العراق اليوم

عذابات الامام الحسين وعذابات الشعب العراقى

دارت واقعة الطف رحاها على ارض كربلاء فى العاشر من محرم سنة 61 هجرية وسقط فيها الامام الحسين مع ولدين له احدهما رضيع, وكذلك مجموعة من الشهداء , اخوته وابناء اخوته وابناء عمومته من بنى هاشم, بالاضافة الى عصبة من اصحابه الذين قرروا البقاء معه ومقارعة جيش يزيد بن معاوية. لقد استمر الحصار من قبل جيش يزيد بن معاوية ثلاثة ايام فى صحراء كربلاء – الطف, دون ماء وغذاء  ولم يبق من اهل بيت الحسين الا النساء. بعد انتهاء المعركة سيق النساء واليتامى اسرى الى الكوفة ومنها الى الشام وفيهم  الامام زين العابدين وزينب بنت علي  تتقدمهم رؤؤس الشهداء على الرماح.
انها احداث كارثية مأساوية انتهكت فيها كل الاعراف الانسانية ولم  تراعى فيها قيم الدين الحنيف والسلوك الانسانى السوى. كانت قيادة جيش يزيد تتصرف كـ (حكام واصحاب ملك) يدافعوا عن الملك الذى يخدموه ويتعاملوا مع الامام واصحابة كمعارضين وأعداء نقوة وعنف  يجب القضاء عليهم.
       جسد الامام الحسين وصحبه الكرام نموذجا للشجاعة والتضحية من اجل الحق واعادة مسيرة الدين وتثيت اسسه وقواعده ضد الفساد والطغيان فى معركة غير متكافئة , فقد كانوا 32 فارسا واربعون راجلا امام جيش منظم كبير, وبذلك فقد كتب الحسين وصحبه من المجد المركب بالشهادة واحد  كبار رواد الثورة  ومثالا لكل الثوار المناضلين من اجل الحرية والعدل وحب الحياة وكرامة الانسان.
        ان الامام الحسين, هذا الثائر الكبيرعاش الكثير من مختلف انواع العذاب النفسى والجسدى, ولكنه مات ثائرا حرا, وهو بعد ذلك رحل الى جنات الله الفسيحة يعيش بين اعزائه واحبته, بين والديه الامام على بن ابى طالب وامه فاطمة الزهراء واخية وجده النبى الكريم. بماذا يطمح الانسان بعد مسيرة كبيرة مشرفة قدم حياته من اجل العدل   ومقارعة الظلم والتعسف من ان يعيش مع اقرب الناس اليه مرتاح البال والضمير.
      بقدر ما يمثل حزننا على الامام  الما كبيرا وعذابات لانهاية لها, ارى ان ذلك لا يتفق مع مبدئية االثورة واهدافها فى اسعاد الناس وتوفير الامن والعدل لهم. وكما اعتقد علينا ان ننشر ونؤكد على مبادىء ثورة الحسين وتعميمها فى المجتمع وبشكل خاص فى -1 -صفوف الشباب ونجعل منها منهجا للاعداد النفسى والاجتماعى والتاكيد على المبادىء والاخلاق والدفاع عن الوطن والتضحيات من اجله ومن اجل بناء شخصية قوية متضامنه وواعية بمسولياتها الاجتماعية. ان ثورة الامام الحسين لها اهميتها الخاصة, فهى ثورة انسانية كبيرة واصبحت منارا لكل ثوار العالم الاحرار الذى يحلمون بوطن امن وحياة كريمه. 
      هنيأ لك امامنا الكريم ان تعيش سعيدا مع الاعزاء اليك فى جنات الله الفسيحة, ولكن, امامنا الثائر, ان الشعب العراقى عامة ومحبى ال البيت الكرام خاصة, من شعيتك, شيعة الامام على  فى وضع لا يحسدون عليه واوضاعهم منذ سنين  تسير من سىء نحو الاسؤ,  يفتقدون الامن ويتصاعد الارهاب والجريمة المنظمة التى تستبيح كل شىء ولها من يحميها فى اجهزة الدولة المتخصصة التى  تغض الطرف عنها, اما عن السلاح الذى بات منتشرا فى كل مكان فهذا موضوع خطيرا جدا على الشعب وعلى الدولة على حد سواء, والدولة, التى لا تستحق ان يطلق عليها هذا المصطلح, لا تقوى على فرض سيطرتها علية وربما تشارك فى بلورة ودعم هذه الحالة ومع هذه الحالة يستطيعوا البقاء والاستمراء فى النهب والسلب والامتيازات الفاحشة. فى ظل هذه”الدولة” كيف يمكن ان يعيش الانسان فى امان وسلام, ان يتعلم ويدرس ويجد عملا ليعيل عائلته ويربى اطفاله ويكون حسن العشرة والسلوك فى اجواء الانتهاكات المعنوية والمادية العصيبة. لقد اصبح العيش , امامنا الثائر, فى عراق الخير محفوفا بالمشاكل والتحديات, فقد انتشر الفقر وغابت فرص العمل وتعطلت الصناعة والزراعة وتوقف البناء وخسر ابناء العراق الكثير من حقوقهم الاساسية, فالمريض لايجد الدواء والمستشفيات بدون ادويه تتفسح فيها القطط والفئران والماء الصالح للشرب غير متوفر, واذا قدر ان يمر بعراقنا العزيز سحابات المطر, قطرات الخير فانها قد اصبحت تقيلة علينا, فان الفيضان سوف يجتاح المدن وتتوقف الحياة والعمل لان المجارى قد انتهى عمرها الفعلى ولم يحصل اى تجديد واضافة على شبكة المجارى, بالاضافة الى الاكواخ والعشوائيات التى تسقط على ساكنيها. اما عن السكن والابنية المدرسية والشوارع وطرق المواصلات, فان حكومة المحاصصه وحكومة الاسلام السياسى ليس لها علاقة  بها وليس من اختصاصها وواجباتها. …الخ, ترى هل هذه الخصال تمثل مبادى اهل البيت التى يتبخترون بها فى كل مكانويذكروا دائما نصوص وحكم ومقولات للامام على بن ابى طالب دون ان يلتزموا بها, ناهيك ان تكون لها فعل عملى مؤثر عليهم, وفى حقيقة الامر انها لاتعنيهم 
      ماذا اذكر لك امامنا الثائر, ان ذكراك قد فسرها محترفى ومدعى الدين الى جلسات للعويل والبكاء والضرب على الصدور وجلد الذات, لقد حملونا الشعور بالذنب جراء ما حصل لكم  والعائلة فى واقعة الطف التى حصلت قبل 1340 سنه, وتحولت ذكراك  مع مرور الزمن, مع الجو المشحون بالالم والاسى الى جلسات فى السياسة تحمل الكثير -2 الحقد والكراهية والاستخفاف بالاخر “اخونا فى الدين” والثأر منه وفضاءا واسعا لفصم الوحدة الوطنية. واخذت تغور فى العمق التاريخى منذ “خيمة بنى ساعده” حيث بويع ابو بكر بالخلافة , التى كما تفسر من قبل المؤسسة الدينية تمثل تجاوزا على احقية الامام على بالخلافة. وتجاوبا مع القاعدة الشهيرة ” لايصح الا الصحيح”, فان كل ما جاء منذ الخليفة ابو بكر ( عدا خلافة الامام على) غير صحيح ولا يمكن الاخذ به, بل يجب تصحيحة واعادة الحق الى اصحابه, ولكنهم لا يقدم صورة لااعادة الحق الى نصابه ولا الكيفية الى يمكن العمل بها!!. ان المؤسسة الدينية الشيعية وعلمائها قد اجتهدت كثيرا فى توظيف ايات قرانية واحاديت للرسول الكريم لدعم فرضيتها, ونشا عن ذلك ادخال الامام على الى الاذان “على ولى الله” و” مظلومية الشيعة ” وحرمانهم من العمل بدوائر الدولة والظلم الذى وقع عليهم نتيجة حبهم وانتمائهم لال البيت,اصبحت احد المفردات الايديولوجية التى تشكل اطار تفكيرهم  وشرعيتها التاريخية, هذا بالاضافة الى الصعود بالائمة الاثنى عشر الى درجة” المعصومين” كأمر منزل الهي, يجب طاعتهم وتقديسهم واحياء ذكراهم فى كل المناسبات.  
       لقد انتهى زمن جلسات المواعض والبكاء والنحيب المثقل بالحزن والاسى فى اطار الجوامع والحسينيات التى يخطب بها من المحترفين الملالى والشيوخ الذى قد تربو على هذا النمط  فى قراءة المشهد الحسينى الذى يقوم على التهويل والمعجزات والغيبيات واثارة المشاعر والعواطف وتغييب العقل والمنطق. ان هذ النمط من قراءة المشهد الحسينى قد اكد على الاحكام المسبقة وابتكرت  احكاما جديدة اخرى تحمل الكثير من الاتهام والحكم وروح الانتقام. انها فى حقيقة الامر عملت, من حيث ادرى او لا ادرى, على تعميق الهوة بين المذاهب الدينية ولم تعمل على مد جسور للحوار والتفاهم وانما على العكس تماما. كانت المؤسسه الدينية الشيعية قد انتصرت فى معركة مهمة لكسب الشرعية المؤسساتية والتى اصبحت المرجعية الاساسية للشيعة التى اخذت من النجف الاشرف مقرا لها.
      ان دخول العراق عددا من تابعى المرجعية فى النجف وعدد من ابناء العوائل الشيعية الذين هربوا من العراق اثناء حكم حزب البعث الى دول الجوار العراقى واوربا وامريكا مع قوات الاحتلال جعل الاوضاع تتغير كليا, فلم يعد المشهد والعزاء والمراسيم الحسينية التى مورست فى فترة حكم حزب البعث مناسبة مع السلطة الجديدة التى وصلت اليهم واصبحوا اصحاب القرار, لقد خرجت الى الفضاء الواسع لتشمل الشوارع والضواحى والمدن, فى مسيرات جماهيرية نحو مدينة كربلاء المقدسة, افرادا وجماعات متنوعة نساء ورجالا واطفال ومن مختلف الجماعات العمريه. ان البعض منها يسير مئات الكيلومترات مشيا على الاقدام  يجدون مخيمات موقتة جاهزة تقدم لهم الشراب والغذاء بالاضافة الى امكانية المبيت, هذه الخدمات تقدمها المواكب المحلية بالتعاون مع الوقف الشيعى الذى يؤمن -3 تكاليفها المادية بشكل عام, وليس هذا فقط وانما جهاز الدولة , بموظفيه وامكانياته من وسائل النقل , القطارات والباصات لتنقل الحشود والراغبين الى كربلاء . ان قوة الحملة وكثافتها وتكاليفها المادية والبشرية تتصاعد سنة بعد اخرى, خاصة ان عدد الزائرين قد تجاوز 10 ملايين زائر  بينهم اعداد كبيرة من ايران وتركيا ودول اسلامية اخرى والدول العربية ايضا. ان هذا الرقم المليونى من عدد زوار مراسيم عاشوراء يتجاوز المعقول حيث فاق عدد المسلمين الذين يقوم بفريضة الحج فى زيارة  بيت الله فى مكة المكرمة, انهم يفتخرون بهذا النجاح الكبير وانتصارا للمبدأ؟؟. هذا التطور يدعو الى التفكير حيث قد تتجاوزت جاذبية الفرع على الاصل: اما ان يكون الاصل, اسلام النبى الكريم, لم يلحق بالتطورات التى اجتاحت العالم, وهذا لا تقبل به جميع المذاهب الاسلامية, واما ان يكون هذا التطور المفاجىء فى الفرع  استخدام حدث تاريخى كارثى وماساوى الم بحياة حفيد الرسول الكريم وعائلته واصحابه, مدفوعا بتفكير وتخطيط ستراتيجى ينطلق منه الاسلام السياسى والمرجعية الدينية لتجديد وتثبيت شرعيتها وسيطرتها المذهبية والفكرية على شيعة  العراق بشكل خاص واصبحت مؤثرا فاصلا فى حكم الدولة وتشكيل الوزارات.            ان ذكراك يا امامنا الثائر اصبحت قصة, روايه تقدم فى ايام عاشوراء مجسمة حية مثل الافلام التاريخية التى تقدمها هوليود بأحترافية عالية, وثورتك الانسانية العامة قد اختزلت الى انتفاضة طائفية تخص المسلمين الشيعة واخذت تستخدم وسيلة لاستعراض  القوة فى الصراع التاريخى حول الاحقية فى الخلافة والامامه.  ان الاشكالية الكبيرة تكمن فى  وضع الدولة ومؤسساتها فى التحضير والانجاز والتنفيذ الافضل للمراسيم المليونية وتكاد الدولة معطلة عن العمل قرابة شهرا كاملا, وليس هذا فحسب وانما يشمل ذلك ايضا اعياد ميلاد ووفاة اثنى عشر اماما من اهل البيت بالاضافة الى ميلاد ووفاة الرسول الكريم, ونصل الى نتيجة مفجعة, ان الدولة تتصرف كدولة مذهبية ” شيعية” فى عراق متعدد المذاهب والاديان والقوميات. ان الدولة معطلة عن العمل ايضا لسؤ الاداء الوظيفى والفساد المستشرى وسرقة المال العام وسيطرة الكتل السياسية بنظام المحاصصة المقيت الذى استحوذت به على الدولة وامكانياتها المادية والمعنوية. لا شك , امامنا الثائر ان هذا لا يتوافق مع مبادىء الثورة التى سعيت لها.   
                                          
فى شهرمحرم يقوم الشيعة واخرون فى مناطقهم السكنية بتقديم وجبة الطعام التقليدية (الرز والقيمه) اجرا بذكرى سيد الشهداء, ان عدد العوائل التى تقدم الطعام فى نفس اليوم وذات المنطقة السكنية كثيرة جدا وفى اليوم التالى تجده مرمى فى زوايا الشوارع والطرق. ان ما يدعوا الى التسأئل فشل جميع المحاولات لتقنين عملية الطبخ وتوزيعه فى بضعة ايام من اجل ان يصل هذا الطعام الى اكبر عدد ممكن من الذين بحاجة ماسة اليه, ولكن لم يقدر لها النجاح, وبذلك فان ملايين الدولارات تتحول الى نفايات . اما عن المواكب التى ازداد عددها بشكل متطرد التى تقدم الخدمات لزوار الامام, قد اخذت تتبارى فى تقديم الافضل والاغلى من مختلف انواع الاطعمة والمشروبات. ان هذه المواكب تمول بشكل عام – 4  من قبل الوقف الشيعى والذى يملك ثروات طائلة. لقد اخذت هذه المباراة والسباق بعدا جنونيا فقد جهزت مائدة, كما يدعى المقيمون بها, تبدأ فى النجف الاشرف وتمتد الى كربلاء, وكما تظهر فى الفلم فقد كانت الاطعمة تحمل محاصيل الصيف والشتاء وجميعها مستوردة,       
    
  نحن نسأل عن علاقة هذه الولائم الباذخة مع ثورة الحسين, حيث تصرف  مئات الملايين الدولارات  فى الوقت الذى تجاوزت فيه نسبة الفقر 30% من الشعب العراقى, هل تجمدت العقول واصبحت عقيمة لا خير فيها لتطوير طرق اخرى للتعبير والاحتفال بثوره الامام الحسين وتقدم نتائج اجتماعية واقتصادية وروح تضامنية, ام ان كل ذلك يتم وفق  مخطط مدروس بعناية ويجب ان يستمر اسلوبا ووسيلة فى الصراع الايديولوجى مع المذاهب الاخرى وتجهيل العقل وانحراف الوعى وانتصار السحر والغيبيات. ان النخبة التى تدعى انتمائها لال البيت وتسير على خطاهم وتذكر وتعيد باستمرار اقوال وحكم الامام علي وبقية الائمة بحيث اصبحت مادة مستهلكة لان الذين ينطقوا بها لا يعملوا بها ويمثلوا الصورة البشعة للادعياء. اخيرا قد اصبحوا عراة على حقيقتهم: حرامية باحتراف كبير, يسمحوا لانفسهم حب الحياة والمال والسلطة والامتيازات, ويحرموا الشعب من حقوقه الاساسية, سرقوا ثروات البلد ومكنوا الاجانب من اللعب بمقدراتنا وسوف يبيعوا البلد بأبخس الاثمان دون ان تظهر فى جباههم علامات الخجل. ان الدين الاسلامى والامام الحسين لا يتعدى ان يكون لهم وسيلة يستطيعوا بها تخدير بسطاء الناس بجرعات من الجهل وتغييب العقل من اجل  الاستمرار فى الدولة. ان  لقد اخذت الغوغاء نشاطها واخذت تصدر عنهم اصوات نشاز قبيحة فى اهانه ولعنة الخلفاء الاوائل والتشكيك فى حرمة وشرف السيدة عائشة زوجة الرسول الاكرم, وهذا يحصل على مسمع ونظر المعممين دون ان يصدرعنهم منعا وتوبيخا فى تداول مثل هذه الكلمات القبيحة التى لا تليق بصحابة الرسول وخلفاء المسلمين.     ان حالة الشعب العراقى تحت حكم الاسلام السياسى, امامنا الثائر لا يقبل بها العدو ناهيك من الصديق وذلك للخراب الذى حل بالبلد والذى شمل  جميع حقول المجتمع ومرافق الدولة, متى يتم ايقاف نزيف دماء شباب العراق ومنع زجهم فى حروب ومؤمرات لا خير فيها وطائل لها وليس لها اى جدوى. ان زمرة الاسلام السياسى والكتل المتعاونة معها سوف يستبسلون فى الدفاع عن امتيازاتهم واستمرارهم فى الحكم, انهم اصبحوا طبقة حاكمة لا تختلف عن الطغاة والسلاطين المتجبريين. انهم سوف يجابهون الشعب الذى يريد العيش ويطالب بحقوقه المشروعة والخدمات العامه التى لا تحتاج اى نقاش ولا يتورعون فى مجابهته وسوف يطلقون عليه مختلف انواع الاسلحة الفتاكة. ان هذا الفكر والاسلوب التسلطى العنيف يشمل ايضا مجابهة الاقربين والمقدسين على حد سواء بعد ان يقطعوا عنهم الماء والغذاء.                                                  
 د. حامد السهيل
 9/9/2019                                                                  -5               

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق