منوعات

الشعر والتبادل السلعي

الصباح
مصدر الخبر / الصباح

  د. حسين القاصد
 حين تأسست الدولة العراقية الحديثة ، لم يجد الملك فيصل في البلد ملمحا من ملامح المجتمع الكامل ؛ بل لم يرث دولة عن حكومة سابقة . ان ما وجدته المملكة هو مساحة من الأرض كانت تخضع لسيطرة العثمانيين ، وكان يحكمها والٍ عثماني ، قبل أن يحتل البريطانيون العراق ، وتقوم ثورة العشرين . وهي دولة من شعب متشظ ، وموزع بين القبلية والولاء للماضي العثماني . فلا مؤسسات ولا ملامح دولة . 
ولاشيء من السياسة . ولا ازدهار إلا للهموم والقبلية والإقطاع والتخلف والتمزق الطائفي الذي أسهمت به الدولة العثمانية أيما إسهام . لكن الشعر الذي كان يترعرع في القصور وفي الحلقات الدينية بالمساجد ، كان هو الوحيد الصالح للاستهلاك اليومي ، وكان يقال لمدح الولاة ويقال في الموالد والأفراح ، والمناسبات الدينية ؛ وهي مرحلة ” العقم ” التي أشار لها د. علي عباس علوان. 
وكان من بين الشعراء من عمل في البلاط العثماني وجرب قصائد المديح ، وحصد نتائجها من هبات ومناصب وحظوة عند السلطات ، وهيبة ” مشوبة بالخوف أو التملق للسلطة ” من البسطاء لشاعر السلطة وصاحب الجاه الذي يمكنه أن يكون وسيطا لحل مشاكل البسطاء ؛ لكنه نادرا ما كان يمثلهم شعرا ضد ولية نعمته ” السلطة ” . ومثلما ذكر د . علي عباس علوان فإن الشاعر كان يجتر الموروث الشعري اجترارا ، وكانت سطوة المتنبي وغيره من شعراء الدولة العباسية واضحة بقوة ، فالشاعر لجأ في حينها إلى الطريق المجرب الذي يوصله للسلطة ، فضلا عن كون أغلبهم لا يملكون أن يخرجوا من إطار القديم ومواكبة العصر الذي لم تتضح ملامحه لهم ؛ وكيف لها أن تتضح والشعراء قانعون بما لديهم وفرحون بما تدره عليهم قصائدهم . 
يقول ادونيس : ( إن الثقافة التي ورثها المجتمع العربي من ” عصر النهضة هي ، بعامة ، ثقافة قبول وتكيف . أو هي ثقافة استهلاك تسيطر عليها قيم التبادل السلعي ) ، لذا فإن السلعة الوحيدة الجاهزة في بداية تأسيس الدولة العراقية هي الشعر ، ومن هذا المنطلق حمل الشاعر سلعته إلى المستهلك ” الملك ” فصُدم أن الملك ليس بحاجة لها ، ولا يعنيه شراؤها ، وهو ما حدث مع عبد المحسن الكاظمي والزهاوي والرصافي ، على الرغم من اجتهاد الزهاوي والرصافي في تحسين نوع سلعهم ، لكن الاهتمام والتحسين لم يشمل ما يقدم للملك ـ ربما كان متوافقا مع كون الملك من البيئة المستهلكة نفسها ـ الأمر الذي أسهم في تراجع القصيدة فنيا لاسيما القصيدة الموجهة للسلطة ، أو تلك الموجهة لعامة المستهلكين من ملك وشعب ، وقد كان اغلبها لا ينتمي إلى الشعر إلا بمنظور الوزن والقافية. 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من الصباح

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك