كتابات

في اشكالية الحشد الشعبي

بقلم:ادهم ابراهيم

ظهر الانقسام الواضح في الحشد الشعبي جليا عندما اعلنت بعض فصائله المسلحة استعدادها لمهاجمة القواعد الامريكية في العراق، بعد قيام طائرات بقصف مواقع للحشد الشعبي قرب كركوك والدورة وبلد. وقد حمل نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس، الولايات المتحدة واسرائيل مسؤولية استهداف مقارها وفي المقابل نفى رئيس الحشد فالح الفياض في وقت لاحق ماورد في تصريحات ابو مهدي المهندس، مؤكدا انها لاتمثل الموقف الرسمي للحشد الشعبي

ويذهب كثير من المحللين السياسيين والكتاب، الى التمييز بين الحشد الولائي الموالي لايران، والحشد العراقي. ولكن هذا التمييز يمثل تسطيحا للمشكلة، حيث ان الفصائل المنضوية بالحشد الشعبي كانت بالاساس ميليشيات حزبية مسلحة. مثل قوات بدر وسرايا السلام وسرايا الجهاد والبناء وسرايا الخرساني مع عصائب اهل الحق وحزب الله العراقي وكثير غيرها، وبعد صدور فتوى الجهاد الكفائي من السيد علي السيستاني، اضفيت الشرعية على هذه الفصائل المسلحة، فشكلت مع المتطوعين على وفق فتوى السيد السيستاني الحشد الشعبي وذلك بهدف محاربة تنظيم الدولة الارهابي الذي احتل الموصل والانبار وصلاح الدين وغيرها في حزيران عام 2014

ولتلافي اخطاءه وتسببه في سقوط الموصل قام السيد نوري المالكي باحتواء بعض هذه الفصائل المسلحة، مستغلا الفتوى الجهادية، فاصد اوامر ديوانية بتشكيل هيئة الحشد الشعبي، على اسس غير دستورية وغير قانونية. حيث نصت المادة 9 فقرة ب من الدستور. على مايلي(يحضر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة). وبعد خروج المالكي من السلطة احتضن بعضا من هذه الميليشيات لتكون القوة الضاربة للدولة العميقة الموازية للدولة الرسمية .

ومن هنا ظهرت اشكاليات عديدة حول مهمات وعلاقات الحشد الشعبي بالقوات المسلحة وتوحيدها شكليا مع بقاء هوياتها المتعددة. وهكذا اكتفى الجميع بالتسمية الرسمية للحشد الشعبي. ثم اصبح حشدا مقدسا رغم انه ضم في مراحل لاحقة لميليشيات سميت غير منظبطة. او ميليشيات وقحة وغيرها من الاسماء لتمييزها عن الفصائل المسلحة وفق الفتوى الجهادية للسيد السيستاني

حاولت بعض الفصائل المسلحة وخصوصا ماتسمى بالمقاومة الاسلامية جعل الحشد الشعبي مستقلا, على غرار الحرس الثوري الايراني. ثم جرت محاولات عديدة لاحلاله محل الجيش العراقي باعتباره فصائل عقائدية تتبع الولي الفقيه في ايران. بالرغم من ان كثير من الفصائل لها مرجعيات اخرى مثل السيد السيستاني او اليعقوبي او سعيد الحكيم والنجفي والفياض وغيرها

اغلب فصائل الحشد الشعبي اتخذت أدواراً سياسية خلافا للدستور لكونها مؤسسات عسكرية، ودخلت الانتخابات الاخيرة، وفازت بمقاعد كثيرة بعد ان انضوت في كتلة الفتح برئاسة هادي العامري زعيم قوات بدر وبعضها دخل مع كتلة سائرون برئاسة السيد مقتدى الصدر، فدخلت في صراعات على السلطة حالها حال بقية الاحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية

وبالرغم من وجود عناصر وطنية انضوت تحت تسمية الحشد الشعبي استجابة لفتوى المرجعية، وقاتلت ببسالة ومنهم من استشهد او اصيب او تعوق، الا ان فصائل اخرى خرجت عن الانضباط وتمردت فاصبحت لدى كثير من العراقيين خارجة عن القانون، ولكنها اضفت القدسية على نفسها فاصبحت تابو لايحق لاحد التحدث عنها باي صيغة انتقادية والا سيلقى مالاتحمد عقباه، رغم ان منظمة هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية قد اتهمت بعض هذه الفصائل بارتكاب جرائم حرب. كما ان بعض فصائلها في الموصل والانبار تاخذ الاتاوات من الناس في نقاط السيطرات، ومنهم اللواء 30 في سهل نينوى الذي سحبه رئيس الوزراء ثم تراجع عن قراره نتيجة ضغوط سياسية، وكتيبة بابليون ومكاتبها الاقتصادية التي تدير من خلالها العمليات المالية والتجارية. وغيرها

لم يستطع رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي حل الحشد الشعبي بعد الانتصار على الدواعش المجرمين. وتحرير المدن المحتلة. . الا ان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وتحت ضغوط دولية، اصدر قرارا بدمج فصائل الحشد الشعبي بالقوات المسلحة العراقية واعادة تنظيمها اسوة بالجيش العراقي، وحدد فترة زمنية لتنفيذ ذلك، الا ان رئيس هيئة الحشد فالح الفياض اصدر بيانا ذكر فيه ان هذه المهمة بحاجة الى مزيد من الوقت، في محاولة منه للتهرب من عملية الدمج

اعترض نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون على مرسوم رئيس الوزراء العراقي القاضي بادماج الفصائل في القوات المُسلحة الرسمية. وهو في ذلك يتخذ موقف المدافع عن بعض الفصائل الموالية لايران والتي تسمي نفسها بالمقاومة الاسلامية. لكي يحوز على منصب نائب رئيس الجمهورية الذي يطمح اليه، بعد يأسه من رئاسة الوزارة. مما عقد المشهد السياسي في العراق بخلق مزيد من الانقسامات في الحشدالشعبي، وخصوصا مع سرايا السلام التابعة للسيد مقتدى الصدر.

في وقت لاحق ظهر احد قادة الفصائل المسلحة في لقاء تلفزيوني يتحدث فيه باسم المقاومة الإسلامية ليعرب عن وقوفهم مع ايران في أية مواجهة مع الولايات المتحدة الامريكية!

ان هذا الموقف اضافة الى ما صرح به ابو مهدي المهندس في رده على الهجمات الاخيرة على مقرات الحشد الشعبي من انه لن يسكت على هذه الهجمات، قد احرج الحكومة العراقية .

وهكذا نجد ان الحشد الشعبي ليس كتلة واحدة متماسكة وان فصائله تعمل كل حسب اجندتها التي وصلت الى حد التنافر

ومن كل ذلك يتبين لنا عمق الخلافات بين الفصائل المسلحة المنتمية للحشد الشعبي. وموقف الحكومة الرسمي المتردد منها، وقد انعكس ذلك على قراراتها، وبدا العراق وكأنه يدار من مراكز قوى متعددة ومتناقضة.

وفي هذا الوضع المعقد، يمكن ان نميز بين ثلاثة اتجاهات رئيسة للحشد الشعبي:

الفصائل الموالية لولي الفقيه في ايران وهي التي تسمي نفسها المقاومة الاسلامية. وهي خارج دائرة الحكومة ولاتلتزم بقراراتها.

وفصائل وطنية عراقية حريصة على استقلاليتها، والتي كان لها الدور الفاعل في هزيمة مايسمى بتنظيم الدولة. الدواعش. وهي تتماهى مع الحكومة في الاندماج بالقوات المسلحة .

وفصائل ثالثة تستغل اسم الحشد الشعبي للقيام باعمال الخطف والابتزاز ونصب السيطرات لاخذ الاتاوات من المواطنين. وهي المافيات التي تمول الدولة العميقة في العراق وتتمتع بحمايتها.

ان الحشد الشعبي بتركيبته المتعددة وصورته غير الواضحة والاختلافات العميقة في اهدافه ، لاستقلال فصائله . والانقسامات تجاه مستقبله ، قد تسبب في اشكاليات عديدة سواء بعلاقته مع المواطنين، او مع الحكومة او مع الاحزاب والجهات الداعمة له. خصوصا بعد ان اصبحت بعض فصائله ملحقة بالحرس الثوري الايراني، وهو بذلك قد فتح الطريق لادخال العراق في صراعات ونزاعات اقليمية ودولية لاتحمد عقباها، مما يتطلب اعادة تنظيمه وارتباطه بالقوات المسلحة لضمان حصر السلاح بيد الدولة، وهذا ماعجز رئيس الوزراء عن تحقيقه .

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق