كتابات

الطنطاوي وبغداد

موازين نيوز
مصدر الخبر / موازين نيوز

آراء

محمد غازي الاخرس

قلت لكم إنني بصدد التعرف الى روح بغداد عبر إنصات الآخرين لها، رحالة وزوارا، عربا وأجانب. وانطلاقا من هذا أقف اليوم عند الشيخ علي الطنطاوي، المصري الأصل، الشامي المولد والعراقي الحب كما يقول.

كان الرجل قد سكن العراق ثلاث سنين فكأنها ثلاثة قرون من فرط ما خلفت فيه. كان الطنطاوي جاء من سوريا عام 1936 وسكن في الأعظمية، وعمل مدرسا في الثانوية المركزية ثم انتقل إلى الغربية ودار العلوم الشرعية، ولم يستقر الأمر له في مكان حتى تنقل من كركوك إلى البصرة قبل أن يغادر

 العراق.

 الحال أنه كتب عن بغداد مقالات كثيرة ثم جمعها لاحقا في كتاب “بغداد، ذكريات ومشاهدات” الصادر عن دار الكتب بدمشق عام 1960.

 تعالوا اقرؤوا كيف يصفها في أول نظرة لها من الطائرة، يقول: “لما بدت لي بغداد من كوة الطيارة تلوح في وهج الظهيرة كأنها حلم الحرية يلوح لسجين أقبلت انظر اليها من خلال الزجاج واقبل الماضي ماضي بغداد ينظر إلي من خلال السنين”. ثم يصفها وصفا مبهرا مستعيرا لها شكل الجنية: “لقد ولدت بغداد يا سادة، ولدت بنتا ولكنها جاءت جنية بنت جنية، أعجوبة ولدتها أعجوبة، وهل أعجب من مولودة تخرج من يد القابلة وهي ترقص وتغني وتتكلم

 بسبع لغات؟”.

نعم، واضح أن الرجل عشق بغداد قبل أن يراها، وهذا عائد لثقلها في الذاكرة وارتباطها بأزهى فترات الحضارة

الإسلامية. ألاحظ هذا الشغف كثيرا في كتب الرحالة والزائرين، فهم، في الأغلب، يأتون مدفوعين للتعرف إلى مدينة ألف ليلة وليلة لكنهم سرعان ما يفاجئهم تخلفها وقرويتها غير المتناسبة بالمرة مع ما قرؤوه عنها.أكثر من رحالة أجنبي يكرر هذه الفكرة، غير أن الأمر مع علي الطنطاوي يختلف فهو يتغزل بالمدينة تغزل المتوله المسحور ويرى كل شيء فيها جميلا وله علاقة

 بالماضي.

يقول بعد مفارقتها بسبع سنين:”أي سحر فيك يا بغداد جذب قلبي إليك فلم أُنسك، اذ أنا في بلدي الحبيب ولَم ازل أحن إليك

 وأشتاقك”. هي كذلك بالنسبة له، “بلد الأساطير والأحلام”، والشعراء والسمك المسقوف الذي يذكره بحسرة.

 بل إنها مدينة الغرام التي أنصت لأغانيها فكتب وكأنه يرى علي بن الجهم يتغزل بحسناواتها ما “بين الرصافة والجسر”، كتب:”بغداد يا معدن الحب، يولد الحب على جسرك الذي تحرسه

 العيون”.

على أن كل هذا لا يعدل عبارة ترد في إحدى المقالات تتحدث عن عراق الخمسينات ما قبل ثورة 14 تموز. كان عراقا ضعيفا مستلبا جعلت الطنطاوي يكتب “إن العراق ينام ولكنه لا يموت، انتظروا تروا كيف يفيق الأسد فيقطع هذه الخيطان التي قيده بها هؤلاء

 الصبيان”.

رحم الله علي الطنطاوي

عاشق العراق.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موازين نيوز

عن مصدر الخبر

موازين نيوز

موازين نيوز

أضف تعليقـك