منوعات

أكيــاس

الصباح
مصدر الخبر / الصباح

 ابتهال بليبل 
الأكياس قد تسعنا في بعض الأحيان. يختلط عليها الجسد الحي والميت. ثمة ألوان داكنة تذكّرني بشيء ما كان يثير الشبهات. تهمة هو في الأصل: حدس، هو أكبر من الشك، وشاية تصطاد صوتي، هذه نهايتي مثلاً، كيس يغطي وجهي.. معصوبة العينين أسقط داخلي، بينما الظلال تنبعث من حولي بالمعنى ذاته الذي كنت أفسّره بعد كل قيلولة. 
كياسة جدة
عندما تذهب عتمة المطبخ نحو ضوء باب الثلاجة… 
عادة ما أتلصّص على طبق لسّلطة الخضار، خشية تعرضها للتلف، منذ انتزعتها من أكياس وضعتها هكذا وحيدة مصابة بالإهمال على حوض 
الغسيل. 
لقد كنتُ أظن أنّ رائحة العفونة تتسرب من الثلاجة.. لكن لتحسس قديم من أكياس النايلون، ترك المعاد تصنيعه منها إشارات ملتبسة تثير المواجع في رأسي… تذكرتُ الخباز الذي كان يزمّ شفتيه بغضب على ركامها، تاركاً الأطفال لانتظار منظم حتى يبرد الخبز الساخن 
داخلها.
المطبخ، في هذه الليلة، كأنه كيس يحترق… عشرات الوجوه العابرة، أراها بأشكال وملامح نفسها، لقد ظننت للحظة وكأنني أعبر معهم، ولكن مثل ذبابة على شبابيك النائمين من الجوع. 
تلك الشبابيك الخاوية إلاّ من انعكاس وجه جدتي التي كانت تخبئ ملابس خالتي بعد أن تدسّها في أكياس سود… الملابس التي كنا نسرقها سراً بما يسمح لأجسادنا التخفيف عن
 عريها.
كياسة جدة… هكذا يمكن أن نصف أم لا تريد لجسد أبنتها أنّ يشيخ بعيداً عن الألوان، والازرار، والقمصان.. المدهش أنّ القمصان كانت لا تناسب جسدي، ولكنها قادرة على القيام بالمهمة. 


المساواة الزائفة
ربما موضة تنورة الكيس الورقي التي كنتُ أرتديها…كانت ترغمني على المشي متطأطئة الرأس، مثل عدّاءة لسباق المسافة 
الأطول.ولم أستطع تفادي اللواتي اجتازني، وكأنّني في ماراثون لألعاب القوى. 
لقد أصبتُ بكدمات عقب سقوطي وتعرضت للضرب على مسافة غير بعيدة من خط النهاية.
تنورة الكيس الورقي.. 
لابّد أنّ موضة هذا الموسم -كما يتضح من اسمها- لا تخلو من نوايا احتجاجية أو حقوقية… التنورة التي لم تكن حكراً على الرجال الأسكتلنديين والأيرلنديين يرتدونها أيضا، الآن ملأت الفاترينات المضيئة.. واخترقت ضجتها غرف النساء ومدارس الفتيات، في عصر الحب الإلكتروني، وقلوب مهمتها تأمل أحوال الطقس داخل الموبايل يوماً بعد 
يوم.
الآن.. سأجربها بحذر لا يوقظ الانحناءات البارزة عند الخصر.. ولن أنسى زيادة الوزن بفعل الكورتيزون، ولا التغييرات الفيسيولوجية أثناء الحمل، ولا تراكم الدهون وكل ذلك مما يتلف أعصابي حتى تحولتُ هكذا لكيس من كائن لا أعرف اسمه بل اسم عشيرته.
لن أخبرك أنني قد تحملت أعباء موروثة من العبودية بحثاً عن المساواة الزائفة ما بعد الايديولوجيات ومارستُ حيلاً مبتكرة للمطالبة بحقوقي… لقد صرتُ مثل حيوان داجن داخل كيس ولكنه رقيق
 الملمس وممتع. 
التنورة التي تتناغم مع قمصاني الضيقة، تبدو في لحظة كهذه، متناسقة مع خطوط جسدي، مثل الأشياء التي نستخدمها على عجل ثم نحشكها بعد اكتفاء الحاجة في كيس منسي.
لا تسألني عن مكان الكيس، لمجرد أنك تركتني داخله أو لأنك تحتاجه الآن.. ربما لم أكن داخلك أصلاً.


نظرية الفئران 
 لم أتخيل يوماً تورطك بكلمات قلبي، وأنت تأكله بأسنان لا تخصك… كأنني لم أعد كل شيء إلى مكانه، حين تسامحت مع أصابعي البادرة. لقد رتبتُ شراشف سريري التي تغير لونها وخرجت من عتمتها، كما كانت أمي تفعل
 أمامي. 
تذكّرني أنّ رائحة المنظفات هنا لاستجداء انتباهك، فتنقلب عن جهتي بثقة رجل مصاب بنوبة ربو، وأتجنّب سوقية عطاسك، وخشونة هواء الغرفة. لكن، هذه الوطأة، تمنحك فرصة كاملة لتكور 
وجهك. 
ورغم أنك لم تنس – كعادتك- عند خلع طقم اسنانك الصناعية تنظيفه كل مساء، لقد استخدمت أكواب المطبخ أكثر مما ينبغي، وفقدت مهمتها، كانت رائحة المنظفات الكيماوية والمغاطس تتسلّل من الشاي 
كلما تناولته. 
ليس هذا ما اذكره عنك، كيف أصبحت فيلسوفا للعصر الاستعماري، كم مرة كنتُ بنظرك مثل تيار يجلب الغبار أو حركة تجلب الفتن، دون أن انتبه لقسوة أفكارك ولا لسياستك التي استطاعت توظيف توتر مزاجي.. ما أذكره جيداً براعتك في تطبيق نظرية 
الكيس والفئران. 


 خليط الماء والسُكر
أرنو الآن.. إلى كيس دم لمصاب بفقره مثلما أنا، زرقاء شفافة الجلد، عظامي في عزلة، لن يصدّقوا أنّني 
غادرتها.
أنت فقط كنت شاهدي الذي اقتنع ببطء بعد رصاصة قناص، عرفت ما يكفي من حداد يخُصّني لتتوقف داخل صدرك، بأنه لا وقت عندك لتموت ماشياً بلا صوت 
خطاي.
من أجل هذا كنتُ أضم شعري داخل كيس رقيق، بعد أن أمزجه مثلاً بسخط قديم من وصفات الجدات التي تستبدل المثبت –سبراي للشعر- بخليط الماء والسُكر، ليمنحه انحناءات طبيعية وتموجات جذابة لمدة أطول . 
أو أنّ أمزجه بحنين يعود بي لأكاذيب البنات… لقد كنّا نشكل كلماتنا وفق المسافة بيننا
 والمدرسات… عادةً كل شيء أتذكر والرأس المملوء بأحلام البارحة صار مغطى بكيس مثقوب يشفط رطوبة الضجة، تاركاً كل هذا الصمت لتسريحة شعر سيئة. 


كيس مرارة 
مرةً، فقدت المقاومة، والألم يتمايل يمنة ويسرة…لا بدّ أنّ خسارة أو ثقلاً هنا، مثل عمياء كنتُ، بعينين تدوران إلى الجزء المنتفخ من روحي، تبحثان عن الصلابة والقسوة طوال الوقت. لقد كانت مهمتهما: خدش أشباهي تقريباً، لأنّهما مثل بطن حفرة تجرب عمقها، وتؤكد أن جسدي مثل كيس تركت المرارة ما يدل على
شحوب قلبي. قد لا يحدث أن تستأصل كيس المرارة، لأنك سمحت لحصاة تشبه الوحدة أن تخدش – حسب قدرتك – الطفلة المخبأة في جسدي.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من الصباح

عن مصدر الخبر

الصباح

الصباح

أضف تعليقـك