اخبار العراق الان

مدافع ترامب التجارية

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 د. ناجح العبيدي

بالكاد استوعبت أسواق المال حول العالم صدمة الجولة الأولى من الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة والصين، حتى بدأت جولة أخرى تبدو أكثر خطورة وتوحي وكأن العملاقين الاقتصاديين مصممان على حسم هذا الصراع بالضربة القاضية. في البداية أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية عقابية على سلع صينية بقيمة 50 مليار دولار. وبعد رد بكين بالمثل صعّد ترامب من هجومه، وهدد بتوسيع الإجراءات الحمائية لتشمل 100 مليار دولار من الواردات الصينية. كل الإجراءات المذكورة لم تدخل حيز التنفيذ بعد، ولكنها تُنذر بأن الحرب التجارية قادمة لا محالة. فلماذا يغامر ترامب بخوض مثل هذه الحرب التي ستضر بالجميع، وفي مقدمتها الاقتصاد العالمي؟
حتى الآن يحرص ترامب – عندما يريد الافتخار بـ”إنجازات” حكمه – على الإشارة عادة إلى الأرقام القياسية التي سجلتها البورصة الأميركية في السنة المنصرمة وارتفاع مؤشرات الأسهم إلى مستويات غير مسبوقة. كل ذلك يمكن أن يصبح في خبر كان، وستندلع أزمة اقتصادية عالمية جديدة يصعب التكهن بأبعادها، إذا ما نفّذ ترامب وعيده الذي لم يترك أحداً من الشركاء التجاريين الرئيسيين، ابتداءً من المكسيك ومروراً بالاتحاد الأوروبي ووصولاً إلى الصين.
تكفي نظرة بسيطة على أرقام الميزان التجاري الأميركي التي ينشرها جهاز الاحصاء الوطني لمعرفة سبب غضب ترامب. بموجب هذه البيانات تكبّد الميزان التجاري للسلع (بدون الخدمات) في عام 2017 عجزاً تجاوز800 مليار دولار لأن الواردات تفوق الصادرات بأكثر من 50 %، وهي ظاهرة أميركية مزمنة بامتياز ولا توجد في أي بلد صناعي آخر. تقف خلف هذا العجز الهائل بالدرجة الأولى 4 بلدان، هي الصين واليابان وألمانيا والمكسيك. في عام 2017 صدرت الصين إلى السوق الأميركية سلعا بقيمة 505 مليارات (أي أكثر من نصف ترليون) دولار، بينما لم تستورد من هناك سوى 130 ملياراً. بكلمات أخرى: تُصدر الصين أربعة أضعاف ما تستورده من هناك، ليصل العجز إلى 375 ملياراً. بهذا يتسبب التبادل التجاري معها وحدها بقرابة نصف العجز الإجمالي للميزان التجاري الأميركي. وإذ كان العجز أقل مع البلدان الأخرى ( المكسيك 72، اليابان 68 وألمانيا 64 مليار دولار)، فإنه أيضا ضخم بكل المقاييس.
تشير هذه الأرقام بشكل واضح إلى حقيقيتين: أولا هناك خلل كبير في الميزان التجاري الأميركي، وثانياً إن اقتصادات تلك البلدان تعتمد بشكل رئيس على السوق الأميركية، بحيث يمكن القول فعلاً بإنه إذا عطست أمريكا، فإن هذه البلدان ستصاب بالزكام. لكن هذه الأرقام تطرح أيضا سؤالاً يبدو محيراً: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل مثل العبء الثقيل، لا سيما وأنه تكرر على مدى عقود. لم ينهر الاقتصاد الأميركي نتيجة هذا الاختلال الخطير ظاهريا لأن أميركا وبكل بساطة تدفع فواتيرها بعملتها المحلية “الدولار” الذي ما يزال يهيمن على التبادلات التجارية والتعاملات النقدية العالمية بصفته العملة الصعبة الأكثر رواجاً. وبالتالي فإن تغطية العجز لا تتطلب سوى “طبع” المزيد من الدولارات وانتقالها عبر الحدود. لكن ترامب يخشى، كما يبدو، من أن استمرار العجز بهذا الحجم سيؤدي على المدى الطويل الى انتقال الثروة القومية وهروب الرأسمال الأميركي إلى الخارج. وهذا ما يحصل بالفعل. بفضل الفائض التجاري الذي تحققه الصين مع الولايات المتحدة وبقية العالم، تحتفظ بكين بإحتياطيات هائلة من النقد الأجنبي تزيد عن ثلاثة ترليونات دولار. ومعظمها على شكل سندات حكومية أميركية وأرصدة وودائع بالعملة الأميركية. ومن الواضح أن عملية استخدامها كسلاح في الصراعات قضية وقت لا أكثر. وهذا ما يقلق ترامب أيضاً.
من جانب آخر يتعين على ترامب أن يسأل نفسه عن سبب تكبد بلاده لهذا العجز، بينما تسجل الصين وألمانيا ودول أخرى فوائض ضخمة؟ ألا تُجسد هذه الارقام قانون العرض والطلب وغيره من قوانين الرأسمالية والاقتصاد الحر التي طالما بشرت بها أميركا؟ ولماذا يحمل بلداناً أخرى وزر مشاكل الاقتصاد الأميركي؟ فالسلع الصينية غزت السوق الأميركية لأنها أرخص بكثير من نظيراتها المحلية وبالتالي ذات قدرة أكبر على المنافسة، والمستهلك الأميركي يفضل شراء سيارات مرسيديس وبي أم دبليو الألمانية على سبيل المثال لأنها أمتن وأعلى جودة من مثيلاتها الأميركية.
من دون شك هذه الحجج صحيحة، ولكنها تمثل نصف الحقيقة فقط. صحيح إن تجاوز مشكلة العجز التجاري يتطلب أيضا إجراءات داخلية لحل المشاكل الهيكلية للاقتصاد الأميركي، ولكن هناك أيضا عدم توازن في التجارة العالمية ومحاولات من قبل أطراف عديدة لتحقيق مزايا على حساب أطراف أخرى. لهذا يتهم ترامب الصين والاتحاد الأوروبي بالتعامل غير المنصف مع بلاده. على سبيل المثال يفرض الاتحاد الأوروبي على السيارات الأميركية المستوردة رسوما جمركية بنسبة 10%، بينما تخضع السيارات الألمانية الفخمة المصدرة إلى هناك لرسوم لا تزيد 2,5%. بطبيعة الحال هناك سلع أخرى يحدث فيها العكس تماماً. غير أنه من الثابت أن الولايات المتحدة تفرض جمارك أقل على كثير من السلع مقارنة بشركائها التجاريين الأمر الذي يعطي مصداقية للشكاوى الأميركية. بحسب بيانات منظمة التجارة العالمية يبلغ متوسط الجمارك السارية في الولايات المتحدة على سلع شركائها التجاريين 3,5 %، بينما تصل النسبة في الاتحاد الأوروبي إلى 5,2 %.أما في الصين فإن الأختلال يبدو أكبر بكثير حيث تقارب النسبة 10 %، أي نحو ثلاثة أضعاف مستواها لدى الجانب الأميركي.
إلى جانب ذلك يتهم ترامب الحكومة الصينية بالتلاعب بسعر الصرف وتعمد إبقائه منخفضاً لتحسين القدرة التنافسية لسلعها، وهي تهمة يرددها كثيرون حول العالم. وفي كل الأحوال فإن الدهاء الصيني نجح على مدى العقود الماضية في إقناع الدول الصناعية بمنح المارد الأصفر معاملة تفضيلية في كثير من المجالات. حتى الآن تعتبر الصين نفسها “بلداً نامياً” وتُعامل أيضاً من قبل منظمة التجارة العالمية على هذا النحو رغم أنها ثاني أقوى اقتصاد في العالم ومرشحة لتصبح الأول قريباً. لا يعبر ذلك عن التواضع الصيني المعروف، وإنما يرتبط بامتيازات اقتصادية كثيرة، منها مثلا الحصول على استثناءات وشروط ميسرة في مجال التبادل التجاري. ومن الملفت للنظر أيضاً أن بكين لا تقدم مساهمة تتناسب مع حجمها في مجال حماية البئية وفي تمويل مساعدات التنمية للبلدان الفقيرة وفي إغاثة اللاجئين وغيرها. كما تتصرف بكين كبلد نام في مجال الحقوق الفكرية حيث تقوم بسرقة التكنولوجيا وتقليد المنتجات الأجنبية على نطاق واسع دون أن تأبه كثيراً لبراءات الاختراع. من هنا يمكن فهم حماس الصين “الشيوعية” للعولمة. غير أن استغلال الصين لمزايا العولمة وكأنها طريق حرير في اتجاه واحد يثير حفيظة ترامب وشركائه الأوروبيين.
يعتقد الرئيس الأميركي بأنه يملك ما يكفي من الأسلحة لِلّي ذراع الصين وجرّها إلى طاولة المفاوضات حيث يستطيع الحصول على تنازلات تساعد في تعديل الكفة. ويستند ترامب في تصوراته هذه على حقيقة اعتماد الاقتصاد الصيني (ومعه أيضا الياباني والألماني والمكسيكي) بدرجة كبيرة على السوق الأميركية التي تعتبر بحق السوق الأعظم في العالم. في كل هذه البلدان تلعب الصادرات دور المحرك الأهم للنمو، بينما يشكل الطلب المحلي العامل الأول لتسريع عجلة الاقتصاد الأميركي المعروف بتنوعه وسعة حجمه. من هنا يمكن فهم الرسالة التي أراد ترامب أن يبعثها إلى بكين عندما لوّح مؤخراً بفرض رسوم عقابية على سلع صينية أخرى بقيمة 100 مليار دولار تضاف إلى الخمسين مليار الأولى. فهو يريد أن يقول للصينيين: أنتم لا تستطيعون الآن الرد بالمثل لأن إجمالي وارداتكم من السلع الأميركية يقل بكثير عن 150 مليار دولار. لكن في نهاية المطاف هناك تبعية متبادلة، وأي ركود اقتصادي لدى الشركاء التجاريين سيعني لا محالة تباطؤ نمو الاقتصاد الأميركي وتوجيه ضربة قوية لبرنامج ترامب وطموحاته السياسية. كما أن عودة ترامب إلى الحمائية لا تحظى بالإجماع داخل بلده نفسه، حيث انتقدت الغرفة التجارية ومجموعات عملاقة – وبالتحديد الشركات المرتبطة بالعولمة مثل غوغل ومايكروسوفت وآبل وفيسبوك – خطط ترامب في هذا المجال.
بعيداً عن الحرب الكلامية المستعرة والاتهامات والخطوات التصعيدية المتبادلة يسعى الطرفان أيضا للتهدئة وللإبقاء على شعرة معاوية تمهيداً للدخول في مفاوضات والتوصل لحل وسط يحفظ ماء وجه الطرفين، لأنهما يدركان جيداً ماذا يعني اندلاع حرب تجارية واسعة النطاق. ضمن هذه الجهود يندرج طلب الصين لمنظمة التجارة العالمية التوسط في هذا النزاع. وهو طلب يمكن أن يفهم على أنه شكوى بحق إدارة ترامب وفي نفس الوقت إبقاء الباب موارباً لأي تفاهمات محتملة.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك