اخبار العراق الان

رؤيـــة: برامج الوهم

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 ساطع راجي

ما تقدمه القوائم المتنافسة انتخابياً تحت عنوان “برنامج انتخابي” هو وهم خالص مهما كان مضمونه جميلاً ومزيناً بالالوان والانفوغرافيك ومنظماً كأهداف ووسائل وخطوات؛ ما يسمى ” برنامج انتخابي” هو جزء من ديكور الديمقراطية العراقية التي تحاول الاقناع بمصداقيتها عبر التشبه والتقليد للديمقراطيات دون الالتزام بجوهر هذا النظام الأرقى المتمثل بعبارة ” حكم الشعب للشعب من أجل الشعب” وتريد البرامج المتداولة اعلاميا القول إن مَنْ يسعى لحكم العراق أو المشاركة في الحكم يريد تحقيق أهداف شعبية محددة وسيلتزم بتنفيذها حال وصوله للسلطة وهو ما تكذبه التجربة والمنطق.
كل القوائم تعرف إن برامجها مجرد أوهام وكذلك يعرف جمهور الناخبين بمن فيهم أشد المتحمسين للمشاركة، والمتنافسون يعرفون أن الناخبين يعرفون بعدم جدية برامجهم، لكن الجميع يعتبرون وجود برنامج انتخابي معلن ضرورة اعتبارية مثل أي تقليد متوارث في مراسيم المآتم والحفلات وجلسات الفصل العشائري والطقوس الدينية، هنا التقليد هو الحاكم حتى لو كان الفعل بلا معنى مفهوم.
عبثية البرامج الانتخابية مصدرها عدم وجود أحزاب أو قوائم كبيرة فعلاً لها مرشحين في كل محافظات البلاد ويمكنها الفوز بأغلبية مقاعد مجلس النواب وتشكيل الحكومة بدون تحالفات تضم عشرات الاحزاب التي تتناقض في توجهاتها ومصالحها وولاءاتها ولذلك تتبخر البرامج الانتخابية بعد اغلاق صناديق الاقتراع مباشرة ولن يتذكرها المرشحون أو الناخبون ولم يحدث خلال سنوات أن انتقد أعضاء أو جمهور حزب ما قادتهم لتخليهم عن برنامجهم الانتخابي ونادراً ما نجد ناخباً يصوت لمرشح او قائمة بسبب البرنامج.
وما أن تخرج القوى السياسية والجمهور من خدعة البرنامج الاتتخابي المقبولة اجتماعياً مثل تحية غير مقصودة أو قبلة مزيفة يتم تبادلها في عزاء حتى ندخل في خدعة أكبر اسمها البرنامج الحكومي الذي لن تتذكره القوى المتحالفة لتشكيل الحكومة ولا جمهورها ويعتبر هو الآخر تحصيل حاصل في الديكور السياسي رغم أن هذه الخدعة تستغل كثيراً للتغطية على الأسباب الحقيقية لتأخير تشكيل الحكومات عبر القول ” التفاوض لا يجري حول تسمية المرشحين للمناصب الوزارية وحصة كل كتلة وإنما هناك مفاوضات عميقة حول البرنامج الحكومي وحال الانتهاء منه سنبدأ بالبحث عن المرشحين المناسبين لتنفيذ البرنامج” ويتم تداول التصريح في وسائل الإعلام بينما يعرف الجميع إنه كاذب.
تهيمن الطقوسية والمظهرية على العمليتين الانتخابية والسياسية في العراق ولذلك يتم ترديد عبارات متشابهة ورفع شعارات مستنسخة في الغالب والتباهي بمهن معينة للمرشحين، فأحد المرشحين مثلاً يملك مصرفاً لكنه يقدم نفسه باعتباره مهندساً، ومرشحة تصر على إنها طبيبة بينما هي لم تدخل مستشفى أو عيادة إلا كمريضة أو زائرة منذ عشر سنوات لأنها تعمل سياسية لا غير، هؤلاء يعتبرون إن كلمة مهندس أو طبيب أفضل من تاجر أو سياسي لانهم يعرفون تفضيلات الجمهور ولذلك يصرون على كلمات غير صادقة والقوائم بدورها تصر على استخدام كلمات غير صادقة تسميها برامج لأنها جزء من الشكل العام المحترم والجمهور يريد ايضا برامج حتى لو لن تنفذ، الجمهور لا يحب قائمة عارية من البرنامج حتى ولو كان لايستر عورة ولا يحمي من الانواء.
المصدر الاكثر سوءاً وخطراً لوهمية البرامج الانتخابية هي اننا في بلاد لا نعرف الى أين تسير؛ مثلا يمكننا العودة الى فقرات من البرنامج الحكومي الذي وضع عام ٢٠١٠ وسنشبع ضحكاً مبكياً على مسار الاربع سنوات التي اختتمت باجتياح داعش الارهابي لمساحات واسعة من العراق.
منظومة بلا أهداف ثابتة بالتأكيد ستبقى تتجه نحو المفاجآت الحزينة مهما كانت الظروف ملائمة للتقدم نحو الافضل، من يمتلك دكاناً يفكر بمستقبل هذا الدكان في عامين أو ثلاثة ويفترض في من يدير مجتمعاً أن يعرف مستقبله.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك