اخبار العراق الان

قضية للمناقشة: عن صراع الأجيال

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 فريدة النقاش

سألني زميل صحفي عن المكونات التي أراها ضرورية وأساسية لمشروع تقرير جديد يليق بما أنجزه الشعب المصري في العقد الأخير ضد الطغيان والفساد ، ويؤسس لمرحلة جديدة تنفتح فيها الآفاق أمام المستقبل الذي حلم به ملايين المصريين وهم يتدفقون إلى الميادين والشوارع حتى أذهلوا العالم كله بقوة خيالهم وبصيرتهم ، وهم يبلورون أهدافهم العليا بصورة عبقرية وبسيطة ، في الأيام المجيدة لموجات الثورة .
وقبل أن أرد على زميلي ، سألته أنا بدوري : هل تثق حقاً فيما تقدمه لكم الأجيال السابقة عليكم ، وهل ترون أن أفكار ورؤى هذه الأجيال ـ والتي أنتمي أنا إليها ـ يمكن أن تكون فعالة وصالحة للحياة ، لم يتوقف زميلي ـ الذي يفخر بتعريف نفسه بأنه ابن الثورة ـ وكان قد شارك في كل موجاتها فجرح ورأى أصدقاء وزملاء له يسقطون في الميادين شهداء وجرحى .
لم يتوقف أمام السؤال ، بل توقف أمام ضمير الجمع أو ما سماه هو التعميم قائلاً : إن من الأجيال الأكبر منا مثقفين تصالحوا مع واقع الطغيان والفساد وتجريف البلاد من أجل منافع صغيرة ، وقدموا لنا ما سماه دروساً في الانتهازية والنفاق والأنانية المفرطة ، وقلة فقط هي التي واصلت الإمساك بالجمر ـ ونحن ـ واستخدم هو أيضاً ضمير الجمع في الإشارة إلى شباب الثورة ـ وتحدث بمرارة عن الذين يقبعون منهم في السجون وقد هاجمتهم الأمراض إضافة ـ إلى لا مبالاة المجتمع إزاء محنتهم ، وعذاب أسرهم وأصدقائهم بعد أن نزلت ستارة الإنجازات على كل ما عداها من قضايا وتساؤلات في محاولة لجعل المصريين يمحون من ذاكرتهم تماماً كل مآثرهم في سنوات الثورة ليركزوا اهتمامهم على مسألتين أساسيتين : الإنجازات ومحاربة الإرهاب ، ولكن الزميل أكد وهو يستخدم ضمير الجمع : نحن لن ننسى أهداف الثورة حتى في أصعب الظروف .
خلق هذا الوضع الجديد مسافة باردة بين رؤية شباب الثورة لواقع الحال ، ورؤية الأجيال السابقة عليهم وحاولت في ردي على زميلي الصحفي أن أكون دقيقة قدر الإمكان في إعادة تقديم الأفكار الأساسية التي طالما عرضتها ودافعت عنها قبل موجات الثورة وبعدها ، وفي ظني أن هذه الأفكار ـ التي لا تخصني وحدي ـ كانت قد لعبت دوراً في تأسيس الوعي الجمعي للمصريين ، أي أنه كان للمثقفين الممسكين بالجمر كما وصفهم زميلي الشاب ـ دور في العمل المجيد الذي قام به الشباب في موجات الثورة المتوالية ، ولو أنه صغير وغير محسوس .
ويحلو لكثير من المحللين المتعجلين أن يتحدثوا عن شابات وشباب الثورة بإعتبارهم أجيالا بلا أساتذة ، وأن معلمهم الأوحد هو الإنترنت ، ويقودنا التحليل العلمي الموضوعي والرؤية العقلانية للتاريخ إلى حقيقة ما أسميه الاتصال والانفصال ، فالشئ المؤكد أن الأجيال الجديدة من الثوار وبينهم ـ شابات رائعات ـ قد تعرفت بصورة أفضل على إمكانيات ثورة الاتصال ، وآفاق التقدم لا حدود التي فتحتها أمام كل صاحب مشروع جدي لتغيير العالم إلى الأفضل ، ولكنهم أيضا شربوا من المنابع الصافية التي حفرتها الأجيال السابقة عليهم بصبر وأناة ، ودفعت الثمن راضية ، وكما تعلم اللاحقون من السابقين تعلم السابقون من شباب وشابات الثورة الكثير ، وذلك هو محور ما أسميه بالاتصال .
وكررت إجابتي التي طالما قدمتها لشباب الصحفيين والصحفيات عن الأسس الأربعة الكبرى للنهضة والتنوير ، أي إعادة النظر الشاملة في التعليم مناهج وأدوات ومعلمين ومعلمات لا فحسب ليواكب العصر ، وإنما أيضا ليعلم النقد ويفتح الباب للأسئلة بدلاً من الأجوبة الجاهزة ويلغي التلقين ليحل الحوار محله ليصبح التعليم عملية ديموقراطية شاملة .
ويأتي الإعلام في المرتبة الثانية ، وكم طالبنا ونادينا بضرورة مراعاة الفروق الأساسية بين الدولة والحكومة حتى يصبح الإعلام المملوك للدولة قوميا بحق لا بالاسم فقط ، وحينها سوف يكون هذا الإعلام رادعاً لفوضى الإعلام الخاص ، ونزوات بعض رجال الأعمال الذين يملكونه .
أما المؤسسة الدينية إسلامية ومسيحية فقد أثبتت في جل ممارستها أن التغيير الشامل لها لن يأتي إلا من خارجها ، أي من مجتمع سياسي وثقافي علماني بحق يدفعها دفعاً لمواجهة تحديات العصر الحقيقية ، والسير على خطى التقدم العالمي الذي قطع أشواطاً بعيدة المدى في إبعاد الدين عن السياسة محققاً للشعار الذي كانت قد أطلقته الثورة الوطنية المصرية في بداية القرن العشرين ” الدين لله والوطن للجميع ” .
وتبقى مؤسسة الأسرة التي لاتزال خاضعة في الغالب الأعم للقبضة الذكورية الأبوية التي يعززها القانون فتجر المجتمع إلى الوراء بينما العالم يجري .
وهنا تبرز لنا الأهمية القصوى لما أسميه الثورة القانونية التي ينسف فيها المجتمع كل التشريعات التي أصبحت خارج التاريخ وهو ينظر إلى حيث يتجه العالم كما قال لنا ” طه حسين ” .
تحتاج النهضة والتنوير إذن إلى منظومة من القوانين والقيم والأعمال التي لايمكن إنجازها دون صراع ممتد ، لا صراع بين الأجيال كما يُبسِط البعض الأمر ، وإنما صراع تنخرط فيه كل قوى المستقبل من أجل وطن حر وشعب سعيد يجني فيه هذا الشعب ثماراً لأشجار باسقة زرعتها أجيال وأجيال وسوف تواصل زراعتها ، والشرط الأول ليكون هذا الصراع صحياً هو انتزاع الحريات العامة من قبضة الأمن.

 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة المدى

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك