتها و مجتمعها، جرى و يجري منذ و إبّان حرب الخليج الأولى وحرب الخليج الثانية التي شنّتها الولايات المتحدة الامريكية وحليفاتها، وحقبة الحصار و العقوبات الدولية ، ليصل قمته في غزو العراق في نيسان 2003 الذي حدث دون تفويض أممي ، في محاولة إلغاء مجتمعها و دولتها، رغم التاريخ الطويل لها وتعايش مكوناتها الدينية و المذهبية و الإثنية . 

و تحققت الفوضى التي نادت بها . رايس من خلال الحروب والدمار والارهاب والنهب وتغيير القيم والمفاهيم والمعتقدات، بل و تغيّر قسم كبير من سلوك الأفراد، حتى صارت نزعات الانفصال مثلاً لأسباب متنوعة، لاتثير أي رد فعل غاضب كالسابق سواء من الحكومة أو الشعب، و صار مصرع عشرات الآلاف سواء بفعل الإرهاب أو الحرب ضد القاعدة وداعش و كأنه أمر طبيعي وكذلك الرشوة والسرقة والاستيلاء غير الشرعي على أملاك الدولة، وتدخل الدول الأجنبية السافر بشؤون العراق واقتطاع أراضيه ومياهه وتشرد الملايين من مناطق النزاع وهجرة أكثر من مليون عراقي خارج الحدود و الهجرة مستمرة.

(يتبع)

———-

1. محمد فاضل الحبوبي، أحمد عبد الغني ـ صحيفة العربي الجديد.

2. راجع أعداد الايكونومست عن غاز العراق .

3. راجع كتب (محو العراق: خطة متكاملة لإقتلاع عراق و زرع آخر) / مايكل أوترمان و ريتشارد هيل وبول ويلسون . كتاب (فهم الشر: دروس من البوسنة ) /كيت داوت.

في أسباب استمرار عدم الاستقرار!

2019/08/20 07:48:57 م

الدكة العشائرية أسبابها وعلاجها

2019/08/18 06:56:55 م

مدى مشروعية منع زعزعة الاستقرارفي العراق

2019/08/03 06:31:33 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق