منوعات

بيان ريحانوفا وصورة الولي في الموروث السيري

الصباح
مصدر الخبر / الصباح

 د. نادية هناوي
تعد كتابة السير الشعبية وتوثيقها مرحلة لاحقة لمراحل طويلة وكثيرة ظلت فيها هذه السيرة قابعة في الحاضنة الشفاهية للمخيال الإسلامي وصارت من ثم جزءا لا يتجزأ من حضارة الشعوب وثقافاتها وإذا كان الموروث السيري لا يخلو من توظيف للخيال فإن هذا ما أعطاه بعدا أسطوريا وأثرا روحيا واجتماعيا يعمل على مستوى اللاوعي الجمعي. ولا يخفى الدور الثقافي الذي تؤديه السيرة الشعبية في احتفاظ كل شعب بسماته التي هي في الاغلب سمات تقوم على المصالحة العرقية واللغوية والتسامح ما بين الطوائف والاديان ولعل هذا هو سر اهتمام المستشرقين بها متتبعين مظاهرها في الثقافة الإسلامية ومؤكدين دورها في صياغة الهويات الثقافية للأمم التي دخلت في الاسلام.
وقد ظلت الحاضنة الثقافية لهذه المرويات السردية على اختلافها شفاهية، ولم تدخل التدوين إلا بعد أن تخلصت من التهم التي ألصقتها بها الثقافة الرسمية الأبوية ومنها خطورتها على الأخلاق والعقيدة.

المسكوت عنه
 حتى أحالت تلك النظرة الشكية والدونية لهذه المرويات إلى أن تكون هامشا قابعا في الخفاء متسترا بالليل والراوي قد يكون رجلا وقد يكون امرأة ولعل هذا الاحتمال الأخير هو الغالب والسبب أن هذه المرويات ولا سيما السير تعلي من شأن المرأة ولا تزدريها كما لا تشوه صورتها وقد تعليها على حساب الرجل مستأثرة لها بالبطولة والمركزية.. فضلا عن كون هذه المرويات تتناول ما كان مؤرخو التاريخ الرسمي قد تناسوه وحاولوا إغفاله والسكوت عنه..
 وهكذا سخَّر الموروث السردي الوعي الجمعي لا ليؤرخ لما حدث وإنما ليمثل الذين شاركوا في الحدث.
وتولي الباحثة والمستشرقة البلغارية الدكتورة بيان ريحانوفا اهتماما كبيرا بالأدب العربي بقديمه وحديثه. وجديدها هنا هو اهتمامها الواعي والمكثف بالجوانب الثقافية للمخيلة الاسلامية العربية وغير العربية. ولا يخفى ما يتطلبه هذا التوجه من توغل في الأنساق غير المعلنة ولا الظاهرية التي لم يكن النقد الادبي قد سلط اضواءه عليها مكتفيا بالمرئي من أنساق الموروث الأدبي المكتوب
 وليس الشعبي.
حتى ظل كم كبير من ذلك الموروث مخفيا قابعا في انساق مضمرة ومن تلك الأنساق ما يتعلق بالمقدس مما اختزنته الذاكرة الإسلامية عن التصوف بوجه خاص، وهو ما عنيت الباحثة ريحانوفا بالتوجه نحوه في كتابها الصادر مؤخرا عن عالم الكتب الحديث في الأردن والموسوم( ظواهر الثقافة العربية الاسلامية قراءات تطبيقية) 
وقد تناولت في الجزء الخامس من هذا الكتاب التصوف بوصفه ظاهرة روحانية، متتبعة نشأته في بيئات ثقافية جديدة ومنها بلغاريا التي شهدت ظهور مدرسة في التصوف أبان الخلافة العثمانية وكان مؤسسوها متصوفة دراويش تأثروا بفكر الشيخ الاكبر ابن عربي وهم الذين نشروا الدين الإسلامي وأشاعوه  بين السكان
 الأصليين.

الوالي عثمان بابا
وفي هذا العرض التاريخي أهمية بإزاء الكيفية التي استقرت بها صورة المتصوف/الولي في أذهان سكان بلغاريا ليظهر أحد الدراويش الذي سيحدث تغييرا ويترك أثرا مهما في تاريخ التصوف الاسلامي وهو الولي عثمان بابا ( 780ــ 883 هـ ) المولود في خراسان والمهاجر من الاناضول والمستقر في جنوب بلغاريا والذي كانت له تكية أو زاوية يدرّس فيها طلابه وفيها أيضا يؤدي أتباعه ومريدوه طقوسهم لتكون هذه التكية فيما بعد ضريحا لرفاة هذا الولي ومزارا ثقافيا
 ودينيا. وبحسب د. ريحانوفا أعلنت الدولة البلغارية مزار عثمان بابا أثرا ثقافيا عام 1970 كما تناولت المستشرقة تاريخ تأسيس الضريح وما قاله الرحالة في مؤلفاتهم عنه ومنهم الرحالة اوليا تشلبي في رحلته الى الاراضي البلغارية في اواسط القرن السابع عشر كما أن للمستشرقة كاتيابكوفا أقوالا مهمة حول الضريح منها توكيدها أنه بني العام
 913 هـ ـ 1508 م 
لكن المهم في ذلك كله هو الاهتمام البحثي بالحكايات والسير المتعلقة بالطريقة التي انتسب بها الولي عثمان بابا الى فرقة عبدلي روم وعلاقته بالطريقة القلندرية التي هي في الاصل أناضولية. 
 ويبدو أن صفة التجوال والتقشف الحياتي والغنى الروحي والفكري الذي أمتاز به أتباع هذه الطريقة هو الذي جعل عثمان بابا قلندريا في توجهه الصوفي. وتنقل د. بيان ريحا نوفا عن الباحثة البلغارية غرامتيكوفا ترجيح تأثر الولي بأبي يزيد البسطامي الملقب بسلطان العارفين وحجتها في ذلك الأسلوب الديني المتمثل في إظهار الطاعة الخالصة وتفضيل الاختفاء الجماعي على الظهور
 الفردي..
 وهذا ليس غريبا فالمتصوفة عموما كانوا في مخاصمة مستمرة مع الفقهاء الذين جعلوهم هامشا على مستوى الحياة الاسلامية وعادة ما كان هؤلاء الفقهاء من الموالين للسلطة الرسمية والسائرين في ركبها 
مناصرة ودعما. 
وظلت مكانة الولي عثمان بابا وسيرته شفاهية ولم تدون وتترجم إلا بعد وفاته على يد مرافقه كيونتشيك تحت اسم ( بولاتينامة) وتبع هذه الترجمة ذكر لكتب أخرى ألفها شيوخ وباحثون اخرون عن الولي.. وما هذا الاهتمام بالتوثيق السيري للولي إلا بسبب مناقبه التي سيقت في إطار سردي عاكسة أثرا ثقافيا مهما كان قد تركته سيرة هذا الولي في نفوس اتباعه
 ومريديه. وتذكر د. ريحانوفا بعضا من المؤلفات التي كتبت في القرن العشرين ودارت حول سيرة الولي عثمان بابا وما حوته من مخيال اسطوري عن اسمه واصله واختلاط كثير من إخباره التاريخية بالخيال لاسيما ما يتعلق بجذباته وكراماته التي وقف عندها المستشرقون فوجدوا أنها السبب في اعتراف شيوخ الدين وأئمته آنذاك بالولي عثمان بابا حتى لقبوه” بقطب الأقطاب وقطب الزمان وصاحب الولاية ونور الحكمة وسر العالمين”
 الكتاب/126 
ومعلوم أن صورة الولي تندرج تحت طائلة المهمشين من المتصوفة والسبب أسلوبهم الخاص في التعاطي مع الكون وطريقتهم في التفسير للموجودات والإلهيات وعدم انغلاق تصوراتهم على الإسلام منفتحين متصالحين مع مختلف الطوائف والاديان متعاطين الفلسفة ومعارضين السلطة. وهكذا ظلوا خارج إطار المركز لكنهم حافظوا على مكانتهم في الهامش حتى حفظتهم الذاكرة الجمعية ولهذا كانت الكرامات والبركات موضع ايمان عند عوام الناس قاطنة في مخيالهم الإسلامي.
ومما تذكره المستشرقة عن سيرة الولي عثمان بابا في كتابها موضع الرصد هو حكاية عن رؤيته متحركا بواسطة السحاب وكذلك حكاية عن كرامته المتمثلة بثلاث صخور تسمى بيتماكيا تحوي الاولى ثلاث نقر اثنتان منها للحافرين الأماميين لحصان والثالثة هي لقدم الولي عثمان بابا والصخرة الثانية نُحت عليها اسم الشيخ الولي وفيها ينبوع ماء وتتعلق حكاية الصخرة الثالثة بالإخلاص في الدين التي بها يختبر الانسان في ولائه. 

رمزية المكان
وليست الكرامات هي ما حفظته الذاكرة الشعبية فحسب بل إنها وسمت صورة الولي بسمات البطل الشعبي كالفروسية والايثار والترحال وكيف أن الزوايا والكهوف والغابات هي الاماكن الاثيرة عند الولي ليعتزل فيها وما قد يفضي إليه هذا الاعتزال من كتشف للمعرفة وهذا ليس جديدا في الوعي الجمعي الإسلامي الذي شاع فيه أن الكهوف هي موطن العرفان والتنوير 
والاشراق.
حتى صار للمكان في المخيال السردي منزلة خاصة وغدا رمزا روحانيا عند المتصوفة وهذا ما امتاز به ضريح الولي حتى حاز على القدسية، الأمر الذي انعكس في شكل ظهور تكايا بالقرب من الضريح مقلدة طراز بنائه المعماري من ناحية العلو والارتفاع والالتفاف بالاشجار والحيطان السبعة والقبة والاعمدة والنقوش والزخرفة مما كانت قد عرفته مزارات الشرق الإسلامي عموما والمشرق العربي في العراق ومصر وسوريا 
ولبنان تحديدا.
وتضيف الباحثة ريحانوفا حكاية شعبية أخرى هي من مخزونات الذاكرة الجمعية تتعلق بقبرين وجدا بالقرب من ضريح عثمان بابا باسمي حسن وحسين ويعتقد انهما تؤمان وهما من مريدي الشيخ عثمان بابا وانما سيقومان بمعجزة بعد ان يزداد عدد القبور.  وبهذا تحمل سير الصوفية تجليات متعددة منها صورة الولي في تسامحه الديني وإخلاصه الروحي وتفانيه في طريقته، حتى يغدو مزارا لمريديه والموالين له، بعيدا عن أي
 تعصب أو انغلاق.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من الصباح

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك