اخبار العراق الان

فشل الدولة على مذبح الأحزاب

حسين العادلي

• كلما رأيت دولة فاشلة، فأعلم، أنَّ من أهم عوامل فشلها يتمثل بفشل أحزابها وقواها ونخبها السياسية بالوعي والإمتثال لدورها ومسؤولياتها الوطنية،

وبالأخص أحزاب ونخب الهويات الفرعية (القومية الطائفية الجهوية) التي تتلبس زوراً لباس أحزاب دولة وهي في حقيقتها تجمّعات بدائية جهوية متشيئة على عدد الهويات والأجندات والمصالح. وعلينا التأكيد هنا: أنَّ ركود الأحزاب وتخلّفها نتيجة طبيعية للبيئة المجتمعية الراكدة الخاملة المنكفئة والمنقسمة، إنَّ مثل هذه البيئة لا تنتج سوى أحزاب راكدة غير متطورة على صعيد وعيها التأريخي وخطابها وبرامجها وسياساتها، ولا يمكن لها أن تُفرز سوى كيانات عرقية أو طائفية أو جهوية ضيقة تتبادل وإيّاها أدوار التمثيل والتعبير عن الرؤية والمصلحة في الصراع على الدولة، فمثل هذه البيئة تفتقد قوى دولة تمارس فعل السياسة في ظل قيم واشتراطات وأنظمة الدولة الحديثة.

• تتطور الدولة بتطور المجتمعات، وتتطور المجتمعات بتطور السلطات، وتتطور السلطات بالقوانين والمؤسسات والسياقات وبتطور قوى الدولة/الأحزاب. وتتطور الأحزاب عندما تتحول إلى مؤسسات سياسية صرفة، ولا يمكن أن يتطور الحزب إلى مؤسسة سياسية محترفة إلا باعتماده قيم الدولة الحديثة. إنّ تطور الدولة كمؤسسة وطنية أنتجه تطور الحياة الإجتماعية السياسية المعتمدة على تطور القوى والنخب المعنية بقضايا الدولة ومصالح جمهورها. 

• لا يمكن إدارة الحكم بقوى ما قبل الدولة الحديثة (كرؤية وسياسات وثقافة) كونها ستشكّل مصدات أمام نمو وتطور الدولة ذاتها، فمثل هذه القوى لا تعدو أن تكون سوى قوى هيمنة في رسم خارطة النفوذ داخل أطر المجتمع والسلطة، وستجذّر عندها إنقسام الدولة على نفسها وتؤسس لنواة رخوة للحكم، كونها قوى هويات فرعية ومصالح جهوية لم تستطع تجاوز تخوم الطائفة والعرق والعائلة والجماعة لإنتاج هوية ومصلحة وطنية مشتركة تسمو على العصبيات والعصبويات المصالحية الضيقة.

• عراقياً (وبعد التحرر من مذبح البعث الشمولي المستبد)، لا يمكن أن يُعاد تأسيس الدولة بما يضمن استقامة الحكم إلاّ بقوى ونخب دولة تعي اشتراطات بناء وإدارة الدولة الحديثة وتلتزم بها، فالماضوية والمصالحية والجهوية الضيقة والبدائية بالفكر والثقافة والسياسة لا يمكن لها الإتساق ومهام الدولة ووظائفها، فمهام البناء ووظائف الإدارة تتطلب أحزاباً حديثة كي تتوائم مع مقتضيات الدولة الحديثة، وهنا فلابد وأن نشهد نسقاً جديداً من قوى سياسية تتلائم واشتراطات الدولة الحديثة. كما لابد وأن تحرير الأعم الأغلب من الأحزاب والقوى الحالية من أزماتها الذاتية التي شكّلت وتشكّل مصداً يمنع من تطوّر الحكم، فلا يمكن بناء الدولة بقوى مأزومة أو ابتلاعية أو مصالحية ضيقة تعيق من تنمية الدولة وتطوّرها، فعلى مذبحها تُنحر جميع محاولات النهوض بالدولة، وعليها إعادة إنتاج نفسها بما يُنقّيها من أزماتها المزمنة وفي صدارتها: أزمة المعيار وأزمة السلطة وأزمة التضامن وأزمة الإبتلاع وأزمة الإستقلالية.

أزمة المعيار 

تعاني الأعم الأغلب من الأحزاب/القوى من أزمة معيار بنيوي يتصل بطبيعة الرؤية لبناء الدولة، إنه معيار (المكوّن) الذي اعتمدته القوى على حساب معيار المواطنة في إنتاج الدولة وتشكيل بنيتها الأساس، مما أنتج لدينا دولة (المكوّنات) العرقية الطائفية. لقد قامت الدولة العراقية الحديثة 1921م على أساس من كونها (دولة مكوّن/هوية مجتمعية واحدة)، وانتهت اليوم بـ (دولة المكوّنات) عندما تم اعتماد الديمقراطية التوافقية بعد التغيير في 2003م. لقد ضحّت الديمقراطية التوافقية بمبدأ المواطنة لحساب مبدأ المكوّن العرقطائفي، وضحّت باستحقاق الأغلبية السياسية لحساب مطبخ التوافق المكوّناتي الحزبي، وضحّت باستحقاق التعايش الإيجابي لحساب محاصصة المكوّنات وتوازن السلطة فحالت دون الإندماج الوطني لمجتمعيات الدولة. هذه البنى الثلاث هي التي ضحّت بوحدة فعل الدولة ووحدة قرارها ومؤسساتها ومجتمعها الوطني. والحلول المقترحة كافة لن تحل أزمة المعيار هذه، إلاّ باعتماد معيار المواطنة الديمقراطية، واعتماد التوافق السياسي بدل التوافق العرقي الطائفي، واعتماد التعايش الإيجابي المعترف بالخصوصيات المجتمعية والجامع بهوية وطنية مشتركة.

أزمة السلطة 

إعتمدت الأعم الأغلب من قوى الدولة مبدأ إنقسام السلطة بدل تقاسمها، فأنتجت أزمة السلطة سواء على مستوى وحدة نواتها أو وحدة قرارها أو وحدة مؤسساتها. لقد أثبتت العملية السياسية أنّ المرجعيات الدستورية والقانونية والمؤسساتية كافة غير قادرة بذاتها على توحد فعل السلطة وقراراتها ومؤسساتها، لذلك تلجأ القوى السياسية عند كل أزمة الى التوافق خارج أطر الدستور أو تذهب إلى ترحيل الأزمات دونما حل!!.. فالحل رهن الحسم، وإحدى أهم سلبيات التوافق العرقطائفي الحزبي أنه يصادر الحسم،.. لقد نسيت أو تناست القوى السياسية أنّ وحدة الدولة والسلطة لن تتأتى إلا من خلال مبدأ العلوية والحسم،.. وعبر التأريخ لم تنجح دولة تتسلح مكوّناتها العرقية الطائفية بالتوازن والفيتوات المتقابلة بل كان الصراع وكان التقسيم مصيرها.. إنّ الحسم الشرعي تنتجه واحدية مؤسسات السلطة الشرعية للدولة والإذعان لها وحمل الجميع على سكّتها.

أزمة التضامن 

لن تقوم دولة إلاّ بالتضامن الوطني، فبناء الدولة مسؤولية تضامنية بين مواطنيها وحُكامها ومؤسساتها وقواها السياسية، ومتى ما انتفى التضامن انهارت الدولة. ومبدأ التضامن ما زال غائباً في ثقافتنا السياسية سواء في بُعد التأسيس للدولة أم في بُعد وظائفها وإدارتها،.. وفي كلا البعدين لابد من التحلي بالمسؤولية التضامنية لضمان التأسيس السليم للدولة والأداء الناجح في إدارتها. وعلى مدى الأعوام المنصرمة من عمر العملية السياسية تضامنت الأمة العراقية –بشكل وآخر- مع قواها السياسية، لقد استجابت لها وتفاعلت معها ورفعتها الى السلطة ومكنتها من زمام الدولة على أمل البناء السليم لتجربة الحكم وتخطي المصدات وتجاوز التحديات،.. وللأسف، أنّ معظم القوى السياسية لم تتضامن مع جمهورها فتكون قوى استجابة على مستوى تحديات البناء والإدارة الصالحة للبلاد، بل اتخذت معظم القوى الشعب سبيلاً للوصول الى السلطة، سلطة التوافق والمحاصصة والإمتياز. والأنكى انتفاء التضامن بين القوى السياسية المعنية بفعل الدولة تأسيساً وإدارة، فانعدام الثقة وانتفاء التضامن المتبادل هو السائد بين الإخوة (الأعداء). أقول: الدولة مؤسسة وطنية تضامنية لا تحتمل تعارض الرؤى والسياسات والمصالح العليا، فذلك يقود لا محالة إلى انشطار الدولة وانقسام السلطة وتشتت المجتمع.

أزمة الإبتلاع 

أتت العملية السياسية لتؤكد أزمة ابتلاع الأحزاب للدولة، من خلال اعتمادها لنظام المحاصصة الذي أنتجه التوافق العرقي الطائفي الحزبي وليس التوافق السياسي الصرف. والإبتلاع من الخطايا الكبرى التي تحول دون بناء وتكامل الدولة. لقد نسيت أو تناست معظم قوى الدولة: أنّ الدولة تمثل كيان أُمّة، وحيادها وأبوتها شرطان أساسيان لإستقلالية شخصيتها المعنوية والقانونية والمصالحية، وليس من حق الحزب الفائز انتخابياً ابتلاع الدولة، فالدولة كيان قانوني مؤسسي يمثل الأمة وسلطاتها هي المعنية بإدارة شأنها العام ومصالحها العليا، ومهام القوى الفائزة في الإنتخابات إدارة فعل الدولة لا ابتلاعها، ومساحة اشتغال الأحزاب (الحكم) لا (الدولة)، وأي تمدد لرقعة وجودها على حساب الدولة سيقضي على مشروع الدولة. إنّ نظام المحاصصة العرقطائفي الحزبوي للدولة هو الذي قاد إلى ابتلاع الدولة لتتشظى على عدد طوائف وأعراق وأحزاب الدولة لتعيش (الدولة) أزمة وحدة وأزمة نزاهة وأزمة إدارة وأزمة فاعلية. إنَّ نظام المحاصصة الحزبي للدولة هو الذي أوجد لدينا دولة أحزاب لا أحزاب دولة، وهو الذي قاد إلى خلق إقطاعيات سياسية اقتصادية تعتاش على الدولة لا أن تدير فعل الدولة، وهو ما أسس لإقطاعيات حزبية احتكارية متجذرة تعيد إنتاج نفسها عند كل استحقاق انتخابي كونها تشتغل على أساس من تمثيل القومية والطائفة في نظام التمثيل وحماية المصالح، فتكون هي المستفيدة النهائية من نظام المحاصصة العرقية الطائفية، ولا يمكن إنجاح مشروع الدولة إلا بتحريرها من نظام المحاصصة الذي أنتج أزمة الإبتلاع.

أزمة الإستقلالية 

إذا ما فقدت الأحزاب والقوى شرط استقلالية الإرادة والقرار، عندها لا تعدو أن تكون سوى صدىً لقوى الخارج وأجندته ومصالحه، وعندها ستؤسس لدولة مستباحة وحكم مأسور متناقض بتناقض مصالح الأجنبي وحيثيات نفوذه وصراعاته. إنَّ الدولة المفعول بها هي الدولة التي تفتقد الإرادة الوطنية في تعبيراتها السياسية والإقتصادية والسيادية. ولا يمكن الظفر بالدولة ومصالحها إلاّ بقوى ونخب دولة وطنية لا قِبلة لها سوى عاصمتها ولا سارية لها سوى عَلمها ولا ناصية لها سوى خصوصيتها ولا مصلحة عليا لها سوى مصالح شعبها ودولتها.

الدولة الريعية . . تجربة أميركا اللاتينية نموذجاً

2019/08/21 09:24:08 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق